الرئيسية / قراءات / «في الصحراء ورد» رسالة للعابرين نحو أوطاننا

«في الصحراء ورد» رسالة للعابرين نحو أوطاننا



*

كيف يمكن أن نقرأ الأدب بعيون شخصية إعلامية، وهل هناك مفارقات بين القضايا المجتمعية، والقدرة على تحويلها إلى ركيزة فنية، لصناعة حالة من المتعة البصرية والفكرية..

حيث يأتي تفسير الأطروحات السابقة عادةً، بناءً على دواعي الكتابة الأدبية كما أوضحت الإعلامية الإماراتية حصة لوتاه، وهي تُطلعنا على ذاكرة الفتاة الإماراتية في ثمانينات القرن الماضي، عبر مجموعتها القصصية “في الصحراء ورد”، وبها تقر أنها رسالة للعابرين هنا باتجاه أوطاننا، ففي الصحراء وردٌ ينتشي من رائحته مفهوم الحضارة والجمال…
ولا علينا سوى التأمل، لافتةً في المجموعة هموم أطفال الحروب، وغربة المكان ومعوذات العطر في الذاكرة، وقليلٌ من توثيق الموسيقى، وكثيرٌ من التجلي الإنساني في متغيرات المرحلة البشرية، وكأنها تعيد الأسئلة الوجودية بحرفية دراستها للفلسفة، قائلة: “ملاحظة، كل ما رصدته في مجموعتي، جاء قبل دراسة الفلسفة، بدأت هذيان القصة بعمرٍ يقارب 16 سنة، وتذوقت الشعر قليلاً، لأنحاز للحكايات، وسيلةً لأكتبني وتكتبني”.
الذهنية الإعلامية
سماع (بحة) صوت القاصة حصة لوتاه وهي تتحدث عن مجموعتها القصصية، تلقي بظلالها على مفهوم الذاكرة والوطن، الذي اعتلى منصة عناوين المجموعة، رغم كل المباشرة في الطرح، إلا أن التأويل أخذ من سردها للصور البصرية في المجموعة نصيب. تقول عن قصة “مقبرة” أنها ذلك التحول في تجربة الإنسان…
وليست محصورة في مرحلة ما، مؤكدة أن الذهنية الإعلامية بعيدة هنا عن القيمة المعنوية للقصة، مضيفة إن المجموعة عبارة عن قصص مبعثرة من الأدراج و ما بقى من القصاصات، دونتها في الثمانينات، وأن كثيراً منها يعبر عن تلك الفترة من القرن الماضي…
وعموماً فإنها لا تتفق مع كثير مما رصدته الآن بحكم اختلاف تجربتها وتحولات المرحلة، إلا أنها رغبة كامنة منها، في أن تؤلف القصص ويستمتع بها القراء، كجزء من الثقافة المحلية والذاكرة المجتمعية، ومفهوم الشهادة على العصر يمثل الهدف الأقرب للمجموعة القصصية.
قصة (1)
في قصة (مقبرة).. يجد القارئ حضوراً للمرأة وللهوية وللحب، والبحث في المعتقد والعادات والحرية، وتجريد لمفهوم الانغلاق والانفتاح، وفيها قالت حصة: “فتاة مجعدة الشعر كانت تهوى الرسم، فأحرقت القبيلة العمياء أصابعها”، وفي مقطع آخر من نفس القصة: “امرأة عجوز رآها أحد الغرباء يوماً تحكي قصص أهلها لجذوع نخل يابس براحة واسعة وخالية”. هنا نقرأ أيقونة المرأة وملامحها، كون المؤلف امرأة أيضاً…
ويبقى السؤال في مدى حاجة النساء في تلك المرحلة من الثمانينات للبوح عن تفاصيلهن وذواتهن. وفي قصة بعنوان (جنوح) ترى أن المرأة مجعدة الشعر تحضر أيضاً للبحث عن منفى، وكتبت فيها حصة: “قالت لهم المرأة المجعدة الشعر: إن سماءكم تضيق بي. قالوا لها: إن أرض الله واسعة. فذرفت دمعة وهي تقول: وهل تتركوني أعبر بسلام؟!
أطفال الحروب
بالرغم من تأكيد حصة للقيمة الأدبية لمجموعتها “في الصحراء ورد”، إلا أن القضية السياسية تطرح نفسها وبقوة في الوجه الأدبي من قصة “الجدلية الحلم”، حيث أكدت أن المرور بقضية الأطفال، يُعد بمثابة استنفار يومي يعيشه الأفراد والأشخاص في العالم العربي والعالمي عموماً، وكتابتها للقصة امتداد لهذه الرؤية المجتمعية للأوضاع العربية أخيراً، قائلةً:
“هناك سرقة يومية للطفولة، هناك سرقة للحظات عفوية وأحلام بريئة، أنت تفكر برهة بتصفيف شعر طفلك لتتركه يذهب إلى المدرسة، تتفاجأ في غفلة الحرب أنه اختفى!”. أما في قصة “القلم” اشتدت خيوط المكاشفة مع القاصة حصة، حول سبب تقديمها الإجابة المباشرة للمتلقي، من خلال العنوان، موضحةً أن قصة قلم تحديداً تحمل تأويلات لعلاقة حب ما بين شخصين، ولكنها في الحقيقة معايشة وجدانية خاصة بها مع مفهوم القلم، باعتباره القادر على قبض خلجات الإنسان.
الصورة في الأدب
وبين المباشرة والغموض في الكتابة الأدبية أشارت حصة أنها تميل للغموض وما يسمى بالأدب الغرائبي، وتحديداً الكتابة التي تستند على الصورة، والمخيلة البصرية، لإيمانها الشديد بعمق الصورة، في تقديم مشهدية تنقل القارئ إلى أبعد ما يمكن من أفق الحياة، والابتعاد عن الطرح السطحي، لافتةً أنها كتبت الكثير من القصص التي احتملت هذا البعد، إلا أنها فقدتها مع الوقت بين الأوراق والمذكرات.
وجاء وهم الاستمرار كما قالت حصة في مغزى قصة “الريح”، مبينةً أنه اعتقاد يكاد يكون راسخاً في الإنسان، وبطبيعة الكون أنه متغير، يتخذ الإنسان من غروره وجهله كما ترى حصة، طريقةً للمضي دون التريث بالقيمة المعنوية للأشياء، كقيمة الأماكن على سبيل المثال.
قصة (2)
قمة الرومانسية وسط الخراب، التعبير الأمثل لقصة “صمت”، وفيها تغنت حصة بما يضمره القلب، والبحث في مدلولات الخراب، التي لا يعرف الأشخاص دافعها الرئيسي، ويعتقدون أنهم ليسوا سبباً في اندلاعها، ولا يرتبط الخراب دائماً بالحروب، إنه نوع آخر من التفشي النفسي والاجتماعي، فيها قالت:
” ما الذي يضمره قلبك؟ سألته وهي تنظر في وجهه الذابل. قال لها: رغبة في الرقص، أن أخاصر أحبتي، لكنهم يسحبون أقرب كرسي ويقعدون، وأضل كطائر مذبوح ينتفض، أستدعي العبارات، أستفز الفاجعة، لكن لا شيء يعبر عن عمق هذا الخراب”. أما في قصة “الأبواب مغلقة”، هناك توثيق لصوت الزمن الجميل…
كما يفضل الكثيرون تسميته، ذكرت فيه بعض أسماء فناني جيل السبعينات في الإمارات، رداً على ما تراه من موسيقى صاخبة وإيقاع سريع، لا يسمن جوعاً ولا يفي غرضاً نبيلاً، وكتبت حصة في بداية القصة: “كان يمشي والشارع يمتد أمامه في خط مستقيم أسود. تذكر الغربان. البيوت التي على جانبي الشارع عالية الجدران ومغلقة الأبواب.
تذكر بيوت السعف وأبوابها التي إما أنها تبقى مفتوحة، أو مواربة بعض الشيء، أو أن حبلا يتدلى من بابها يفتحه حين السحب. إحدى النوافذ العالية صدرت عنها أصوات موسيقى غربية، تذكر سالم الصوري وحارب حسن وموزة خميس”.
راعية الغنم
ربط الحوادث السياسية والمتغيرات الاجتماعية، بارز في الطرح القصصي لدى القاصة حصة، ففي قصة “الجدي الأبيض”، هناك مشهدٌ نادراً ما يتم التطرق إليه في الذاكرة الشعبية، وهو راعية الغنم، موضحةً حصة أنها استلهمت المشهد من حادثة عاشتها في صلالة، وهي إحدى محافظات سلطنة عمان، فسرت حصة أن المغزى في القصة يتعدى فكرة ضياع الجدي الأبيض في ليل حالك السواد، قائلةً:
“ليس أكثر من ممثل على خشبة المسرح، هكذا نشعر أحياناً، وأن دورنا قد رسم لنا، ووصولنا إلى هذا الإدراك، سيجعلنا أحياناً نكف عن الكثير من النزاعات والهراء، وهذا ما طرحته في قصة (الجدي الأبيض)، كنت أرى مشهد راعيات الغنم، وهن يذهبن لأعالي الجبال للرعي، ضمن التأمل الإنساني، لأصنفه بحثاً في جدليات البقاء، وصولاً إلى قصة (القمر ليس حجراً) قالت حصة:
هنا أردت البحث في الأشياء من غير اعتماد المنظور الخارجي لها، بل فلسفتها ووحدتها الكونية، مبينةً أن ما نعرفه عن الكائنات أقل مما هي عليه، ففيها كتبت: “قال الرجل الواقف للرجل الجالس: يبدو القمر مكتئباً هذه الليلة. قال له الرجل الجالس باستغراب: وهل تكتئب الأحجار؟ بكى الرجل الواقف حين سقطت على وجنته دمعة من عيون القمر.
قصة (3)
في قصة “رسالة” يتنبأ قارئ القصة أنها تنتمي للمؤلفة حصة بشكل خاص جداً، رغم إفصاحها أن القصة ليست متصلة بحالة شخصية، مفسرةً وجهة نظرها اعتماداً على نظرية قتل المؤلف، وحرية القارئ في التأويل، وكتبت حصة فيها: ” كتبت إليه بعد تردد، وبدون أية مقدمات: بودي أحياناً لو أستطيع أن أعري نفسي وأن أعريك في لحظة تتجرد فيها الحياة من أثوابها..
ليس من أجل أن نبقى مكشوفين لأعين الفضوليين ولكن للتخلص من كل الأثواب التي أضافتها الحياة على أول لحظة التقينا بها، صغيرين، لا نمتلك من العالم بعدُ إلا محبة تخالجنا”. وفي وعد الصداقات والمحبة، تُأبن القاصة حصة لوتاه الشاعر الإماراتي الراحل أحمد راشد ثاني، وكأنها تشد عود صداقات جيلها الأكثر صدقاً وقرباً …..
كما أوضحت، مبينةً أن علاقاتهم بُنيت على النقاشات والهموم المشتركة، والتلاقي والحس الوطني في كثير من الأحيان، وتحت عنوان: أحمد راشد قالت: “فتحت صدرها واحتضنته. ما زالت رائحة التراب والبحر عالقة في ثيابه ووجهه لم يزل كما هو واضح الملامح. لم تسرقه المدن ولا الأيام، ولا الدنيا كلها، من نفسه التي ظل وفيا لها وللحروف التي أحب.
غربة المكان
الانتقال إلى الحياة المدنية بكل تفاصيلها، لا زالت جدلية متأصلة في الجيل السابق من مجتمعنا المحلي، الذي يميل إلى معاني الترابط في المعيشة الجغرافية والإنسانية، وهي أطروحات بدت واضحة في بعض القصص الواردة في المجموعة، مبينةً القاصة حصة، أن الأطروحة السابقة بشكل عام، تساؤلٌ لا يزال يعيش في أذهان الكثير ممن هم في جيلهم، وهي تجليات طبيعية، كونهم عاصروا مرحلة ما قبل الانتقال المدني وما بعده….
مؤكدةً أن غربة المكان والحنين إليه مشروع نعيشه بانسجام موضوعي يربطنا مع الماضي. وجاءت خاتمة المجموعة بقصة “العطر” لتضفي كما أشارت حصة، ما ينشب بالذاكرة ويلتصق، مبينةً أن العطر وحده يعرف سر الارتباط والأكثر التحاما بالذاكرة.
سيرة
تعتبر الإعلامية الدكتورة حصة لوتاه من الرعيل الإعلامي الأول في الإمارات، حيث حصدت شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة أوهايو في الولايات المتحدة الأميركية، وعلى ماجستير في الآداب من مدرسة الدراسات الدولية في أوهايو. عملت كمنسق برنامج الاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات ورئيسة لقسم الاتصال الجماهيري.
وشغلت مناصب عدة في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، إضافة إلى مشاركتها في مجالات أخرى منها عضو مجلس إدارة في المجلس الوطني للإعلام، وعضو في مجلس إدارة دبي للصحافة العربية 2010. وتدرس لوتاه في مجالات مختلفة كمناهج بحوث الاتصال، ونظريات الاتصال، والتصوير الصحفي…
والإعلام والتنمية وقضايا معاصرة في الاتصال، خلال مسيرتها المهنية، أشرفت الدكتورة حصة على العديد من البرامج التلفزيونية، كما لها العديد من الدراسات والبحوث، وهي ناشطة في مجال الخدمة الاجتماعية. ونالت الدكتورة حصة جوائز مختلفة منها جائزة “تريم عمران للمقال الصحفي”، و”جائزة راشد بن حميد في مجال الخدمة المجتمعية 2009”.
__________
* البيان

شاهد أيضاً

أفانين الهرب من الرواية أو ما تبقى من أيام بلا صباحات

* نبيل سليمان (1) تتوقف السيارة عند الحاجز، وتحيي العسكري. لستُ من أوقفها، ولا من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *