أعمار


*خليل قنديل

على الرغم من كل الخيبات والخسائر القومية المفجعة، التي عشتها مع جيلي في خمسينات القرن الفائت وستيناته، إلا أنني أظل في حالة تساؤل: كيف لي أن أعيش عمري دون مرحلة الستينات الخاصة بالقرن العشرين؟!

فنحن الجيل الذي عايش ولادات زعماء كان لهم دورهم المخلِّص من الاستعمار الذي كان لايزال طازجاً. ونحن من عايش ولادات ثورية كانت قد خرجت للتوّ من مهدها، وأهدت نصرها لشعوبها، وفي الوقت ذاته عاشت ولادة ديكتاتوريات كانت مغرمة بنصب المشانق في ساحات وميادين عواصمها!
وأحياناً أحس بالحسد في تلك النظرة التي يلقيها عليِّ أحد شباب قرننا النيئ والجديد حينما يقول لي: «نحن نحسدكم لأنكم قطفتم كل شيء مبكراً! وحينما أسأل أحد هؤلاء كيف؟! يقول لي أنتم عشتم في زمن تألق القائد جمال عبدالناصر والثورة الفلسطينية وبهجة النشيد في القواعد الثورية، وتحملتم وعثاء الخسائر في عام 67، عام النكسة كما تطلقون عليه.
وألتقي شابا من الجيل الطازج، وهو يقول لي ممجداً فترة الخمسينات والستينات بالقول: «نحسدكم والله لأن كل شيء في زمنكم كان أصيلاً، فالانثى كانت أنثى حقيقية قبل أن تقص شعرها الصبياتي وترتدي البنطال الذي لا يميزها عن الرجال بشيء وكان الشعر ينطق بلسان حقيقي ومرتجف، وكان الحديث بمناسبة التعبير عن الحب وباختصار كانت الاغنية ما أن يشدو بها عبدالحليم حتى تنتشر بسبب أن الشاعر والمؤلف والمغني جميعهم كانوا عشاقاً، ولهذا كانت الاغنية تكتسح أسواق الاستماع في ذلك الوقت!».
ويقول لي آخر نحن نحسدكم لأنكم شاهدتم الولادة الاولى للسيارة والقطار والطائرة، وكيف تحول الانسان أمامكم من مرحلته الراجلة إلى أن يصبح سريعا كالبرق لتدخلوا العالم في عصر السرعة مرة واحدة، لقد كنتم الخميرة الاولى لعصرنا هذا الذي نعيش.
وحينما أعلن استغرابي هذه الملاحقة العمرية ينتفض أحد الشباب وهو يقول عشق تلك المرحلة لا يتوقف عند هذا النطاق، بل اسمع الشاب يتابع «ألا تلاحظ أن العالم يبدو كأنه اتفق على تسمية وقت أعماركم بالقول إنه زمن الفن الجميل أو زمن الروائع».
بالنسبة لي مازلت أقف محدقاً في طبائع الأعمار، لأقول إنني لو خيرت في انتقاء الزمن الخاص بولادتي، لقلت بعفوية «خمسينات وستينات القرن الفائت!».
ولا أدري عن ذاك الشعور بالامتنان العميق الذي يجعلني أحمد الله لأنني عشت تلك المرحلة التي دخلت قالبها بليونة عجيبة، كأنني سبق أن عشت مثل هذه الحياة!
إنها كيمياء الأعمار!
_______
*الإمارات اليوم 

شاهد أيضاً

الطاهي يقتل…الكاتب ينتحر..!

*عزت القمحاوي قدرة نجيب محفوظ على التكتم استثنائية، حتى أنه لم يُقدم على كتابة مذكرات، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *