الرئيسية / مقالات / ثرواتنا الطبيعية

ثرواتنا الطبيعية


*خليل قنديل

كانت المرأة الغربية تحدق بالرجل الذي يجلس إلى جانبها في الحديقة العامة، وهو يقطف الأزهار، ومن ثم يرمي ببعضها ويدوسها بقدميه، بنوع من القسوة، وبينما تراقب المرأة قسوة هذا الرجل على الأزهار بهذه الطريقة، وجدت نفسها تنفعل وتصرخ في وجهه قائلة: من أي البلاد أنت؟! ردّ الرجل على المرأة بصوت مرتعش: أنا عربي يا سيدتي. زاد انفعال المرأة وهي تقول: وهل هذا ما تفعلونه مع نفطكم، تدلقونه في الشوارع؟! ردّ الرجل بصوت مرتبك: كلا ياسيدتي. فقالت المرأة بحدّة حضارية: أنت يا سيدي حينما تدوس الأزهار بهذه الطريقة، فإنك تدوس بقدميك نفطنا، إن نفطنا الذي تعيش عليه دولتنا هو هذه الأزهار.

تظل تلك السيدة تحضر إليّ كمثال للحرص على الثروة الوطنية، وأظل أفخر بمثل هذا الانتماء للثروات الوطنية، خصوصاً عندما أمسك بالأخباراليومية الطائرة، عن احتراق المساحات الخضراء في الوطن العربي، أو هجمة التحطيب التي يمارسها بعض الأهالي العرب، الذين يجاورون بعض الغابات، وسرقة الأشجار، بهدف الاتجار في خشب الأشجار.
والحال، فإننا في الوطن العربي كثيراً ما نستيقظ على حرائق «كافرة» تنهب غاباتنا، وتحرق الأخضر واليابس فيها، ليأتي بعد ذلك التستر على مثل هذه الحرائق، وتسجل على اعتبار أنها بفعل يد مجهولة. وتنسى الجهات المسؤولة أن التستر على مثل هذه الجرائم، هو تستر على خيانة وطنية في التعامل مع الثروات الوطنية.
إن اختصار اهتماماتنا بالثروات الطبيعية على بعض المناسبات السنوية، كالاحتفال بيوم الشجرة بملامحه الكشفية، لا يستطيع أن يحفر عميقاً في ذاكرة جيل كامل، أو أن يشكّل رادعاً لمنع التعامل مع الثروات الوطنية بمثل هذه الخفة.
ونحن هنا تحدثنا عن ثروتنا الشجرية، لكننا سنلمس وجه الكارثة حين نتحدث عن المصادر المائية من ينابيع وأنهار متواضعة، ومياه نقية اختلطت، بسبب إهمالنا، مع مياه الصرف الصحي، إذ أصبحت مدننا تعوم على مياه فاسدة تسبب الأوبئة والأمراض المجرثمة لحياتنا.
إن الوطن العربي صار بحاجة إلى «تثويرات» معرفية، في ما يخص الوعي البيئي والعمل الجمعي الحقيقي، لإنقاذ ما تبقى من ثرواتنا الطبيعية المهدورة والمهملة تاريخياً، ونحن نعيش فقرنا البيئي على صعيد توسيع مساحة التصحر وامتداد اليابسة على هذا النحو الذي صار يبشّر بمجاعات مقبلة.
أن يتحول نهر الأردن الى مستنقع مائي مهمل، أو أن يتحول نهر النيل إلى مجرى ملوث دون أن يرف لنا جفن، فهذا يعني أننا بدأنا نُقبل على الكارثة البيئية التي لن تبقي ولن تذر، والتي لابد أن تجرثمنا بالأمراض.
إننا بحاجة إلى جرعة حضارية توقظنا من كل هذا السبات، وتجعلنا نقف بوجه الكارثة قبل حدوثها.
وكان الله بالعون.
_________
*الإمارات اليوم

شاهد أيضاً

الكتابة… حدود الوصاية

د. رامي أبوشهاب  لطالما شكلت الكتابة عنصراً مُقلقاً للآخر، ولاسيما القوى المحافظة بمظهريها المؤسساتي أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *