الرئيسية / مقالات / استعادة الحلاّج

استعادة الحلاّج


*يحيى القيسي

( ثقافات )

الأجواء القاتمة التي نعيشها اليوم في العام 1435 هجري تجعلنا نستذكر أحداثاً شبيهة ملبّدة بالتكفير في العام 309 هجري أي قبل أكثر من ألف عام، وخصوصاً مع صلب الصوفي الشهير “الحلاّج” بتهمة الزندقة، رغم أن الرجل شهد بأنه مسلم موحد، ونبه القتلة مبكراً إلى حرمة دمه، ووقف معه علماء كثر، لكن المؤامرة كانت أكبر من صوت الحق الذي به نطق، وكان التأويل الظاهري للأقوال والأفعال يطغى على القراءة العميقة للنص، واستكناه باطنه دون القشور، وكان فقهاء الخليفة المقتدر أشد قسوة وأسرع إلى إهدار الدم منهم إلى الرحمة والفهم .
تتناوشني هذه الأفكار وأنا أنتهي من قراءة كتاب “الحلاّج: وارتعش القلب عشقاً” للكاتب والمخرج الأردني عباس أرناؤوط الصادر عن دار الشروق في القاهرة دون تاريخ مكتوب، ولم أكن أعرف من قبل عن توجه أرناؤوط التصوفي الذي بدا جلياً في هذا الكتاب السردي الشهي، إذ هو أشبه بقصيدة طويلة، تأخذ من التاريخ مادتها الأساسية، ومن اللغة الشعرية المحلقة مفرداتها، ومن الصوفية الصافية روحها، لكن هذه “الخلطة” الإبداعية تنتج في النهاية عملاً يقدم المعرفة والمتعة معاً، وينفع المتخصص والقارئ المحبّ أيضاً من دون الشعور بالملل أو الثقل .
ليس المهم كثيراً تصنيف نوعية هذه الكتابة العابرة للأجناس الإبداعية التي اقترفها أرناؤوط عن سبق الإصرار والرغبة، فتلك حكاية أخرى، فهي تندرج في النهاية في مشروعاته الأدبية الإخراجية التلفزية المعروفة منذ سليمان الحلبي مروراً ب “كتابة على لحم يحترق” وصولاً إلى “مصرع المتنبي”، وأيضاً مجموعاته القصصية ورواياته، فالكتابة الخارجة عن طوق الأسوار النقدية والأكاديمية الجافة والأنماط التقليدية المرسخة هي بغيته كما يظهر لنا، وبالتالي يمكن القول بتفرد مشروع هذا الرجل سواء أحببنا منجزه أو ركناه جانباً، ولا أدري إن كان يفكر بعقلية المخرج ليجسد لنا ذلك في مسلسل مقبل، فالأجواء في هذا الزمان هي أحوج ما تكون إلى عمل من هذا النوع، في ظل سيادة الجهل، وسوء التأويل، وحجر الفكر، وإغلاق باب الاجتهاد، وإعطاء الأمر إلى غير أهله، وترويع الآمنين، وإهلاك الحرث والنسل .
يصف أرناؤوط في كتابه هذا نهاية الحسين بن منصور الحلاج بطريقة مؤثرة، فالرجل العابد الزاهد قطعت أطرافه، وصلب، وترك ينزف، ثم ضرب عنقه، وهو الذي قال حينما رأى الناس مجتمعين عليه “يا الله هؤلاء عبادك قد اجتمعوا لقتلي تعصباً لدينك، وتقرباً إليك فاغفر لهم . . فإنك لو كشفت لهم ما كشفت لي لما فعلوا ما فعلوا . . ولو سترت عني ما سترت عنهم لما ابتليت بما ابتليت . .” .
“رفع الحلاج كلتا يديه
مسح وجهه بالدم
قالوا له . . لم تفعل ما تفعل؟
قال: لقد نزف جسمي دماً واصفر وجهي
فلعلكم تظنون اصفراري جزعاً
قال أحدهم: حمرت خدك بالدم . . فلم لطخت ساعديك . .
قال: إني أتوضأ
قالوا: أي وضوء هذا
قال . . والزمان يسمع ويحفظ . .
ركعتان في العشق لا يصح وضوؤهما إلا بالدم” .
من الواضح أن الكاتب قد غاص عميقاً في هذه الشخصية، وتماهى معها تماماً حتى إن صديقه الكاتب المصري محفوظ عبدالرحمن قد كتب على غلاف الكتاب الأخير “لا أظن أن أحداً يستطيع أن يكتب عن الحلاج مثلما كتب عباس أرناؤوط فهو مزيج من الباحث والشاعر والثورة، وكلماته بالتالي أكثر من أن تكون كلمات . . أحببت الكتاب كثيراً . . وأخاف على صديق العمر كثيراً” .
_______
*روائي وإعلامي من الأردن
رئيس تحرير ومؤسس ( ثقافات )
– الخليج

شاهد أيضاً

دور الثقافة والمثقفين في تحصين الجبهة الداخلية

(ثقافات)   دور الثقافة والمثقفين في تحصين الجبهة الداخلية (مقال إستعادي للأديب الراحل عدي مدانات)* …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *