الرئيسية / قراءات / “ليل آخر” لحنان بيروتي شمعة في ليل طويل

“ليل آخر” لحنان بيروتي شمعة في ليل طويل


**موسى إبراهيم أبو رياش

( ثقافات )

“ليل آخر” مجموعة قصصية للكاتبة حنان بيروتي، صدرت عام 2012، عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان، في 213 صفحة من القطع المتوسط، تضمنت المجموعة تسعاً وأربعين قصة في ثلاثة وأربعين عنواناً، تراوحت بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً.
تناولت قصص المجموعة موضوعات ومشاعر: البؤس، الشقاء، الحرمان، الظلم، الإهمال، التفكك الأسري، الخوف، الغضب، الوحدة، الألم، الطمع، القسوة، النظرة الدونية للأنثى، جناية الهواتف الخلوية والإنترنت، القيود الاجتماعية، التكاثر بالأولاد، إغراء المال، مشاعر كبار السن في ملاجئ العجزة أو عند أولادهم، الحرمان من الأطفال، وغيرها من الاختلالات الاجتماعية والإنسانية التي هي حصاد الواقع المر، وخاصة في مدينة الزرقاء وحيها “الغويرية” الأكثر بؤساً وفقراً وحرماناً.
يقول أحمد فضل شبلول في تقديمه للمجموعة: ” إن البوح الإنساني والشجن الدافئ والصراخ الهامس، والهمس الصارخ يسيطر على عوالم بعض القصص، في حين تسيطر التكنولوجيا والحواسيب والعلاقات الإنسانية الباردة “غربة باردة تباغتها وهي تنام في فراش وبين جدران لم تعد تألفها” على عوالم قصص أخرى. “
تؤكد الكاتبة في هذه المجموعة على مسيرتها الإبداعية المتصاعدة، واشتغالها على الإنسان وآماله وآلامه، فهو عالمها الإبداعي، ومن أجله نسجت قصصها ببراعة. وتقول بلسان حالها أن البيئة التي نعيش فيها تغصُّ بالقصص والحكايات وحتى الروايات، فلا حاجة للذهاب بعيداً وإعمال الخيال، فما بين أيدينا يفيض وزيادة، وهو أكبر من قدراتنا وجهودنا. وكأنها تقول أن تحرير الإنسان من كل ما يشغله أو يؤثر عليه هو الأساس، وإلا كنا كمن يبني قصوراً من الرمال على الرمال.
تهتم الكاتبة بالتفاصيل الصغيرة والمشاعر الإنسانية، وتبعث الحياة في كل شيء حولها، وتصيره قضية تستحق تسليط الضوء عليها، وتلتفت إلى أشياء لا يلتفت إليها معظم الناس لبساطتها أو لطول الألفة معها. وهذا الالتفات دلالة على حساسية الكاتبة الإبداعية، وتواصلها الحميم مع محيطها، وإحساسها بنبض الأشياء وقدرتها على ترجمتها إبداعياً.
يقول د. عمر الخواجا: “المجموعة القصصية “ليل آخر ” لحنان بيروتي تشيرُ إلى أنّ الأنثى الكاتبة تبرع في نقل المشاعر الإنسانية عامة وليس مشاعر الأنثى فقط ، وهذا ما أثبتته الأديبة بيروتي حين تصدت بجرأة للغوص في مكنونات النفس البشرية ، ورغم أنّ معظم أبطال المجموعة هن من النساء إلا أنّ المعاناة التي تطرحها هذه المعالجات القصصية هي معاناة عامة ناتجة عن قهر اجتماعي أو اقتصادي أو ثقافي.”
عنوان المجموعة “ليل آخر” وهو عنوان إحدى قصص المجموعة أيضاً، عنوان معبر عن قصص المجموعة، التي تغلب عليها العتمة والظلال الكثيفة، ويشي باستمرارية الليل إلى حين. ويصدق عليها المثل الشعبي “المكتوب مبين من عنوانه”. فالعنوان هنا ليس عتبة فحسب، بل هو باب مفتوح على مصراعيه.
من القصص اللافتة في المجموعة قصة “عتمة”، التي تتناول حياة أسرة فقيرة جداً، حيث العتمة ستراً وغطاءً ورحمة، فلا تكشف كثيراً من العيوب ومظاهر الفقر والحرمان، بل توفر بيئة خصبة وغنية للتخيلات والأحلام الوردية، ربما لا تتأتى للأغنياء والمترفين. وفي المقابل فإن الفقراء لا يحبون شمساً قد تفضحهم وتكشف ما خفي حتى عن أقرانهم.
في قصة “صوت”، تتمزق الأم ألماً عندما تكتشف عرضاً إثر ارتطام أوانٍ معدنية بأرضية المطبخ أن طفلها الصغير الذي يحبو لا يسمع على الرغم من ارتفاع الصوت، لكنها سمعت بوضوح صوت بكاء مر آت من أعماقها!
قصة “الأعداد تغير أشكالها”، تصور مراحل العمر وتقلباته، بما فيها من رؤى وأحلام وآمال وأمنيات وخيبات، بشكل مبتكر اعتماداً على التشكيلات المختلفة للعدد 4.
في قصة “تفاحات “أبو إبراهيم””، يظهر التناقض العجيب في حي الغويرية/الزرقاء، هذا الحي الفقير المعدم الذي يعاني الفوضى والعشوائية، ولكن سوقه(الحسبة) يحتكم إلى قواعد وتعليمات صارمة متعارف عليها ضمناً، لا يجرؤ أحد أن يخالفها أو يخرج عليها. وعندما يأتي أبو إبراهيم كساكن جديد في الحي، يخرج بعربة الخضار إلى السوق، يُقابل بنظرات نارية مستنكرة، وعداء لا يخفى. لكنه تجاهل كل ذلك من أجل قوت عياله، وحاجة زوجته النفساء، وظروفه الصعبة بعد خسارته في البورصة. وعند الظهيرة انقلبت عربته وتناثرت محتوياتها من التفاح على أرضية الشارع مختلطة بالطين. وقد أكد أحدهم أن أحد المارة قلب العربة –سهواً- ولاذ بالفرار، وبالتأكيد هذا الفعل هو من ضمن إجراءات السوق الرادعة لكل من تسول له نفسه أن ينافس تجار السوق وباعته، ويخرج على النظام السائد، في مفارقة مدهشة، لأن من المفترض أن تسود روح التعاون والتكافل في البيئات الفقيرة، ولكن يبدو أن الخوف من المجهول، والخوف على لقمة العيش تحول إلى غول ينهش القلوب والضمائر.
تصور قصة “ليل آخر” آلام أم مسنة هدها المرض، واشتدت عليها الأوجاع والأسقام، يفاجئها ابنها طالباً منها أن توقع على المعاملة. تتخيلها معاملة استقدام خادمة طالما طالبت بها لتعينها وتساعدها، وتخيلتها حنونة خدومة كبناتها اللواتي يأتين بين الحين والآخر. ويخرجها ابنها من أحلامها الوردية بأن توقع على معاملة التنازل حتى لا يتغلب مع البنات، في لطمة قاسية، وصدمة لا يمكن أن تأتي إلا من ابن عاق قاسي القلب معدوم الضمير، إذ وأد أحلامها، ونعاها في حياتها. وأي ظلمة وأي ليل حالك الذي ينتظر هذه الأم مع هكذا ابن؟!
وبعد… فإن قصص المجموعة كما مجموعات بيروتي الأخرى، تتميز باللغة الجميلة السلسة الموحية، والبوح الإنساني الآسر، والقدرة الفذة على الإدهاش والإمتاع، والإبداع في التقاط اللحظات الفارقة الكاشفة والفاضحة أحياناً. وهي مجموعة متميزة مضموناً وفنياً ولغوياً، تعبر عن إبداع لا شك فيه، وتألق لافت. أكدت على علو كعب صاحبتها الإبداعي، وتفردها، وأنها غدت رقماً قصصياً صعباً على الساحة الأردنية والعربية.

شاهد أيضاً

“رغبة” سمية عبد المنعم: كشف المسكوت عنه

*منال رضوان (رغبة) هو الاسم الذي اختارته الكاتبة الصحفية والروائية سمية عبد المنعم لتعنون به …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *