الرئيسية / نصوص / الأغاني لا تزال ممكنة!

الأغاني لا تزال ممكنة!


*ماجد شاهين

( ثقافات )

طاولات متناثرة في الشارع ، لا تزيد عن خمس ٍ ، و مقاعد خشبيّة من حولها ، إن توافرت بمجموع ٍ لا يزيد عن خمسة وعشرين كرسيّا ً مخصّصة لمن لا يستطيع الجلوس إلى الأرض أو لضيوف أو لنساء ربّما لم يعتدن اقتعاد الرصيف و عرض الشارع .
.. تُغلق بوّابات الشارع أمام السيّارات والمركبات ، و تُفتَح و حسب للعربات والباعة الجائلين .
.. والمحالّ التجاريّة أو الحرفيّة تظل مشرعة أبوابها للزائرين والمتفرجين .
المقاهي توزّع مشروباتها في الناس بأسعار زهيدة احتفاء بالفرجة والناس .
و فحم الأراجيل الذي يُقدَح ُ يطلق الدخان في الأجواء منفوثاً من أفواه المدخنين .
و المتفرّجون يأخذون أماكنهم / في المقاعد والطاولات أو يقتعدون أرض الشارع والرصيف ومنهم من يستند بظهره إلى جدران الأرصفة والمحالّ و منهم من يتربّع و آخرون يمدّون أرجلهم في حالة استرخاء وانتباه طبيعيّ إلى المسرح .
هناك في طرفٍ يراه المتفرّجون ، يدندن عازف ٌ عاشق ٌ موسيقاه و ربّما يصعد معه الجمهور إلى أغنية يحبّونها من مثل ( عـــ َالروزنا ) أو ( يا وليف الزين ) أو عــ َ البال بعدك يا سهل حوران أو ( يا ظريف الطول ) أو ( دخلك يا زيزفونة ) أو ( أسمر خفيف الروح ) أو ( جفرا و ها يا الربع ) أو يهتفون مع أغنية ( علّي صوتك بالغنا لسه الأغاني ممكنة ) .
وقد يصير الغناء للناس والأوقات الجميلة وللشهداء و يستذكر الحاضرون روح الجزائر و كيف كانت ترفع الموقف إلى آخر المدى لكي ينتصر أهلها .
في صعود الناس إلى المكان والفرجة والدهشة ، سنفتح دفاترنا ونقرأ سيرة المكان وسيرتنا و نسأل الناس عن النشيد الذي يحبّونه و نعقد الوشوشات عن الحبّ و عن البيادر و مواسم الحَبّ والحصاد ، و نسترجع الذي كان في المدينة من أسماء و أحوال و أماكن وساحات و عيون ماء و أزقّة كانت تفضي إلى مطارح الشوق و مطارح الموقف .
و في الفصل الأخير من حكاية المكان والشارع والفرجة و الحاضرين ، نرى الناس يكتبون في دفاترهم أو على أطراف مناديل النساء : هنا كنّا وهنا نرفع الأشواق إلى الغائبين ، إلى الناس والمطارح والمدن الجميلة والأناشيد .
.. هنا تأخذ أصوات الحاضرين في الصعود ، فيما يترك الشاعر دفتره على الرصيف والمغنّي يصفّق للجمهور الذي يندغم في مشهد البوح .
.. المكان يمور و تصدح فيه الأصوات ، يختم الجمهور فرجته ، قبل أن ينطفيء الشارع ، ويغادر ، و يغنّي في الدنيا والفضاء ، 
هكذا في الرصيف والمقاعد والطاولات و وجوه الناس والدفاتر المتناثرة و في فناجين القهوة وأكواب الشاي و في فحم الأراجيل و في ليلة رصيفيّة باذخة الحب ّ ، هكذا يصعد الصوت مسترجعاً روح الزمن الجميل و يصل صداه إلى أرواح الناس و قلوبهم و أشواقهم و نسمع ونغنّي : 
أخي جاوز الظالمون المدى !
و في قفلة المشهد كنا نسمع نساء كثيرات من حارات أخرى يرفعن النشيد و يصدحن : فــ َ حق ّ الجهاد و حقّ الفدا !
و يأتين من كل ّ صوب باتجاه شارعنا ، يأتين إلى حيث الصعود إلى الحياة .

شاهد أيضاً

يكفيك أحلاماً أيتها المدينة..!

*رياض البوسليمي / تونس إلى متى..؟ سيظل التسول على عتبات الفرج  كتابك المقدس.. يا أحلام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *