الرئيسية / مقالات / ضدّ الكآبة

ضدّ الكآبة



*بسمة النسور

ليس غريباً، أو مستهجناً، وربما لا يستوجب كل ذلك الهلع والارتباك، بل يحدث، أحياناً، وفي غمرة الاطمئنان إلى مسار الأمور، وفي عز الانهماك بشؤون الحياة اليومية العادية التي تمرُّ على نحو آلي رتيب ومتوقع، لا يستدعي التأمل والانتباه. وبدون أي أسباب واضحة أو مبررات محددة، يحدث، صديقي الإنسان وبغض النظر عن عمرك وجنسك وموقعك الاجتماعي ولون عينيك، وعدد أولادك، ومقدار رصيدك في البنك، وعدد إخفاقاتك، وقصص الحب في حياتك، وكم الكتب التي قرأت، ونوعية الأفلام التي شاهدت، وإيقاع الموسيقى التي تروق لك، ونمط الأصدقاء الأقرب إلى مزاجك، والبلاد التي زرت، والأطباق التي تفضل، والأحلام العجيبة التي تراودك، يحدث أن تضرب الكآبة روحك في العمق، تصطادك ببراعة وخفة لبؤة حزينة أضنى الجوع صغارها.

في لحظة ثقيلةٍ غامضةٍ غير مفهومة، تغرز أنيابها الحادة بلا هوادة، تواصل الفتك بك بعناد وشراسة، وتطبق فكها الوحشي على نبض لحظات عمرك الذي توهمته مقدراً هنيئاً آمناً، حافلا بالمسرات والبهجة، فتجعل منه كابوساً باهظاً ثقيلاً ضاغطاً خانقاً متكرراً لا نهائياً، يستبدّ بك الألم، ويظلك الحزن كسحابة، تتعطل طاقتك بالكامل، تغدو عاجزاً بالمطلق عن الدهشة والفرح والحب والأمل والغفران، تخذلك أسباب السعادة البسيطة العابرة، تكتشف إذا صرت وحدك في مواجهة مرآةٍ، لا تتقن الرياء، مساحاتٍ من سوادٍ كامنٍ في ذاتك. تفزعك لحظة المواجهة هذه، يصدمك مقدار الغضب والأسى الذي يعتور في داخلك، وتحاول، بكل ما أوتيت رفض كل تلك المشاعر السلبية المستقرّة في روحك المتعبة، المصابة في يقينها. تفجع بأنك صرت، مثل آخرين، كائناً يملأ الحقد قلبك غير المتسع لبرهة تسامح واحدة، تخفف عنك وعثاء الكراهية. تنهشك أحاسيس الغيرة والحسد والضغينة، يعتريك الشك في كل شيء، وتفقد شهيتك للحياة التي غدت كالحة واجمة، فتلوذ إلى عتمتك وحيداً مذعوراً نائياً عاتباً على الدنيا ومن فيها. تغرق تماما في السكون والاندحار، تكتسحك الخيبة والإحباط، فيما تمر الحياة عاقة صاخبة ضاجّة غير عابئة.
تخلفك متروكاً وراءها بقسوة معشوقة ملول لا تطيق الانتظار، يحق لك عندها، وبكل ما تبقى لك من حلاوة روح، ومن قدرة على الرفض والتمرد، أن تثور على تلك المحصلة البائسة التي خلصت بها حياتك، ليس ثمة ما يمنع من تغير في شروطها، ولا ينبغي أن تستكين إلى معطياتها، بل لك أن تتساءل عما جرى، ولماذا يحدث لك ذلك أنت بالذات.
عليك أن تفتح عينيك على اتساعهما أن تدرك أسباب صدودها عنك، وأنت المقبل نحوها دوماً، بلا ضوابط، كما ينبغي لتوقنا إلى الحياة أن يكون. لا ضير من قليلٍ من الابتعاد، لأنه يحرّر القلب من عبء اعتياد الأشياء، ولكن إلى حين، بحيث يتاح لك استعادة الشريط كاملاً، كما يحدث في الأفلام. حقاً إن (عشيات الحمى ليست برواجع). لكن، تأمل فيما مضى من أيامك، التفت نحو الوراء بين حين وآخر.
ارصد أين تكمن عثراتك، اعترف بنقاط ضعفك، حدّق فيها جيداً، لا تتنكر لها، أعد إحصاء الصفعات التي تلقيتها، تذكر وقعها على روحك، إنس الذين قابلوا الجميل بالنكران والجحود والقبح. اشطب كما يفعلون بأجهزة الكمبيوتر بكلمة (delete) واحدة، ينتهي الفائض من الذكريات والأحزان. تشبث بكل لحظة بهاء وجمال وفرح ولهفة وتوق. غازل الحياة كلما أتيح لك ذلك. عاود المحاولة مراراً، ولا تلتفت كثيراً لاستعصائها وتمنعها، لأنه مجرد اختبار جديد، تضعك في الحياة ليس أكثر!
_______
*العربي الجديد

شاهد أيضاً

من يقرأ دوستويفسكي اليوم . .؟

(ثقافات) يحيى القيسي * أنتمي إلى الجيل الأدبي الذي ظهر في بداية التسعينات من القرن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *