الرئيسية / مقالات / انفجارٌ في رئة المعنى

انفجارٌ في رئة المعنى


*أدونيس

– 1 –

لم ينتهِ القاتل. يقطفُ الرؤوسَ ويكدّسُها في شاحنةٍ، في حفرةٍ، في شارع. في مدنٍ كأنّها في نظره مدنٌ من طينٍ عتيقٍ فائضٍ يسبح فيه المرضى والأطبّاءُ والموتى.
إنّها أرضُنا العربيّة: تجعيدٌ كبيرٌ في وجه الكوْن.
*
(فاصلة)
أقول لجسمي أن يلتفِتَ إليّ. أسألُه: من يحتلُّكَ، إذاً؟ أو من يعتقلُك؟
لا يردّ. كأنّه لا يُصغي.
هل «أنا «فريسةُ» النّحْن»؟
هل «النّحْنُ» عجينةٌ في يد الغيب؟ أم رهينةٌ لرياحِ المصادفات؟
كيف تتكوّن المصادفات؟
– 2 –
لم ينتهِ القاتل.
خيامٌ تتبعثر،
كلماتٌ، خُطبٌ، رسائلُ تتدحرج كمثل دبّاباتٍ تسير بدفعٍ ذاتيّ لكن بإرادة الغيب.
الأمكنة والأزمنة حساءٌ ضخمٌ من المعادن.
وكيف يمكنُ إنساناً أن يناضلَ من أجل أن يعيش كمثل كرةٍ تتدحرج بين الأقدام؟
ما أغربك أيها الإنسان.
*
(فاصلة)
الثقافة فتاتٌ يتنافسُ نمْلُ الحروب في التقاطه والتهامه.
تُذبَحُ اللغةُ هي أيضاً.
يمكن أن نمحوَ ما كُتِب على الورق، لكن كيف نساعد الورقَ نفسَه لكي يغتسلَ من آثار الحِبر ومن رواسبِ الكتابة؟
*
لهذا الذي يُسمّى اللاشيء في بلاد العرب شكلُ فضاءٍ لم يُتَحْ بعدُ لأيّ كوكبٍ يهدّه النّعاسُ أن يتمدّد في سريره.
إنه الدهرُ الذي ارتسمَت على خطواته خطواتُ المعرّي.
يتأصّل في الدّهْر يأسٌ اسمُه الدّهر.
معك الحقّ، يا أبا العلاء.
– 3 –
لم ينتَهِ القاتل.
يكتب سيرةً لم تكتملْ. (هل تكتمل؟)
يحكُّ جلدةَ الأرض بأكثر الشفراتِ خشونةً وبدائيّةً.
علْماً أنّ البدائيّةَ مرحلةٌ متقدِّمةٌ على ما سبقها. كانت في سلّمِ التطوّر، لحظة وعْيٍ.
وهذا القاتلُ يمثّل مرحلةً متخلِّفةً عمّا سبقها. هي في سلّم التطوّر، لحظةُ انحدار.
*
(فاصلة)
على ضفاف شفتيَّ مراكبُ تحطّمت، وأخرى تحاول أن تُبحِر.
أرضي التي جئت منها ليست على الأرض.
في مائها عطشٌ. والظلامُ نفسُه هو قنديلُها.
حتّى الأبُ في هذه الأرض، لا يحبّ أن يرسمَ وجْهَ طفلِه إلاّ على الماء.
الحجرُ فيها يخافُ،
والشجرُ يتعلّمُ كيف تنتحِبُ الرّيح.
وما أكثرَ الشعراء الذين يريدون أن ينسوا حتّى اللغةَ التي يتكلّمون بها.
من قال لك أن تنحدر من هذه السُّلالة، أيّها الواقع الشيخ؟
رأسك يتخبّط، يتقلّب في مرجل ضخمٍ من الكلام.
إقرأ. ماذا تستطيع أن تقرأ؟
– 4 –
لم ينتَهِ القاتل.
لا يزالُ يلقي على كتفيه مِنديلَ التّاريخ.
يجمعُ الأيديَ والرؤوس ويصنع منها عقوداً لأعناق نساءٍ سَباهُنّ.
الماوراء في فخٍّ فريدٍ صنعَتْه الأرض لا على مثال.
الغيابُ ذُروةُ الحضور.
وها هي أجسامٌ لا أصحابَ لها ترقص على إيقاعات أيّامٍ تتقطّر دماً.
وما هذا التاريخ الذي يلتفّ حول العنق حبْلاً أسود، كأنّما لا نهايةَ له؟
*
(فاصلة)
قُلْتَ: «صحْوة»؟ أليس من الأرجح والأصحّ أن تقول: «غفوة»؟
– «الغفوة الدينيّة»، مثلاً، في الماضي، قبل الأديان الوحدانيّة، أدّت إلى عبثيّةٍ إنسانيّة أدَّت بدورها إلى فوضى التدمير والقتل. هكذا جاءت الرؤى الدينيّة الوحدانيّة، لكي تؤسِّس للخروجِ من تلك «الغفوة» إلى «الصّحوة».
– لكن، ماذا فعلَت «اليقظةُ» أو ما سمّي «الصّحوة الدينيّة» في الحاضر؟ ألَم تؤدِّ، هي كذلك، عمليّاً، إلى فوضى التّدمير والقتل؟
«غيابُ» الدّين في الحالة الأولى جرّد الإنسانَ من إنسانيّته. فجاءت الوحدانيّةُ لتردّها إليه.
لكنّ استغلال «حضوره» في الحالة الثانية جرّد هو كذلك الإنسانَ من إنسانيّته، بطريقةٍ أو بأخرى.
ما الفرق؟ وأين، إذاً، تكمن المشكلة؟
أنتَ أيها الشاعر، يا جيولوجيَّ العصور، هل تقدر أن تقول لنا في ضوء «الغفوة» و «الصحوة» – أين نرى الضوء، وأين نمضي؟
– 5 –
لم ينتهِ القاتل.
يكادُ كلُّ شيءٍ أن يذوبَ غثياناً.
ونعرف، أيتها الأرض، كيف ابتدأتِ. لكن، من يعرف كيف ستنتهين؟
هل علينا أن نُخرجك من سياج عواطفنا لكي نُحسن فهمَك والنظرَ إليك؟
إنّه الدّمُ يواصلُ كتابة التاريخ،
إنّه العبَثُ انفجارٌ متواصلٌ في رئة المعنى.
فمن أنتِ وما أنتِ أيّتها الأرض التي تَحُولُ السماءُ دون رؤيتها، وتحولُ سماؤها دون رؤية السّماء؟
*
(فاصلة)
– لم يتغيّرْ شيءٌ. ازدادَ البَطْش. اللغةُ نفسُها ازدادت فراغاً وعبَثاً. صار العُنفُ، عُنفُ اليدِ واللسان، قيمةً أولى. صار القتْلُ منارةً وطريقاً.
– وماذا يربح العربُ في هذا كلِّه؟
– كثيراً. كثيراً جدّاً: هدْرُ المال والثروات. تشويه صورة الإسلام. وصورة الإنسان والتاريخ. تعزيزُ كلّ ما يُفقِرُ البشرَ ويذلّهم. والتأسيس لعلمٍ اقتصاديّ جديد أسمّيه «اقتصاد الاستهلاك الدينيّ» (لنا عودةٌ إليه في مقالةٍ لاحقة).
– أهو تاريخٌ «يُكتَبُ» بيد قدَرٍ «مكتوبٍ» سلَفاً؟
– أيّاً يكن الجوابُ فهو لا يُقرَأ إلاّ بعين السُّلطة.
– هكذا يعيش العربيّ بين تلك اليد وهذه العين سجيناً وسجّاناً في جسمٍ واحد.
– 6 –
لم ينتهِ القاتل.
كلُّ فضاءٍ يناديه. كلُّ أفقٍ يستحثُّه ويفتح له ذراعيه.
القاتل؟ ثوبٌ، مجرّد ثوب. العين ثقبٌ فيه. والأنفُ خيطٌ. والرّأسُ كمٌّ. والقلبُ زرٌّ. زرٌّ بلاستيكيّ.
كيف يكون هذا الثوبُ شاهداً، والخديعةُ فيه أصلٌ؟
*
(فاصلة)
– هل تذكر، الآن، الشاعر البريطانيّ كيبلنغ الذي قال: «الشرقُ شرقٌ والغربُ غربٌ ولن يلتقيا»؟
«… إلاّ في الحروبِ فتْكاً، قتلاً، وتدميراً»: هكذا علينا أن نُكمِل القول!
لم ينتهِ القاتل.
_________
*الحياة

شاهد أيضاً

الكتابة… حدود الوصاية

د. رامي أبوشهاب  لطالما شكلت الكتابة عنصراً مُقلقاً للآخر، ولاسيما القوى المحافظة بمظهريها المؤسساتي أو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *