الرئيسية / قراءات / إيان ماكوين: الكتابة مثل الحياة مُمتعة إن عشتها

إيان ماكوين: الكتابة مثل الحياة مُمتعة إن عشتها


*رشا المالح

يتوجب على القاضية من المحكمة العليا في رواية الكاتب البريطاني إيان ماكوين الجديدة «حكم الأطفال»، التي صدرت حديثاً، أن تتخذ قراراً بشأن حياة أو موت فتى مراهق، في الوقت الذي يشعر فيه مؤلف الرواية أن الموت قريب منه، ومع ذلك يقول في مقابلة له مع كارين روبنسون من ملحق «الأوبزرفر» الإنجليزي، «الكتابة مُمتعة إن كنت تعيشها، تماماً مثل الحياة».

وببساطة يصف ما كتب في الرواية الحديثة قائلاً، «الكثير من الأعمال الروائية الحديثة التي كتبت في أواخر القرن العشرين، غير واضحة». ويشير إلى أن فرصته المثالية كروائي حينما ينظر ككاتب من خارج الحدث، ومتفرج ومتلصص أديب.
ويحكي ماكوين الذي وصلت معظم رواياته إلى القوائم الأخيرة المرشحة لأهم الجوائز الأدبية، في روايته التي لا يتجاوز عدد كلماتها 55 ألف كلمة، عما لا يحدث الذي يمتلك قوة التدمير كما في روايته الشهيرة «التوبة»، التي حولت إلى فيلم سينما ناجح عام 2007، وكما في روايته «أمستردام» يبحث في القضايا الإنسانية وظروف الناس، لإظهار الغضب والأسى والخجل والاندفاع والتوق. وينتقد في عمله العقيدة الدينية التي تفتقر إلى التعاطف، والأخلاق الوجودية.
هواجس حب
يتعمق ماكوين من خلال أحداث الرواية في هوية هواجس حب غير واضح الملامح من خلال كارثة في زواج مضى عليه زمن طويل، ليدخل كما يقول في تلافيف عقل امرأة ناضجة تواجه محنة في حياتها، لتفجر كل ما في داخلها من مشاعر دفينة.
وما ساعد ماكوين في تعمقه بشخصيات روايته هذه وما سبقها، حياته الشخصية الحافلة بالأحداث التي أشبه ما تكون برواية، ففي عام 2002 اكتشف أن له أخاً يكبره بستة أعوام تم تبنيه خلال الحرب العالمية الثانية، كما قامت زوجته الأولى باختطاف ابنهما والسفر به إلى فرنسا، رغم أن المحكمة حكمت له بالوصاية.
أسى مُعلن
ويتلمس القارئ بين السطور عمق الأسى والمشاعر غير المعلنة، التي عاشها ماكوين قبل سنوات من خلال تجربة الفقدان، بعدما غيب الموت صديقه المقرب الكاتب كريستوفر هيتشينز، وتبعها في شهر إبريل من العام الجاري الموت المفاجئ لوكيلته الأدبية صديقة العمر ديبورا روجرز إثر أزمة قلبية حادة. ووصف لحظات تلقيه الخبر بقوله، «حينما أتاني الاتصال كنت أفهم قواعد ترتيب الكلمات، لكني لم أستطع استيعاب المعنى ولم أستطع تصديق الخبر».
شبح الموت
يشير إلى أن اقتراب الموت منه، وجد طريقه إلى كتاباته ليصبح موضوعها وإن كان بصورة غير مباشرة، ويقول إن الصفحات الأخيرة من روايته تتضمن ما ذكره الأديب والشاعر الإيرلندي جيمس جويس (1882 -1941) في قصته القصيرة «الميت»، ويجد علاجه من رومانسية الكتابة والأدب والأفكار في رياضة المشي، حيث أهدى روايته الجديدة إلى أحد شركائه في رياضة المشي وهو عالم متخصص بالأعصاب.
كتاب العائلة
يقول ماكوين إنه يأمل أن تصنف روايته الجديدة في فئة «كتاب العائلة»، الذي يتربع على قائمة أدب الخيال فيه كل من البريطانية جورج إيليوت (1819 – 1880)، والبولندي جوزيف كونراد (1857 – 1924)، والأميركي هنري جيمس (1843 – 1916)، والبريطانية جين أوستن (1775 – 1817).
والعامل المشترك بينه وبين رواد الأدب أولئك، حب اكتشاف العوالم الإنسانية المغلقة والمستعصية، إلى جانب فضوله في اكتشاف أبعاد المهن الأخرى كالجراحة والسينما، ويقول بهذا الشأن، «لطالما أحببت البحوث، كما أحب الناس ذوي المهارات والخبرة. لذلك أحب مواقع تصوير الأفلام، حيث الأحب على قلبهم الحديث عن عملهم».
فكرة الرواية
استلهم ماكوين فكرة «حكم الأطفال» من قضية استئناف لصديقه القاضي سير آلان وورد، التي صادف أن كانت زوجته المحامية هيلين وورد، التي مسكت قضية طلاقه عام 1995. وقال حول فكرة الرواية «وجودي في دائرة أصدقاء من القضاة واستماعي لحواراتهم أضاف أبعاداً جديداً للأدب حول إجراءات القضاء، خاصة في التوازن الدقيق في الأحكام».
نوفيلا أم رواية
قال بشأن قصر روايته الأقرب إلى «نوفيلا»، «أنا مهتم بالرواية القصيرة، ومن خلالها رأيت روايتي الأخيرة التي تصورت أنها لن تتجاوز 40 ألف كلمة». وطرح العديد من الأمثلة عن الأعمال الكلاسيكية في الرواية القصيرة منها، «قلب الظلام» 1899 لجوزيف كونراد، و«الموت في فينيسيا» 1912 للألماني توماس مان (1875 – 1955).
«حُكم الأطفال» سرد مُتوغل في غوايات منتصف العمر
في رواية «حُكم الأطفال» فيونا ماي القاضية في المحكمة العليا التي تترأس قسم شؤون العائلة، امرأة عاقر نزيهة ومحبة. وتعكس أحكامها القانونية جانباً من العدل الإنساني في قضايا الطلاق والوصاية على الأبناء وغيرها. وهي مثل ماكوين تحب الموسيقى الكلاسيكية وبالأخص باخ، ومع ذلك تبدو للقارئ عبر حدود مسافتها التي تفصلها عنه باردة في البداية.
وتبدأ أحداث الرواية مع جاك زوج فيونا منذ 30 عاماً المحب لموسيقى الجاز، الذي يطلب منها إذنا وهما على أعتاب الستينات في السماح له بخوض علاقة عاطفية حميمة مع شابة صغيرة ليدرك ما فاته من هذا الشعور، الذي رسمته مخيلة جيله. وبمعزل عن أزمة منتصف العمر التي تعيشها فيونا مع زوجها وصراعها بين رفضه وبين الرغبة في عودته، تقرر كقاضية أن تقيّم حالة الفتى متجاهلة تقارير الجهات المتخصصة المعنية بهذا الجانب.
منتصف العمر
وتتمحور الرواية في أحد جوانبها حول التقدم بالعمر خاصة بالنسبة لجاك الذي يطلب «تجربة أخيرة»، في الوقت الذي تطلب فيه زوجته فيونا نفسها للبت في قضية الفتى آدم هنري الوسيم والمتقد الذكاء الذي يرفض عملية نقل الدم بهدف علاجه من سرطان الدم، لكونه من طائفة «شهود يهوه»، ويقول ماكوين «الحبكة الرئيسية للرواية تتكرر في الغرب ما يقارب من ست حالات في السنة».
والفتى آدم الذي يبلغ الثامنة عشرة بعد مضي ثلاثة أشهر من وصول قضيته للمحكمة، مستسلم للموت في مشفي بجنوب لندن، وهو مثل والديه الملتزمين دينياً، يرفض العلاج الدوائي والطبي.
وتبعاً لمطالب البند الخاص بقانون الأطفال، على القاضية الأخذ بمصلحة وصحة الفتى آدم، والمعضلة تكمن في السؤال هل يمكن للقاصر الذي نشأ في كنف منظومة عائلة متشددة دينياً المخاطرة بحياته؟ وعليه تقرر فيونا السماح بنقل الدم له، رغم قرار المريض ووالديه وعقيدتهم. وتأخذ هذه المعرفة القاضية والرواية، في منحى غير متوقع من الغموض، تعيش على أثره فيونا في ألم.
________
*البيان

شاهد أيضاً

منجد صالح هو الأسلوب نفسه

فراس حج محمد لكل كاتب أسلوبه الخاص الذي يعرف به، وربما من أجل ذلك كانت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *