الرئيسية / مقالات / مُطارحات فَنْطازيّة

مُطارحات فَنْطازيّة


*خيري منصور

ين قرأت كتاب الاطروحة الفنطازية لعلي الشوك في صباي كان اول ما اجتذبني اليه عنوانه وشكل الكتاب الذي لم يكن تقليديا بل اشبه بألبوم وظننت للوهلة الاولى ان الفنطازيا هي ما كنت اسمعه في طفولتي في القرية لكن بطريقة نطق مختلفة وهي الفنطزة، والمقصود بها الترويح عن النفس، او المشاركة في سهرة سمر ريفية تحت ضوء القمر حيث لا كهرباء بلا اية مناسبة، هكذا اقترنت الفنطزة في ذاكرتي بما يتجاوز الضرورة ويقترب من المجانية البريئة وفائض الشغف بالحياة، لكن اطروحة علي الشوك لم تكن كذلك، فهي في مزاوجتها الماهرة بين تجريد رياضي وايقاعات موسيقية كان لا بد ان تجترح افقا مغايرا، ورغم صعوبة التأقلم الذهني مع مقاربات عالية من هذا الطراز سرعان ما حررني الكتاب من ارتهان قروي لأفراح يشارك فيها الجسد على استحياء، فالرقصة في تلك المناخات تبتعد كثيرا عن الموسيقى مما يجعلها مجرد رياضة بدنية لتسريب الفائض من طاقة مكبوتة، وكان لا بد من قراءة كتاب آخر ورائد لعلي الشوك بوعيه المبكر والمفارق للسائد المعرفي في تلك الآونة هو الدادائية التي سمعنا بها للمرة الاولى، وظننا بالوتيرة ذاتها وبالارتهان ذاته لثقافة تتأسس على النّسب حيث كل ياء نسبة هي هوية، ان هناك فيلسوفا او فنانا اسمه دادا لنفاجأ بعد ذلك التهيؤ أن «داد» كلمة عديمة المعنى، بل بذل من اطلقوها على اتجاههم الفني جهدا كي تكون بلا دلالة، لأن عشرينات القرن الماضي التي اعقبت الحرب الكونية الأولى، شهدت افرازات ثقافية في اوروبا لم تكن مألوفة من قبل، فحجم الحرب وما اسفرت عنه من خراب وضحايا استولد لدى جيل كامل شكوكا كانت طي الكتمان وهي شكوك تشمل الموروث المعرفي والاخلاقي ايضا، مما مهّد الطريق لظهور مصطلحات من طراز العبث والعدمية او النهلستية والفراغ الروحي واخيرا التمرد، وتلك ثيمات فكرية وفنية جاءت الحرب الكونية الثانية لاطلاق كل ما في باطنها من ممكنات، وان كانت القطفة الاولى هي الوجودية ببعديها المادي المضمّخ بالماركسية كما هو الحال مع سارتر والديني كما تجسّد لدى سيرين كيركيغورد وجابرييل مارسيل، ولأن الموجات العارمة كهذه تشمل آخرين لمجرد انهم من الجيل ذاته فقد أدرج اسم البير كامو في العائلة الوجودية ، رغم انصرافه الى شجون اخرى حيث البطولة كلها للجسد بشهواته التي اضافت اليها متوسطيته وهيلينيته شغفا دفعه الى التوغل في الطبيعة، لأنه كما قال في احدى قصص المنفى والملكوت .. ان ما يتبقى من ملح خصلات شعر امرأة عادت للتو من البحر على الوسادة اهم من الميتافيزيقا كلها، والاسئلة الفلسفية بالنسبة لهذا المبشر باعادة اكتشاف الجسد لا معنى لها مقابل السؤال عما اذا كانت الحياة تستحق ان تعاش ام انها عبث سيزيفي.

في تلك المرحلة كان الوطن العربي يعيش الاعراض الجانبية للحربين العالميتين اللتين لم يكن طرفا فاعلا فيهما بل هو الجغرافيا المنفعلة رغما عنها سواء من حيث استخدام الصحارى العربية ميادين حرب للآخرين او بسبب الاشتباك مع استعمار حملت رياحه بذور التمرد عليه رغما عنه، فالاستعمار الفرنسي للجزائر على سبيل المثال حمل معه التراث النابليوني وفقه الاستشراق العسكري لدى جنرالات من طراز بيجو مثلما حمل روسو ومونتسكيو وفولتير، ما كان يشغل الجيل الذي يطلق عليه في اوروبا اسم جيل ما بين الحربين كان يبدو فنطازيا او رفاهية غير مبررة وغير مسموح بها لدى من يطرقون ابواب الاستقلال، لكن المفارقة هي ان الجيل العربي من مثقفي الخمسينات والستينات انشطر الى قوميين و ماركسيين على اختلاف منسوب التبني الجاد للماركسية، واحتضن القوميون الفكر الوجودي وترجموه وبدأو يبشرون به، مما أثار ردود افعال واسعة لدى الاشتراكيين، منها للمثال فقط السجالات التي دارت بين الراحل محمود امين العالم ومترجمي كامو وسارتر ومنهم عبد المنعم الحفني.
٭ ٭٭ ٭٭٭ ٭
لم يعش عرب النصف الاول من القرن العشرين تجربة الحربين العالميتين على نحو مباشر لكن عدوى ثقافة الشك واللامعقول بلغتهم حتى وهم يشهدون هزيمة شاملة عادت فيها سبعة جيوش بلا أخفاف وليس بخفي حنين كما يقال من فلسطين التي احتُلّت في ذروة الحرب العالمية الثانية، وان كان الوعد باحتلالها قد بدأ قبل ان تضع الحرب العالمية الاولى آخر اوزارها في عام 1917 ومن خلال وعد بلفور العام الذي صدر فيه كتاب ازوالد شبنجلر عن تدهور الغرب.
ولكي لا نتورط باستطرادات تأخذنا الى مكان آخر وسياق مغاير نقول أن الثقافة المتماهية التي تصبح رهينة المحاكاة والصّدى تنجز من تجريف الوعي ما لا ينجزه الغزاة.
وان كان لا بد من أمثلة، فإن كاتبا عراقيا قرأ رواية «ضياع في سوهو» لكولن ولسون، فكتب عن ضياعه في البلدة الصغيرة التي يعيش فيها، وهناك كاتب عربي آخر هو أنيس زكي حسن الذي ترجم كتابيّ «اللامنتمي» و»سقوط الحضارة» لكولن ولسون سرعان ما اصابته العدوى فكتب رواية تتمحور حول سؤال الكينونة والضياع لكن بهواجس مُستَعارة!
٭ ٭٭ ٭٭٭ ٭
أستأذن القارىء العزيز والذي يشارك ولا يستهلك او يتلقى فقط لأقفز من هذه المطارحات التي تبدو فكرية او ذات نكهة فلسفية الى واقع يومي نعيشه الآن، فمن تجليات الفنطازيا استبدال الضروري بالثانوي فالمقتنيات التكنولوجية بأجيالها التي تتطور بايقاع يتعذّر التناغم معه او حتى اللحاق به اصبحت الأجدر من اشباع الحاجات في الدرجة الأدنى من الغرائز، فمن يشترك عشرات الألوف منهم بسرير واحد حسب احصاءات تقارير الصحة، ويموت اطفالهم بالجملة بسبب الانيميا وتتفاقم في اوطانهم نسبة الأمية لتتجاوز الستين في المئة ينفقون ارقاما فلكية على الثرثرة بالهواتف المحمولة، وعلى ادوات ومساحيق التجميل وكل ما تعج به المولات من كماليات، وحين يرتفع سعر الرغيف فلسا واحدا يقيمون الدنيا وقد يُسقطون نُظُما، لكنهم لا يحركون ساكنا ازاء السّعار الاستهلاكي الذي تتضاعف فيه أسعار الكماليات بحيث اختُزل الانسان الى بُعد واحد بعبارة هربرت ماركيوز.
آخر اطروحة فنطازية عربية سياسية بامتياز فما كان الادب العربي مرشحا لكي يلعب في مجاله تولاه الزعيم والجنرال وناشط الـ أن جي اوز!
______
*القدس العربي

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *