الرئيسية / مقالات / الركض وراء سراب الكتابة

الركض وراء سراب الكتابة


*عبد الكريم كاظم

مِن كلّ ما كُتب، لا أحبُّ إلا ما كتبهُ المرء بدمه، اكتب بدمك وستعرف أن الدّمَ روح/ فريدريش نيتشه

(1)
هل الكتابة وهم؟ وإذا كانت كذلك فلنطلق رصاصة الرحمة على وهم الكتابة، وهل فقد الكاتب قدرته على فعل الكتابة أم أن الكتابة بوصفها فعلاً ذهنياً فقدت حماستها أمام العراق وأُدخلت الكاتب في حالة ذهول مما جرى ويجري حوله؟ كتابة من هذا النوع لا تكتفي بقتلك يوماً بعد آخر بل تقتل أحلامك وتبعث بك إلى مقبرة وتعلق على شاهدة قبرك الوهم الذي أوصلك إلى هذه النهاية .
كان السعي لإدراك الوضوح، في الكتابة، على أكمل وجه ينعكس في مسألتين متعارضتين، فكانت الأولى منهما تُرد إلى استعادة كل ما يمت بصلة إلى الكلمة المجردة أما الثانية فكانت تضرب جذورها في المعنى نفسه وهو ينطوي على أسرار كثيرة، أما الغموض فهو ميدان التأويل الذي ينظر إلى إدراك المعنى على أنه أسمى مهام الكتابة . يظهر الوضوح أو الغموض قاسماً مشتركاً للمأخوذين بهموم الكتابة والذين يقولون أن الكتابة ضرورة حياتية لبقاء العراق على قيد الحياة ولكننا نجد، في ذات الوقت، نقاطاً أخرى تلاحق تجليات الكاتب فتصبح الكتابة ذاتها الهاجس الأول الذي يضع العراق أو الكاتب خارج إطار التشويش، لم أتملص من الوضوح ولكن إغراء المعنى حيث يبدأ هو طعنة أخرى لجسد الغموض وغدر آخر بالكلمة أو الجملة المدونة التي توفر إمكانيات واسعة في التعبير . الكتابة الواضحة هي الرهان الوحيد الذي يحمي صدقنا أو كلماتنا الشحيحة لأنها ستصبح مدخلاً لحياة جديدة تستطيع أن تعرقل مسيرة الخراب الكبير وعلينا البحث في مساحة الكلام الواضح كي نحمي المعنى من فتك الغموض مثلما علينا البحث في مساحة الكلام الغامض كي نحتضن المعنى من حيرة الوضوح ففي كلماتنا الخالية من تآخي الوضوح والغموض نقول، هناك غموض شديد الوضوح لا يضع حدوداً ما بين معنى وآخر وهذه المعادلة هي من العلامات الدالة ما بين الوضوح المنطوق وبين المدون على الورق، هذا الكلام له تبريرات عديدة كل منها كافٍ إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل المعاني الموجودة في النصوص الأدبية المختلفة أو المقالات النقدية والبحوث المعرفية تستطيع دون تردد ممارسة الوضوح والغموض بأساليب مختلفة سرعان ما يضمحل خلالها المعنى وتتقطع الدلالات بعد أن تتلاشى الأصوات الداخلية التي يطلقها الكاتب بين آونة وأخرى وهي على كل حال أصوات تتبدد في الهواء كما تتناثر أشلاء الكلمات المضطربة بالمعاني المخنوقة وعلى هذا الأساس علينا أن لا نتساهل مع حالات كهذه كثيرة التشابك أو التعقيد تتواطؤ مع المعنى فيا لحيرة الكاتب ويا لصعوبة الكتابة المغايرة .
لا يسعنا إنكار أن ما هو غامض من الكلام له ألسنته وقواعده ودلالاته السرية أما ما هو واضح فغالباً ما يكون المعنى، ففي واقع الأمر أن المسافة بين الغموض والوضوح لا تستحق عناء القياس المعرفي للكاتب وللقارئ معاً، هي في النهاية مسافة لا معنى لها خارج عالم الكتابة والقراءة أو هما كلمتان في اللغة لا أكثر ومع هذا نتساءل: أي وظيفة يحمل الوضوح وأي قلق يثير الغموض؟ فكل غموض هو وضوح نائم يتوجب على الكاتب إيقاظه من أجل أن تزداد الكلمات أو أي نص آخر جمالاً وصدقاً لتصبح في ذات الوقت جديرة بالقراءة فليس من الحكمة أن نغبط الغموض على حساب الوضوح .
كل الدلائل كانت تشير إلى أن ثمة حماقة قد وقعت وأن الكلام الغامض ذهب ضحيتها وقد كان على المعنى أن يبذل جهوداً مضنية للامساك بخيوط الكلمات ولكن ثمة دليل واحد ظل غائباً وأقض مضجع الكلام تمحور حول النص المكتوب بالخفاء، شأن كل عبارة موجزة، أفسحت عبارة الكاتب الباحث في مساحة الكلام عن عداء للوضوح والغموض معاً حتى أخذ العداء شكل النزاعات النقدية المستنزفة التي تعيشها الكتابة، لقد أغدقت الكتابة، بكل اشكالها، عن العراق فكانت غاية في السخاء، فأعطته جملة مواهب، وأعني هنا مصائب وإشكالات، قلما اجتمعت في بلد واحد .
(2)
لقد تبدلت حياتنا على أوجه كثيرة لا تحصى، مثلما تبدلت الوجوه وملامحها، الأماكن وعلاماتها، المدن وأسماءها حتى ازدحمت اللغة بالفواصل والشوارع بالحواجز وتكاثرت الممرات الممنوعة وتفاقمت أخبار الموت والحرائق والمصائب المتتالية من حروب، اغتيالات ومؤامرات ولقد كان من حسن حظنا أن نصبح شهوداً عليها لا شهداء، أهدر عمرنا وشردّنا مراراً، لاشك أن حياتنا لم يعد من الممكن أن يستقيم سردها إلا على نحو واحد فقط لا غير هو حياتنا ما قبل الموت وحياتنا ما بعده وما بينهما الحرب وكل محاولة للابتعاد عن هذا السياق ستكون فاشلة ذاك لأن عقدة التذكر والمقارنات أو المقاربات والسعي لاستعادة الأشياء المفقودة مازالت قائمة أما الحاضر الذي ننسجه من خلال الكتابة فهو نوع من التقمص والمحاكاة الواهمة التي تجعلنا نسعى لترسيخ صورة خيالية خرافية عن التاريخ متأتية من الحنين الفارغ الذي يتحسر عليه الآباء والندم المستعار من الأجداد وإذ تزداد احتمالات اليأس تزداد معها احتمالات الموت في عالم يحتله البلهاء وقبل أن نستغرق في الضحك المرير من هذا السواد الذي يلفنا سنبقى ننتظر لحظة مضيئة تُجبر العتمة الجاثمة على البلاد بالهرب .
البلاد غارقة بالموت، البلاد غارقة بالتفاهة، البلاد غارقة باللصوص والبلاد غارقة بحروف العلة وخالية من نون النسوة والألوان، أي خراب هذا، أن حالات الذهاب إلى الخراب تتم في لحظة ضعف وغياب البصيرة ومن خلال وعي ناقص ومبتسر بحلم البراءة وأنا أزعم بأنني أحاول جاهداً الكشف عن الحالة النفسية للإنسان الأعزل في مستويي القوة والضعف والإنسان في النهاية هو هذا المخلوق المتناقض وبالنسبة لي كعراقي يعيش عصره بكل تناقضاته وتداعياته، تقلباته وانهياراته لابدّ أن أكون مخلصاً ما أمكن في رصد مكامن العطب فيه والمعضلة في المحصلة أعمق من السياسي والثقافي، الاجتماعي والاقتصادي ولهذا أقول نحن لسنا بحاجة إلى زلزال (ثوري) يقوده (ثوار) من نمط خرافي فهناك دائماً شخصية هامشية يجري رصدها وتحليلها لأنها تريد رسم معالم حياتنا على طريقتها الخاصة التي لا تسع المجال لمحاورتها لقناعتها المطلقة بصواب مشاريعها حد انعدام التمايز بين اللون الأبيض والأسود .
الدخول في متخيل العراق، في العراق كمتخيل، في هذه المعادلة المتبادلة التي يدعونا إليها الخوف وهو يسبر غور الروح بدون أدنى ريبة يقترب الموت كثيراً وهو لا يزال شاهداً خاصاً على شكل الموت الذي هـّز البلاد بأسلوبه الجنوني فقد لاحظ العراقيون القدماء أن كل موت أو قتل ليس إلا السر المجسد للتاريخ القديم الذي ساعد العديد من حفاري القبور على جعل البلاد مرعبة أكثر فأكثر وإن حدة نظره، وأعني الموت، تتحرك عند ذاك الفصل المرعب في تحليل سوسيولوجي مدهش حين يفسر الموت ماهيته الخاصة بتبدل الأسطورة المؤسسة له في منظومة الطلاسم فقد امتلأت البلاد بالجثث وعلق الخوف علاماته الفارقة، عند مدخل كل مدينة، حين أقفل الأبواب نهائياً بعد أن طرح العراق على الأرض وبدأ يدق عنقه فهل ثمة اختلاف جوهري بين من يدق عنق العراق وعنق العراقي؟ من هنا نستطيع أن نتعرف على الكيفية التي أصبح فيها الموت هو إحدى العلاجات التقليدية للعراقيين الذين يخاطرون بحياتهم من أجل حياة خالية من الموت .
شأن الكاتب العراقي كشأن بلده كلاهما تلقى أصول الخوف والموت عن سلالة الملوك الضاربة في عمق البطش من هنا كان الرمز أكثر عمقاً وإذا حدثت استثناءات في هذا المضمار الدرامي فإن الاستثناء يؤكد القاعدة ويبررها أيضاً، إن حركية الخوف أو الموت والصمت المستعاد قد أصبحت ظاهرة عراقية بامتياز وبصفتها هذه فهي تتقبل التجديد ـ الاستعادة للوقوع ثانية في شرك الغيب الذي جعل العراق جثة هامدة ممددة أمام ملوك الطوائف وجعلنا نخجل من مواصلة الكتابة عن العراق أو الركض خلف سرابها . وفي نهاية المطاف نقول: كل كتابة تتجه بمسارها الخاص، وتدرجها الخاص إلى هذا الغموض ـ الوضوح ستتجه، لاحقاً، تحت تأثير هذا المعنى أو تلك الدلالة إلى محيطها الخاص أيضاً، وكل كتابة كانت منتمية معرفياً أو بصورة نقدية إلى كاتب ما أو موقف ما ستعاني، مجدداً، من حدة الوضوح وقسوة الغموض، ورغم ذلك فإن ضغط الأحداث الموروثة الدامية الراهنة والصعوبات المتراكمة على الكاتب ستدفعه للبحث عن مخارج أو ثغرات صغيرة ومضيئة ينطلق منها، ومع روحه التواقة للحياة والجمال والمعنى، إلى المستقبل .
_______
*كاتب من العراق/العالم العراقية

شاهد أيضاً

عزالدين المناصرة: يا عنب الخليل كُنْ سُمًا على الأعداء..!

* فيصل درّاج احتضنت الخسارة برحيل عزالدين المناصرة وجوهًا متعدّدة: خسرته الثقافة العربية، وهو الذي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *