الرئيسية / مقالات / مقبرة الأطفال

مقبرة الأطفال


*نصيرة محمدي

لم أنتبه أن ثمة مكاناً وحيداً في العالم يُسجّى فيه الأطفال الموتى وينامون بسلام، مقبرة الأطفال في (بيرين).. هل هي المقبرة الفريدة في الدنيا التي لا يدفن فيها إلا الأطفال؟ مقبرة لا تسع إلا الصغار الملائكة، ولا تحتضن سوى الأجساد الصغيرة الغضّة الطريّّة. بمحاذاة الجبل وبقرب بئر ماؤها من نبع الجنة يرقد الصغار.. لا تلبث هذه البئر أن تتحوَّل إلى مكان مفضَّل للانتحار. ما أجمل الموت بقرب هؤلاء الصغار! وما أحن ذلك الجبل يحرس الملائكة، ويصدّ عنهم بعض البرد والوحشة!. في طرف المدينة، ولكن بقلبها أيضاً تسكن فلذات الأكباد روح الأرض، وتؤدّي نشيداً أبدياً.. نشيد الحياة والموت معاً. لأول مرة وقفت مع الموت. كان عمري لا يتعدى الخمس سنوات حين غاب ذلك الجَدّ الباهر القامة والقسمات. وعرفت أن كل ذلك الرجل انتهى، وأنني سأكتشف مكاناً عجيباً يتقاسمه الموتى، أو أولئك الذين مضت أرواحهم في عربات نورانية إلى السماء، وبقيت أجسامهم /جثثهم فارغة مفرغة لتُردَم بالتراب كما الزرع، ولكنه زرع ميت منذ البداية وميئوس منه. مقبرة بحجم السماء.. وبشهوة الموت التي لا تخمد. مقبرة للكبار لم أستطع يوماً أن أحدِّد وجهتها أو اتجاهاتها، لا إشارة في ذهني إليها ولا طريق. في المرات القليلة التي نزلت فيها سائحة على مقبرة الكبار لم أشعر أنها جزء من الأرض، أو أنها تنتمي إلى هذا العالم، شعرت بها قطعة معزولة غير ثابتة، متأرجحة ومثيرة للدوار والدهشة والأسئلة، ولكنها كانت تمنحني جرعة سلام صافٍ ومنسيّ قلَّما أصيبه، كما حدث لي وأنا أكتشف باريس في بدايات عشقي لها من خلال المقابر. مقبرة بار لاشاز التي شيدت بها فتوحاتي إلى هذه المدينة، ولم تزدني إلا حياة أغترف منها بشراهة، وأنهل من نبعها، وأستزيد من دفقها.. أخذت الحكمة صغيرة من المقبرة، وآمنت بنعمة الحياة. تنفَّست الموت في المقابر في (بيرين) وفي (باريس) مثلما تنفَّست الحياة. صرت لا أخشى الموت. صرت قوية بإيماني به. صرت أعدّ له أمكنة وتعابير وأشكالاً في داخلي.. صرت مهيَّأة له كما يليق بامرأة في حرب.. أترقَّبه وأرافقه في الشارع وفي الحافلة وفي السيارة، ويتأبَّط ذراعي كل مساء عودة إلى البيت.في الحرب كَبُرَ معي الموت أكثر من الحياة، وصارت المقابر جزءاً من نسيج حياتي.. أتذكَّر مقبرة (ابن عكنون) كم تهالكت على أضرحتها وترابها ومواجعها! وكم امتصَّت غربتي وأنا بين الأحياء! تذكرني المقابر، ولا أذكر إلا مقبرة الأطفال في (بيرين) حيث تزدان طفولتي بتلك القبور الصغيرة والبياض الذي يضفي هالة مهيبة على المشهد الموجع المبهج، المؤلم الجميل، وبعض اخضرار ترعاه أعشاب مرمية هنا وهناك. هي أنس المكان ونضارته التي لم تُفقَد مع رحيل الصغار. كئيبة وصامتة تلك المواكب التي تمرّ أمام بيتنا العتيق باتّجاه مقبرة صغيرة، ولكنها تلتهم نفوساً طريّة، وتستدرج ما لا يحصى من الأطفال. إلى أين يمضي الصغار؟ وكيف هو الطريق إليهم؟ لم يعد ممكناً أن أسأل عن الدرب إليهم، وفي أعماقي يقين أن كل الدروب تؤدّي إليهم.. يكفي فقط أن ننتبه أنهم بالقرب منا يتوسَّطون الدار والمدينة، هم الإشارة والطريق، هم المبتدأ والختام. على أسوار مدينتهم/مقبرتهم ثمار البرتقال الحزين، وعلى طرف المقبرة بئر غاوية وتراب مغموس بالحنين والبعث والنور. قال الأجداد: «رفقاً بالصغار.. رفقاً بالخطوات التي تعبر دنياهم.. صمتاً ادخلوا، وجلالاً قفوا على أبوابهم.. إنهم علامة المدينة وسرّها..». 

عندما تصعد الجبل الذي يطوِّق مقبرة الأطفال تطلّ عليهم وهم يرقدون بسلام وبجنبهم تغلي الحياة، ويضجّ الشارع بالأطفال واللعب والحلوى والحكايات. من يخترع الحكايات للآخرين؟ من يهدهد نومهم؟ من يجلب إليهم الحلوى واللعب؟ من يوقظهم في الأعياد؟ من يُعِدّ لهم حليب الصباح ودفاتر المدرسة؟ من يهديهم الشمس والبحر؟ بالتأكيد لا أحد. على مدى سنوات، بعمر المدينة، وبعمر المكان لم يتلاشَ سحر المقبرة وجاذبيتها، ولم ينقطع سيل الموتى الصغار بدون شواهد أو أسماء.. بدون دليل غير ذاكرة الأولياء والآباء الذين يعرفون جيداً مواقع أبنائهم، ولا يضيِّعونها أبداً. الشمس كريمة مع الأحياء والأموات معاً، لا تبخل بنورها ودفئها على مَنْ في الكون، ولكن هل تعيد شيئاً لهؤلاء الأطفال الذين رحلوا باكراً ؟ فبعضهم رحلوا دون أن يتيحوا للزمن أن يلتقط ملامحهم، ويختطف بعضاً من دهشتهم الطفولية. الشمس في مقبرة الأطفال آية الوقت وسرّها اللاهب الذي حَرَّض الشعراء على الرحيل إليها بحثاً عن الموت، ولم يحصلوا إلا على حفنة من ترابها هي زاد الطريق ونشيد العشاق. إليها أشدّ الرحال، وأحثّ الخطى مثلما كنت أفعلها صغيرة تاركة وصيَّتي الأخيرة: أن يُسَجّى جسدي، الذي سيندثر يوماً، في هذه المقبرة النورانية.
_______
*الدوحة

شاهد أيضاً

ثياب أباطرة نوبل الأدب

*لطفية الدليمي      ذهبت السكرة وجاء وقت العمل الذي يسابق الزمن  لاقتناص فرصة لاتجود …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *