الرئيسية / مقالات / مليون إنسان فى بيتي

مليون إنسان فى بيتي


* فاطمة ناعوت

’حين أموتُ فى أولِ حُزيران/ سوف توقنُ/ أن الجرائدَ التى لوّثتها الصُّفرةُ/ حملتْ سِفاحًا/ وأسقطتْ أجنَّتَها تحت عجلاتِ الطائرةِ الحربية/ فى مطار ألماظة/ حيث الكلُّ مهيأٌ للمغفرة/ وبتْرِ الآذان/ قبل أن تتلقفَ تنهيدةَ عاملِ الشحن قائلا:/ يا للمرأة التعسة!/ لن تحظى بطفلةٍ أبدًا.”

جاء شاعرٌ وسأل الشاعرَ نزار قباني: «لماذا خلق الُله الشاعرَ فقيرًا؟» فأجاب: «لأن الله يريده على صورته ومثاله. مبدعًا، يملكُ الكونَ، ويلعب به، ولا يمتلك شيئًا».
وسألنى شاعرٌ: «كيف تتعايشين مع الوحدة، ألا تضجرين؟»
فأجبته: «كيف أكون وحيدة، بينما يعيش معى مليون إنسان يملأون بيتى ويومى صخبًا وحبًّا وعشقًا وحروبا؟! أنا لا أكاد أجد مكانًا للجلوس فى بيتى من فرط الزحام!»
يعيش معى ابن عربى وغاندى وأفلاطون وأرسطو وابن رشد وبورخيس وطه حسين وسارتر وسيمون دى بفوار وبرنارد شو وأكتافيو باث وشمس الدين التبريزى وجلال الدين الرومى وهارولد بنتر ومكسيم جوركى وفرجينيا وولف وموليير وإيميلى ديكنسون وجبران والأخطل وجورج أوريل وفوكو وديكارت ونزار قبانى وأحمد عبد المعطى حجازى وعبد الصبور وزكى نجيب محمود وغيرهم. حتى ماركى دو ساد، الملعون، خصصتُ له ركنًا صغيرًا معتمًا فى بيتى يليق ببذاءته.
البارحةَ قضيتُ يومى أفضُّ معركة حامية الوطيس بين مارتن لوثر كينج وبين هتلر. ناصرت الأول وقبّلت وجنته وشبكت وردة فى عروة قميصه، وركلتُ الثانى بقدمى، فبكى.
بيتى يُعوزه الهدوء. هنا يصدح تشايكوفسكى وفيردى وشوبان وموتسارت وينى وفيفالدى وشتراوس وباخ وفيروز وأم كلثوم وعبد الوهاب وصباح فخرى وصباح الشحرورة ومواء قطتى وشقشقة عصفور يزور شرفتى كل صباح يقول لي: صباحك سكر يا فافى ثم يمضى بعدما يلقط حبة القمح من يدى.
تملأ عينى ألوانُ أوجست رينوار وهنرى ماتيس وكلود مونييه وإدوارد مانييه وإدجار ديجا وبيكاسو وسيلفادور دالى ومحمود مختار وحسن فتحى وسيزان وفان جوخ وحليم ودافنشى وجوجان.
بالأمس قضيت النهار أصلحُ إحدى طواحين فان جوخ الهوائية بعدما تدلت ريشةٌ من طاحونة وكادت تسقط من اللوحة على الأرض. ثم نزعت ثلاثة عيدان قمح من لوحة أخرى وخبزت رغيفًا لعشائى مع أسرة البطاطس الفقراء. بعد العشاء، استأذنتُ بيتهوفن فى عزف «فور إليس» على بيانو فى لوحة رينوار.
قبل أن أنام انتبهت على صخب وهرج ومرج وتكسير فازات فى قاعة المعيشة! فإذا بها مشادةٌ عنيفة بين رينوار وماتيس؛ حيث غضب الأول من الثانى لأنه وضع باللوحة لونًا والأسود، فى رأيه، ليس لونًا بل بقعة خواء أو مزق فى اللوحة، فيما سخر الثانى وأصر على أنه لون وستين لون كمان! وتجاوز فى غِيّه ورسم عنقًا طويلا جدا لرجل ثم لونه بالأخضر فجُنَّ جنون رينوار فما كان من ماتيس إلا أن أخرج لسانه لرينوار قائلا: أيها التقليدى العجوز لا تقل إنك انطباعى تأثيرى بل أنت كلاسيكى عتيقٌ مثل أسلافك. فاحمر وجه رينوار غضبًا ونتف لحيته وهو يصرخ فى وجه ماتيس: أيها الغرُّ الساذج أنت محض مصور تافه ولست ولن تكون فنانًا!
صالحتهما معًا لأننى أحبهما معًا وفشلت فى أن أناصر أحدًا على أحد فغضبا منى كلاهما وخاصماني!
فى الويك إند سأصالحهما بكعكة شيكولاته وأهدى كلا منهما علبة ألوان جديدة. وسأدسُّ لماتيس، خلسةً، علبتين من اللون الأسود بدلا من واحدة بعدما أستلّ واحدة من علبة رينوار العنيد الذى يرفض أن يصدق أن شركة بليكان الآن تضع الأسود فى قائمة الألوان.
بيتى صغير جدًّا؛ لكنه مزدحم جدًّا. على أننى لست واثقة من سيبكى عليّ حين أموت لأن أولئك الذين يشاركوننى البيت لا يعرفون الدمع؛ لأنهم جميعا صنّاع فرح.
______
*مجلة نصف الدنيا المصرية

شاهد أيضاً

انقاذ الذات

* رنا حتاملة  يأخذ انقاذ الذات منحنيات مؤلمة في تجارب متعددة ومختلفة، حيث يسعى المرء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *