الرئيسية / مقالات / ونحن نحب الحياة

ونحن نحب الحياة


هيفاء بيطار *



لا يهم أن أذكر أسماءهم، فهم مجموعة من الشبان والشابات في اللاذقية لم يستسلموا للإحباط واليأس وجنون التدمير والقتل، بل اختاروا عن قناعة تامة وحدس سليم أن أفضل طريقة لمقاومة كل هذه الظروف وحشية القسوة والإحباط هي الثقافة. شبان وشابات في اللاذقية وبعضهم نازح من حلب وحمص والحسكة والرقة وغيرها أعمارهم بين العشرين والخامسة والعشرين، لم يستسلموا للإحباط ولم يسقطوا في التفاهات ـ ارتياد المقاهي وتدخين الأركيلة واللعب بالورق ـ ولم ينهاروا ويدمنوا على المخدرات، بل اختاروا مُنقذاً «مضموناً» يفتح لهم طاقة أمل وحياة: الثقافة. كل أسبوع يجتمعون في مقهى أو في بيت أحدهم ويختارون كتاباً لمناقشته أو يحضرون فيلماً سينمائياً، ومن حسن الحظ أن كل الأفلام الحديثة متوفرة. وكان لي الشرف أنهم دعوني مراراً لمشاركتهم ندواتهم الثقافية، التي لم يعقها انقطاع الكهرباء ولا الحر الشديد، ولا جعير مولدات الكهرباء، كانوا يأتون إلى الموعد ممتلئين حماسة وثقة وحباً بالحياة، كأنهم يمدون لسانهم هازئين بكل نشرات الأخبار والتحليلات السياسية والمآسي بأنواعها، فهم يحبون الحياة طالما استطاعوا إليها سبيلا. كانوا يخلقون بنقاشاتهم الرائعة العميقة والتي تدل على فهم عميق واقعاً سليماً مُعافى، كما يُفترض أن يكون واقعهم، ويخلقون حياة موازية نضرة، موازية ومتفوقة على الحياة المريضة الذابلة والدامية التي يعيشونها. أن ترى شاباً أو شابة يؤمن بدور الثقافة كمُخلص وسط حياة تحولت بكل وجوهها إلى مأساة، فهذا بحد ذاته يعطي الأمل بالمستقبل، لأن هؤلاء الشبان والشابات هم من سيصنع مستقبل سوريا. إحدى الشابات نازحة من حلب مهندسة وقد دُمر بيتها بالكامل، فنزحت مع أسرتها إلى اللاذقية وانضمت إلى الشلة الثقافية. سألتها وأنا معجبة بمتانتها النفسية كيف تجاوزت تلك المأساة وهي ترى بيتها في حلب حطاماً وتضطر للنزوح إلى اللاذقية، قالت ببساطة وقناعة وابتسامة أمل مرتسمة على شفتيها: ماذا يفيدني الحزن واليأس، علي أن أغذي نفسي وأدعمها بما يفيد وليس مثل الكتاب صديق وفيّ ومخلص من الإحباط.
قد يبدو الحديث عن أهمية ودور الثقافة في هذه الحرب القذرة لامنطقياً أو ترفاً وربما نوعاً من الخيال، لكن هؤلاء الشبان الرائعين أدركوا بحدسهم وعمق تفكيرهم أن العقل السليم الحر، وغير المرتهن لأي نوع من أنواع التعصب هو حجر الأساس لبناء وطن حر وكريم. وبأن الثقافة وحدها هي طريق الخلاص لأنها تشفي العقول المريضة من التعصب والجهل والإجرام والضلال. وكم أتمنى لو ينال هؤلاء الشبان الدعم من كل المؤسسات، وأن تساعدهم على تأمين الكتب والأفلام.
تحية إكبار وإعجاب واحترام إلى أصدقائي الشبان الذين يخلقون الأمل من رماد اليأس. ويصرِّون على الحياة الكريمة والمستقبل المشرق.

* روائية من سوريا
السفير 

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *