الرئيسية / نصوص / دونَ خُـفَّـيْـن

دونَ خُـفَّـيْـن


*سعيدة تاقي

( ثقافات )

لم يستيقظ هذا الصباح.
لم يُجبْها ـ عند الظهيرة ـ و هو يسمعها تناديه، عقب فَـتحِها باب الشقة بالمفتاح الذي تملكه منذ سنوات، و تجمعه إلى سلسلة مفاتيحها الكثيرة و المتجدِّدة.
كان يدرك و هي تناديه بصوتها الدافئ، أنها تحمل نصيـبَه من وجبة الغذاء التي أعدَّتْها بشغف، و حملتْ شطراً منها إلى طفليها في المدرسة، و أتَـتْه بشطر ليتناولاه معاً. كان ذلك هو الحل المُرضي للجميع، بعدما يئست من انتقاله للعيش معها، و مفارقة عزلته داخل غرفة مكتبه و رواياته و مؤلَّفاته.
يـسمعُـها، الآن، تبحثُ بين الأدراج و الخزانات في المطـبخ، عن الصحـون و الملاعـق و الشوك… و يسمعها تواصِل النداء عليه بصوتها الدافئ.
ارتدى الخفَّـيْـن الناعمين، اللذين أهدته إياهما مع بداية الخريف قبل ثلاثة أسابيع. كانا أكثرَ طراوةً و نعومة على قدميه من المعتاد، لكنه لم يُعِر الأمر اهتماماً.
حمل فنجان قهوته البارد.. و توجَّه ليلحقـها إلى المطبخ دون صوت.
كان دوماً يمازحها بقوله: “سأظل أحمل فنجان قهوتي، مهما ارتفع ضغطي يا ابنتي. أعتقد أنني سأحمل فنجان قهوتي بيُمناي حين نُـبعَث؛ ففيه صكُّ براءتي من كل الجرائر التي ارتكبْتُـها في حياتي، بعضُها كان لفرط النشاط الزائد، و بعضُها كان لقلَّة النّوم الهانئ.”
تبِـعَـها، و هو يشعر ببرودة الفنجان بين أنامله. يراها تقسِم حصص وجبة الغذاء بين الأطباق، و دون أن تنظر إليه، تناديه من جديد.. تمرُّ أمامَه.. يلحقُها دون صوت.. تتوجَّه نحو غرفة النوم، و هي تناديه بصوت أكثر دفئاً و شغباً.
هناك في غرفة النوم، يراها بجوار السرير…
و يرى نفـسَه نائـماً على السرير نفـسِه.. فنجان قهـوته البارد فوق المنـضدة الصغيرة.. و الخفَّان النّاعمان في الأسفل، وحيدَيْن دون قدمين.
________
*شاعرة وكاتبة من المغرب

شاهد أيضاً

عزلة في عزلة – شعر

(ثقافات)  سعيد الشيخ وباء خلف الأبواب والشبابيك وباء في البر والبحر والأجواء وباء في كلّ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *