” سأَنْسى “


مهند ساري*


.
.
  ها أنتَ
   أجْمَلُ ما تكوْنُ بشَيْبِكَ الضّافي
    وماءِ الوردِ في القَسَماتِ ..
 فيكَ مَناحةٌ كُبْرى
  ومَرْقَبَةٌ على النِّسْيانِ .. 
   تَنْسَى .. ثُمَّ تَنْسَى
.
.
  وتُصاحِبُ النّحْلَ الخفيفَ ،
تَطيْرُ مَشْياً كي تذوْقَ سُلافةَ
 الكلماتِ /
  آخِرِ مُشْتَهاكَ من النّدى والوحي
آخِرِهِ الّذي هوَ ما يَظَلُّ هناكَ فيكَ ،
هناكَ أَبْعَدَ في البعيدِ
هناكَ مَقْصِيّاً .. وأَقْصَى !
.
.
غُرَفٌ معَ العُصْفورِ تَسْكُنُها هيَ
الدُّنيا
ستَسْكُنُها .. وتَنْسَى
.
.
لو ظَلَّ منكَ سوى حشاشةِ
قلبِكَ المثْقوبِ بالغُدرانِ .. كنتُ
أَقول : تَنْجو ..
كنتُ أَحْدِسُ كامْرِئِ القيسِ الذّي
حُمِّلْتُ من أَوجاعِهِ أَلَمَ الرِّمالِ
ولا يُلامُ المَرْءُ في الأَطلالِ تَنْحاباً
وحَدْسَا !
.
.
غُرَفٌ ستهْجُرُها هيَ الدّنيا
ستهْجُرُها .. وتَنْسَى
.
.
كمْ قد ذهبْتَ ، ولم تَعُدْ إلّا لِماماً
كي تَقُصَّ حكايةً صُغْرى
حكايتَكَ الصّغيرةَ في قُصاصةِ
طائرِ الورَقِ الصّغيرِ !
وكذّبوكَ لِما رأَيتَ !
أنا الوحيدُ – خَليلُكَ الصّافي – أُصدِّقُ :
قدْ رأَيتَ هناكَ في الصّحراءِ
رَيحاناً .. وغَرْسا
ورأَيتَ في ظُلُماتِ ليلِ النّاسِ
بارِقةً عَلَتْ
ثُمّ اسْتَوَتْ ، فوقَ المدى ، شَمْسا !
.
.
غُرَفٌ سَتُعْتِمُ بَعْدَ صوتِكَ في
مَمَرّاتِ النّدى فيها
وتُخْليها .. وتَنْسَى
.
.
اتْبَعْ جِراحَ الرّملِ
في الطُّرُقِ الّتي دَمِيَتْ بهذا التِّيْهِ ..
قُصَّ لنا ظَعائنَنا الّتي خَرَجَتْ منَ
الدُّنيا
وشَدّتْ في الغيوبِ الخَطْوَ
مثْلَ عَجاجَةٍ حَسْرَى ..
ودُرْ في عالم المَلكوتِ بحْثاً
عن بقاياها التي بَقِيَتْ
وطُفْ بَرْقاً بعيداً خُلَّباً
ثُمَّ امْتَلِئْ ، يا أَيّها النّائي ، امْتَلِئْ
مِنْ أَجْلِنا .. أَمَلاً شحيحاً قاسياً
قَدْ يُشْبِهُ اليأْسا !
.
.
غُرَفٌ سَتَعْمُرُها هيَ الدّنيا
وتُهْدَمُ مثْلَ جسْمِكَ
ثُمّ تَنْسَى …
.
.
أَنتَ الذي حَبَسَ الكلامَ وريحَهُ
في دُرْجِهِ الخشَبيِّ
– أَعْني : كهفِهِ السّحْريِّ – 
مثْلَ عَجاجةٍ خضْراءَ …/
هُبِّي في خلايايَ الشّريدةِ كُلِّها
وانْسَي كسارِقِكِ الجميلِ مَدارجَ الصّحراءِ
كمْ أَوْجَعْتُ بيتي – مثْلَ قلبي –
حين غِبْتُ ولمْ أَعُدْ يوماً لكي
أَتفقّدَ العُصْفورَ والدّرَجَ الصّغيرَ !
وصرْتُ ريحاً تحْتَ جِلْدي
صارتِ الأرضُ القتيلةُ تحْتَها رِمْسَا !
.
.
غُرَفٌ ستَخْفُتُ مثْلَ إيقاعِ الخُطى
في جُرْحِ هذا الرّملِ
تَذْهَبُ في المدى
جِرْسا .. فجِرْسَا …
.
.
قُلْ للحديقةِ كلَّ ما خبّأْتَهُ مِنْ
مِدْحةِ الأعشابِ ،
مِنْ أَسرارِكَ الأُولَى على
دَرْبِ الحصى
لَمّا غَرَفْتَ النّهرَ للكلماتِ فيكَ
ومِتَّ من ظمَأٍ بها !
قُلْ للقصيدةِ ما تُريدُ من الأسى
وأنينَ قلبِكِ قُلْهُ للعصْفورِ هَمْسَا ..
طَحَنَتْكَ هذي الرّيحُ
أَحْنَتْكَ الغَداةَ ، ولم تُغادِرْ منكَ
عَظْماً يابساً يَبْكي .. ولا ضِرْسَا !
.
.
غُرَفٌ ستَسْمَعُ صوتَها النّائي
ويحْمِلُكَ الصّدى طيراً بصيراً
ثُمّ تَنْسَى ..
.
.
سيقولُ صوتٌ خافِتٌ بَعْدي
– وقد حَمَلَ النّدى مثْلي على رَيْحانِهِ – :
مِلْنا بِما أَشْبَبْتَ مِنْ نارٍ بهذا
اللّيلِ والجُدْرانِ
خَمْرٌ كُلُّها الكلماتُ ، حَتّى
كلُّنا … مِنْ سَكْرَةٍ فَرْسَى !
.
.
غُرَفٌ سَتَغْرِفُ ماءَها المَشْبوبَ بالأسرارِ ..
قُلْ لبريدِها :
أَنَا آدَمُ النّائي ..
وللكلماتِ قُلْ :
لو لَمْ تكوني ها هُنا
ضِلْعاً .. تَرَقْرَقَ خارجي امرأةً
لكنْتُ نَشَفْتُ في الوديانِ مِنْ
لَسْعِ النّدى
ولكانَ إيقاعي على
وَجَعِ الحصى والقلبِ .. أَقْسَى !
.
.
مطَرٌ على الشُّبّاكِ لا يَكْفي
لِيَمْتَلِئَ الكلامُ بِنَبْرِهِ المائيِّ ،
أو لِتُصَحِّحَ الرّيحُ اعوجاجَ البَرْقِ في
أَبَدِ الشّتاءِ …!
هناكَ في قلبي
بُكاءٌ غيرُهُ لا ينْتهي ،
وهناكَ في قلبي
مَناراتٌ .. لِمُمْسَى
.
.
وحْدي أُصدِّقُ ما تقولُ
فقُلْ لقلبي : سوفَ تَذْوي
ها هُنا فيها مع الجُدرانِ …
طِبْ يا صاحبي بالموتِ نَفْسَا
حينَ تَخْمُدُ مثْلَ ضُوءٍ ناحِلٍ فيها
وتَخْلَعُها لباساً بالياً مِمّا اكْتَوَيْتَ
مِنَ النّدى القاسي …
فَقُلْ لي ، قُلْ لقلبي مَرّةً
يا أَيّها العصفورُ – لوْ كذِباً – :
سأَنْسَى
سوفَ أَنْسَى .. حينَ تُنْسَى 


* شاعر وأكاديمي من الأردن

شاهد أيضاً

أكبر سجن على الأرض إيلان بابيه يؤرخ خطة إسرائيل في تحويل الضفة والقطاع لسجن مفتوح

أكبر سجن على الأرض إيلان بابيه يؤرخ خطة إسرائيل في تحويل الضفة والقطاع لسجن مفتوح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *