الرئيسية / مقالات / وسط ثقافي

وسط ثقافي


مريم الساعدي*


قبل أيام توفي كاتب وتشكيلي سوداني، اسمه محمد حسين بهنس، عن عمر يناهز الاثنين والأربعين عاماً، يعني مات شاباً، وهذا قدر. المؤسف في الأمر أنه توفي من الجوع والبرد، وهذا عار. 
من ساعتها والمثقفون يصبون جام غضبهم على المؤسسات الرسمية، والحكومات العربية، وعلى الأثرياء، ومن لم يمد يد العون إلى هذا الإنسان الفنان، وهو غضب لم يجاوز أهله، لكنه غضب تخليص ضمير فقط. 
قالوا كان يعاني اكتئاباً حاداً جراء ظروف شخصية وسوء وضعه الاقتصادي. حسناً، الفنان ينعزل، تمنعه حساسيته ورهافة شعوره من إظهار حاجته وبرده وجوعه، ولكن من يجب أن يحس بالفنان إلا فنان مثله؟. كيف يُترك شريدا في شوارع القاهرة حتى يقرصه البرد والجوع؟ هل يموت إنسان من الجوع بيننا ونلعن الحكومات؟ الحكومات مؤسسات ووزارات وهيئات وسلاسل من البيروقراطية. ماذا عن الإنسان المار بالشارع، الصديق، الحبيب، الرفيق، الزميل؟ ماذا عن العشرة الثقافية والعشيرة الأدبية؟! 
هذا الفنان متعدد المواهب، فهو روائي وشاعر وتشكيلي ومصور، وله لوحات معلقة في جدران قصر الاليزيه، وشارك في معارض مختلفة في السودان وفرنسا والقاهرة، تحرك في محيط الثقافة والمثقفين طوال عمره، هذه الحركة اقتضت منه بطبيعة الحال إنشاء علاقات تحولت في الكثير منها إلى صداقات. أين كان هؤلاء الأصدقاء؟. 
هل يصح أن يموت كاتب، وسط كل هؤلاء الكُتّاب المنادين بإنقاذ الإنسانية من الجوع؟ 
أين الوسط الثقافي؟ ثم ما دور اتحادات الكُتّاب العربية بالضبط؟ ما معنى وجودها أساساً؟. ألا تتحول هي أيضاً في هرميتها وانشغالها الدائم بانتخاب الرئيس والأعضاء إلى مجرد مؤسسة رسمية بليدة مترهلة؟ أم هي مكان لتجمع الكُتّاب فقط؟ المقاهي الشعبية تقوم بهذا الدور أكثر. 
لم لا يكون لها دور في الترويج لكتب الكُّتّاب، التنسيق مع دور النشر جميعاً القديمة والحديثة لمعرفة آخر الإصدارات والاطلاع عليها والاحتفاء بالجيد منها، ومناقشة الأقل جودة وإقامة الأمسيات والندوات حولها في الجامعات والمدارس، والمراكز الثقافية والكتابة عنها وحولها في وسائل الإعلام، والتنسيق مع الجهات الإعلامية المختلفة لإلقاء الضوء عليها، وإيجاد آلية ما تجعل من الطباعة والتوزيع عملية نظامية وأكثر شفافية بحيث يمكن أن يحصل الكاتب على ريع من بيع كتابه. بدل أن يطبع منه ألف نسخة –حسب قول الناشر- ولا يعرف إن تم بيعها أم حرقها أم لف السندويشات بها، ثم تذهب طي النسيان حتى يموت هذا الكاتب، فيتم التنقيب عن إنتاجه لملء زاوية في صفحة ثقافية. 
ربما يقال هذا ليس دور اتحاد الكتاب، ودور الهيئات الثقافية، أو دور النشر، أو أي جهة أخرى. لكن ماذا يعني أن تكون كاتباً أساساً إن لم تمتلك القدرة على الخلق؟ خلق الأفكار والأخذ بزمام المبادرات، وماذا يعني أن تكوّن اتحادا دون قوة؟ تكون فقط مجرد كتلة سلبية يمكن أن يتخطاها التاريخ دون أن ينتبه لها. 
هذا كاتب عربي آخر، يموت برداً وجوعاً وكمداً. يترك هذه الدنيا المليئة بالتناقضات. له رواية اسمها “راحيل” كتبها عام 1999 وغالباً ستصبح الآن من الكتب العربية الأكثر مبيعاً في عالم لا ينتبه للإنسان إلا بعد أن يموت.. من الصقيع. 


* قاصة من الإمارات
( الاتحاد )

شاهد أيضاً

الفيلسوف و البكتيريا

عمر البوغانمي لكل فيلسوف ولع بحيوان معين يكرر ذكره في مؤلفاته أو يرتبط لدى قرائه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *