الرئيسية / نصوص / “إمِيْل ساخِر “.. إلى عاطف الفراية

“إمِيْل ساخِر “.. إلى عاطف الفراية


مهند ساري *
( ثقافات )

مُتْعَبٌ جسدي

  ويَديْ مُتْعَبَهْ

 ومنازلُ هذا الطريق الذي

  ظَلَّ ظِلِّي

  هناك يُمَسِّحُ أحجارَهُ

    منْ ثلاثين عاماً

وظَلَّ عليها يُصلِّي

  ويمْسَحُ أشجارَهُ المثخناتِ

      بطعنِ الرّياحِ

      ويحنو على ورقٍ راعشٍ مُتَدَلِ

    الطريقِ الذي صارَ مثلَ يديْ يابساً

   لا سحابَ بهِ

        لا سحابَ ولو عابراً

          في مناديلكَ العسليةِ

        أو في قميصِكَ .. خِلِّي

         الطريقِ الذي .. قد تهرَّأَ مِثْلي !

     الطريقُ البلادُ / البلادُ الطريقُ

       بلادُ الطريقِ / طريقُ البلادْ

       جنَّةٌ في المحاجرِ

         أو وجعٌ في الفؤادْ

بينَ قلبي وقلبِكَ بِضْعُ رسائلَ

مبتورةٍ

وسماواتُ عمياءُ ، أو أرَضينُ

مثقبَّةٌ بالجرادْ

الطريقُ الحريقُ / الطريقُ الحقيقُ بهذي الخُطى

الطريقُ البياضُ المريضُ / البياضُ المَهيْضُ الكثيرُ السَّوادْ

الطريقُ البلادُ ، البلادُ التي

هيَ أهلٌ لِمَنْ هو أهْلُ

أنتَ أهلٌ لها

كلّما امتلأَتْ رئتاكَ بحنْظلِ هذي المدائن تحْلو

وكثيرٌ صديقي ، كثيرٌ نداكَ المُقِلُّ

لا تُطيقُ لها أنْ تُسمَّى

لئلّا تُحَدَّ

وليستْ تُسمّى لفرْط الهشاشهْ

هيَ كبريتُ روحِ أبيكَ

ودمعةُ أمِّكَ حينَ ابتعدْتَ

ومحْضُ ارتعاشهْ !

البلادُ التي عَلِقَتْ في الغُبارِ

التي لا سَماءٌ ولا هيَ أرضٌ

ولكنّها في الطبيعةِ ما بينَ بينْ

سَكنتْ غيمةً في رياح الحنينِ

وأرخَتْ علينا كَفافَ اليدينْ

البلادُ التي جَنَّنَتْنا لفرطِ محبَّتِها

فَغَدونا بها حُكَماءْ

هيَ ضَوءٌ تَقَطَّرَ من طَلَّةِ الأمهاتِ

ومنْ أملِ الأنبياءْ

وهْيَ عشبٌ على كَتفَيْنا مُدمَّىً

وشِعرٌ مُصفَّىً .. وماءْ

قلتَ لي : عندما هَبَطَتْ

نَقَصَتْ قطعةٌ من حقولِ السّماءْ

البلادُ التي لَوّحت بالوداعِ لنا :

لا تغيبوا طويلاً لئِلّا أجِفّْ

قُلْ بربِّكَ كيفْ

حينَ عدنا كما النحلُ

عدنا لنحْسُوَ صَفْوَ الرَّحيقِ ،

وَجدْنا النّدى مالحاً فوقَ سيفْ ؟

البلادُ التي قد تركْتَ لنا

وتراً باكياً

ونُجوماً مُعَطَّشةً في فَلَكْ

ربَّما اشْتَبَهَتْ في مرايا الحنينِ

مرايا الضَّنَكْ

هيَ نفْسُ البلادِ التي

حينَ قلتَ : وداعاً …

تَركْتَ فؤادَكَ مُطَّرَحاً

وَحَمَلْتَ مَعَكْ

البلادُ التي هيَ أُمُّكَ

وهْيَ أبوكَ

وُلِدْتَ هنالكَ مِنْ ضِلْعِها

وأَتيتَ شَبيهاً بأوجاعها النَّبويّةِ

حينَ طُبِعْتَ على طبْعِها

البلادُ التي كنتَ تحلَمُ فيها

أرقُّ بضعفينِ يا صاحبي

من جناحِ فراشهْ

لا تُطيقُ لها أنْ تُسَمَّى وتُلْمَسَ

فرْطَ الهشاشَهْ

البلادُ التي اتَّضَحَتْ ضَحْوةً

وهي في سِحرِها غامضَهْ

التي رَمْلُها سُكَّرٌ

وهيَ في فمِنا حامِضَهْ

البلادُ التي شَفَّ فيها الحَصى

فرْطَ ما رَقَّ منها الفؤادْ

قد قَسَتْ يا حبيبي عليكَ

ليَصْلَبَّ عُودُكَ يوماً فتحْملَها آيةً

وتبشِّرَ فيها العبادْ

البلادُ التي جَفَّ ظلُّكَ فوقَ

حجارتها والتّلالِ البهيجهْ

شرِبوا دمَها

سرقوا زيتَ زيتونِها

منْ عُيونِ خديجهْ

البلادُ التي خَطَفَتْها الوِزاراتُ مِنَّا

كما خَطَفَتْها اللِّحى

سوفَ تَشْفى مع الوقتِ ،

تَشْفى

وتهجرُهم أبداً صالحا

البلادُ التي خَلَعَتْ قلبَنا

وهي تَشْكو لنا أهْلَها

أوْسَعُوها عُقوقاً

وما وجدوا غَافراً مثْلَها

البلادُ التي كسَروا قلبَها

ثُمَّ غَنَّوا لها زمَنا

أورثَتْكَ دُموعَ العصافيرِ

في غُصْنها .. شَجَنا

البلادُ التي تَرِبَتْ في

خيالِكَ .. حتَّى حَلا

أوْدعتكَ أمانةَ زيتونِها

وجعاً فائراً عسَلا

فَخرَجْتَ على عَجَلٍ

لِتَلُمَّ جراحاتِها

شاعراً مُرْسَلا

[ البلادُ الفراشَهْ

نبْضُ قلبِ النّدى

وحريرُ ارتعاشَهْ ]

مُتعبٌ جسدي

ويَديْ مُتْعَبَهْ

فرَغَ البيتُ منْ أهلهِ

والسّماواتُ أفرَغْتَها نَجمةً نجمةً

يا صديقي التّرابيَّ ،

يا واحدي وقليلي الكثيرَ

وَلَمْ يَبْقَ منّي ومِنْكَ سوى شوكةٍ

سَهِدَ الملحُ فيها

وناحتْ على العَتَبَهْ

جَسَدي مُتْعَبٌ

ويَدي مُتْعَبَهْ !

آهِ كمْ كانَ بيتُكَ وحْدي

وكانَ اليقينُ أقلَّ هواءً وشكّاً

أقَلَّ احتفاءً

بقامَتنا المُتْرَبَهْ

قُلتَ لي باكياً : مَنْ أقَضَّ نُعاسَ

الهواءِ .. ومَنْ عَذَّبَهْ ؟

كم خَسرتُكَ كيْ نتوازنَ في

رقصةِ الكلماتِ

وها طَعَنَ القلبُ / قلبيَ في

الأربعينَ ، كما قدْ طَعَنْتَ …

وكمْ أنا أحمقُ إذْ كُنتُ أنْجو

وكُنْتَ الحكيمَ تَمُدُّ على نَطْعِها الرَّقَبَهْ

مِنْ ثلاثينَ عاماً

تَمُدُّ لها الرَّقَبَهْ

وتمسِّحُ أحجارَها بيَدينِ تُرابيَّتَيْنِ

وتُلقي لأسماكِ ريحِ الجَّنوبِ هُنالِكَ

قَلبَكَ والشَّبَكهْ

رُبَّ ناجٍ وعادَ بُخُفَّيْ حُنينٍ

وآخرَ مثلكَ ماتَ

وكانتْ لَهُ الغَلَبهْ !

تِلْكَ مهنَةُ عاطِفَ / مِهْنَتُهُ المُرْبِكهْ !

آهِ يا ابْنَ الرِّياحِ البعيدةِ

والحَسْرةِ المُشتهاةِ

تَأمَّلْتُ هذا الطريقَ الذي

نامَ بيني وبينَكَ مِثلَ القَطاةِ

ومثلَ جناحٍ مَهيضٍ على هذه الكَنَبَهْ

فكتَبْتُ لقلبكَ :

( كم جسدي مُتْعَبٌ …! )

ليقولَ ليَ الصَّمْتُ ما أشْتهي …

ثُمَّ لمَّا صَمَتَّ جَرَحْتَ ارتعاشَ

الكلامِ

فقلتُ – لعلَّكَ تُسعفُني بالبكاءِ – :

يديْ ، يا أخي

مثْلَ قَلْبِكَ موحِشَةٌ مُتْعَبَهْ

مَنْ أناخَ على رَمْلهِ اللَّيلَ ، منْ ذَوَّبَهْ ؟

وبَعثْتَ لقلبي ( إميلاً ) سريعاً

بسُخريةٍ لاهِبَهْ :

[ الطريقُ الذي قدْ تأمَّلْتَ

كانَ طريقَ النُّحاةِ ، طريقَ الجُناةِ

طريقَ الملائكةِ الطيّبينَ / الشياطينِ

والصّادقينَ المُحبّينَ ،

أيضاً طريقَ السّماسرةِ الكَذَبَهْ

نَفْسُ ذا الطريقِ امّحى

فَرطَ ما قَدْ مَشَيْنا عليهِ

ولَمْ يَبْقَ فيهِ حصانٌ ولا عَرَبَهْ ! ]

مُتْعَبٌ جسدي ، يا أَخي

ويدي

مثلَ قلبي وقلبِكَ

مُتْعَبَةٌ … مُتْعَبَهْ !

* شاعر وأكاديمي من الأردن

شاهد أيضاً

المطاردة القصصية العشرون

*علي السوداني   مطر‭ ‬قليل‭ ‬نزل‭ ‬بباب‭ ‬الشتاء‭ . ‬الشتاء‭ ‬نام‭ ‬بعظامي‭ . ‬عظامي‭ ‬مطحونة‭ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *