الرئيسية / مقالات / لا الترحال بغيتنا ولا المكوث في السراب

لا الترحال بغيتنا ولا المكوث في السراب


*لطفية الدليمي

غريب أينما يعصف بك النوء أيها القلب، مستوحش وسط الحشود ، لا المدن تغيثك ولا الوصول مرامك ، لا الترحال بُغيَتك ولا المكوث في السراب ، برهةٌ من نور قد تحملك إلى المرتقى ، برهة من العتمة قد تختم الحكاية ، فلا توصد الكلمات على قلبك أيها البحر …

1
لو كنت بحرا ، إذن كنت سأمضي موثقا بأنين الغرقى تحاذيني صيحات القراصنة من شاطئ إلى ميناء ، لو كنت بحرا لكان الملح حارسي من عفن الوجود والتحلل في حياة لم تعد تصلح لإنسان ٍ ولكانت طبيعتي احتضان الأنهار ومقاومة النوء ، ولَكان في أمدائي السحيقة متسع للنقائض والأهوال والكنوز، ولكنت حراً أنتسب للقارات بمشيئتي: لا عِرق أنتمي إليه ولا أسلاف يحاصرون حاضري بالأسماء وأكاذيب البطولة وترهات القبيلة والأقوام الفضلى ، لو كنت بحرا لكنت وطن نفسي وغايتها واكتفيت بذاتي: ماءً يعانق السماء وتستحم فيه النجوم والشهب ، لو كنت بحرا لحملت المدن إلى أحلامها والنساء إلى قصائد العشاق والسفن الى مقاصدها أومصائرها ، لو كنت البحر لما أصغيت لهذر الايديولوجيات ولا ابتليت بخيانات البشر وتفاهات السياسة وخذلان الأرض المسماة وطنا ، هذه الارض التي لا تكتفي بإذلالك وتهديد حياتك بل تسلمك للمتاهة في أوان العصف.
2
تراودني لذعة البرد الجبلي أنا المترنحة على ضفاف الزمن ونهايات العمر ،تُهمْهِم لي الجدران الغريبة وأسيجة الياسمين وطنين النحل ، تهيبُ بي غيوم الصباح المذهبة: ها أنت تجوبين المدن ، ها أنت تترحلين عبر المواسم والأحلام كما شاءت لك النبوءات والرؤى ، ها أنت تكتشفين الجهات وتحاورين البشر والبحر والسماء ، فعلام التأسّي ؟؟ علام توصلين الدمع بالنحيب كلما أشرقت شمس أو بزغت نجوم أو تراءى في الأفق هلال وليد ؟؟
تقولين الوطن ؟؟ ما الوطن ؟؟ مفردة عاجزة من لغات الناس ، ابتذلها الطغاة والمبشرون بالنعيم المستحيل ، كلمة تعكز عليها القتلة والفاتحون ، كلمة أُعلـِنت الحروب والمجازر على إيقاعها ، كلمة ماعادت غير أيقونة مقترنة بالألم البشري ومصادفات الموت على الهوية.
تهمس لي همهمات الريح في شجر الزيتون وتغريدة الطائر أسود الجناح – أتعرفين ما الوطن بعد كل هذا وذاك ؟؟ ماعدت أعرف شيئا أيتها العاصفة ، لعله اسم أسطورة عتيقة اشبعتنا حلما وتوهمات ٍ، لعله جرعة المخدر التي يسقوننا إياها ونحن نواجه طفولتنا وتفتحنا وصبانا المهدور ، أم تراه خديعة اللغة إذ تزين لنا الحرب على أنها مأثرة ؟؟ أوهو أكذوبة المعنى إذ تتداوله التأويلات والتفسيرات المراوغة ودجل المساومين على التربّح ؟ ، ربما هو تاريخ الدم المسفوح في كل عصر على عتبات النساء ، وهو الرؤوس المقطوعة تشير إلى تغول المتوحشين ، و هو جثث الأبناء تلقى في النهرين العظيمين لتطفو على إيقاع نحيب الثكالى ؟؟ 
3
المدن كلها أكّالة قلوب البشر، مع مكائدها تتضامن رياح عولمة وحسابات سوق ، ومن مخالبها يومض جشع الدهور، نترحل بينها كأشباح هاربة من التيه وإليه ، نخادعها بضحكة أو ادعاء بهجة لئلا تفتضح جراحنا المعتقة، نُموِّه فيها نشيجنا المكتوم ،وبغتة تخطفنا أمواج دجلة و يفتننا حفيف النخل لنستغرق في حنين طفولي أخرق ، فسواء هنا أوهناك وأينما تلقي بنا دوامة المتاهة حيث لاوطن وحينما لاخلاص ولا نجاة ، سوف تتكشف لنا الحياة فخا مغويا والانتظار خدعة والأمل أحبولة شوق ، فلا الترحال بغيتنا ولا المكوث في السراب.
________
*المدى

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *