الرئيسية / خبر رئيسي / ربيع الفلسفة بفاس يحتفل الفلسفة والترجمة

ربيع الفلسفة بفاس يحتفل الفلسفة والترجمة

*خاص  ثقافات

 * د . عزيز الحدادي

الترجمة ابداع ,والإبداع وجود ,والوجود فلسفة ,انطلاقا من هذه الرؤية المشرقة بدأ مشرع ترجمة الفلسفة اليونانية في الاسكندرية التي كانت تنافس أثينا في تدريس وترجمة المؤلفات الفلسفية ,فمدرسة الاسكندرية قامت بترجمة كتب ارسطو ثم شراحه ,فحسب ابن النديم صاحب كتاب الفهرست “ان أول كتاب ترجمة إلى العربية هو اساغوجي فورفوريوس الذي يلخص المنطق الارسطي ثم ترجمت المؤلفات الكبرى للمعلم الاول .هكذا سيستمر هذا المشروع العلمي بعد ظهور الاسلام في حلقة الكيندي الذي كلفة بمهمة ترجمة الكتب الفلسفية من اليونانية والسيريانية إلى العربية ,لكن مديد هو زمن الترجمة العربية للفلسفة اليونانية ,فإلى متى ؟ومن اين تبدأ البداية وتنتهي النهاية ؟ هل بالكندي وابن رشد ؟ وبعبارة اخرى ما الذي جعل الفلسفة العربية تنطلق مع الكندي وتنتهي مع ابن رشد ؟ وهل كان للترجمة تأثيرا على هذا الجدل ؟.

   مهما يكن من أمر ,فلا وجود لفلسفة بدون ترجمة إنهما نفس الشيء مثل جدل العقل والتنوير ,والشاهد على ذلك أن حلقة الكندي كانت تضم أعظم المترجمين اذكر منهم ” اسطاث ,ابا بشر متى .يحي النحوي ,اسحاق بن حنين ..”فالمترجم يهيء النص والفيلسوف يتفلسف , اسطاث يترجم ارسطو والكندي يكتب رسالته في الفلسفة ,هكذا ترجمت مؤلفات ارسطو وافلاطون وبدأت الفلسفة العربية .الفاربي تعرف على كتاب ما بعد الطبيعة من خلال ترجمة ابا بشر متى ,نفس الشيء بالنسبة  لابن سينا . ابن رشد يعتمد على ترجمة اسطاث كالكندي ,ولذلك نجد ابن النديم يذكر ترجمات عديدة لكتاب ما بعد الطبيعة ولا مجال من استحضار شكوى ابن سينا من صعوبة هذا الكتاب الى درجة انه قراه أكثر من أربعين مرة ولم يفهمه إلا حين وجد في السوق دلال يبيع كتاب الفارابي واشتراه وبمجرد ما إنتهى من قراءته فهم كتاب الميتافيزيقا لارسطو وخرج في الصباح يتصدق على الفقراء .

 كم هو محير هذا القدر المبتهج للفلسفة العربية التي حققت وجودها انطلاقا من الترجمة كلما كان النص المترجم  واضحا كلما كانت الفلسفة مشرقة , وابن رشد يعترف بذلك ففي شرحه الكبير لكتاب ما بعد الطبيعة يعتمد على ترجمات لهذا الكتاب ثم يستعين بالشراح , ومع ذلك نجده يعترف بصعوبة هذا الكتاب العظيم الذي غير مجرى العالم حيث حرره من الخرافات والاساطير ,وكاد ان يحرر هذه الامة لولا تدخل التيار الأصولي الذي اوقف الترجمة وحذف الفكر الفلسفي من أرض الاسلام لينشر اسلام ابن تيمية .

   يقول ابن النديم عن أهمية ترجمة محاورة تماوس لافلاطون “فبترجمته أمكن للقراء العرب معرفة الفرق بين هذا العالم المطابق للحقيقة العقلية والعالم الأعلى ..وكان بامكانهم أيضا قراءة نظرية حدوث العالم بفعل الصانع “فبفضل ابن البطريق ويحي بن عدي تأسس بيت الحكمة وأصبحت الترجمة حضارة ومع ترجمة كتاب النفس لارسطو أصبح الحديث عن المعرفة العقلية والمعرفة الحسية لكي يتم الانتقال إلى التفلسف من خلال كتاب ما بعد الطبيعة الذي أحدث ثورة عقلانية سيتم تصيرها إلى اللاتين بدون مقابل .وابن النديم يفتخر بترجمة هذا الكتاب إلى العربية .

لكن   مع ترجمة كتاب ما بعد الطبيعة انطلقت الفلسفة العربية نحو افق الكونية وصار لها ظل على الأرض يستظل به الانسان ففي هذا الكتاب يتناول ارسطو سؤالا هاما وهو ” كيف يتصل العقل الانساني بالعقل الفعال ؟ ولعل شرح هذا الكتاب من قبل ابن رشد يعد مفخرة الفلسفة العربية .وحدها مقالة اللام من هذا الكتاب تطلبت مجهودا كبيرا تجلى في استحضار شرح الاسكنر وثاميسثيوس لهذه المقالة , والمؤسف ان الغرب عرف كيف يستثمرها في ثورته العقلانية .

ومن الحكمة ان نعترف بأن ابن النديم قد اكتشف سر نجاح الفلسفة العربية حين قال هناك كتب لارسطو وافلاطون بمجرد ترجمتها إلى العربية إنبثقت الفلسفة العربية من العدم ويذكر منها ” مبادىء الكون على رأي ارسطو وكتاب النفس وكتاب ما بعد الطبيعة …”فبواسطتهم بدأ التفلسف بالمفاهيم الارسطية ومقارنتها بالفاهيم الافلاطونية كمفهوم  قدم العالم , ونفي العلم الالهي بالجزئيات , وفناء النفس البشرية , بيد أن أعداء الفلسفة الذين اجتمعوا في الحزب الديني الأصولي سيحرضون الغزالي على الفلاسفة ولم يجد سوى هذه المفاهيم الثلاثة ليعلن عن تكفير الفلاسفة في كتابه المشؤوم تهافت الفلاسفة مما جعل ابن رشد يرد عليه بكتاب تهافت التهافت ويقول “ولا شك أن هذا الرجل أخطأ على الحكمة كما أنه أخطأ على الشرية ,,,وإما لانه جاهل واما أنه شرير “وحدث ما لم يكن في الحسبان الصدمة الكبرى .

  هكذا انتقلت الفلسفة العربية من مدينة طليطلة إلى اللاتين وظل ابن تيمية وحده بطل هذه الأمة المعوقة , ولم تعد الفلسفة تأتي في المساء .لأن النسور اعترضوا طريقها ومزقوا ريش بومة مينيرفا تمزيقا وحرضوا على الفلاسفة وبدأت النكبة . وقام التيار الأصولي المتشدد بحذف العقل من أرض الاسلام التي يهيمن عليها بالسيف والايديولوجية وانتشر الجمود الذي يؤرخ له بموت ابن رشد . وكما قال رينان بموت ابن رشد ماتت الفلسفة في الاسلام , وانا اقول بموت الترجمة ماتت الفلسفة في هذا الفضاء الشقي حيث تحولت العبادة إلى عبودية والجهل إلى مفخرة .

  لم يكن ابن رشد هو الخاسر أمام الغزالي , او الفلسفة العربية أمام ابن تيمية بل الأمة هي التي انهارت ,لأنها ضحت بوجودها العقلاني في سبيل وجودها السوفسطائي وكانت النتيجة هي التأخر والتطرف . وأضحت هزيمة الفكر أقوى من هزيمة الحرب . لأنها خسرت التاريخ والعلم والمعرفة واحتفظت بالضجيج الإيديولوجي  وصراخ التيار العدمي مفتخرا بالهزيمة والانهيار .

  ولم يعد الصراع مع الفلسفة ومع النهضة العقلانية ,بل تحول إلى صراع بين الإسلام والإسلام فكل جماعة تدعي امتلاكها للحقيقة والأصل ويتهم الاخر بالبدعة وأخطر هذه الجماعات تلك التي تحولت إلى احزاب سياسية وتدعي بالخدعة بانها تؤمن بالديمقراطية مستثمرة أرواح العامة وتستغل مبدأ جلب المصلحة وتأجيل درأ المفسدة إلى حين تغلغلها في الدولة وتهيمن على التعليم وقد راينا ماذا فعل ذلك الجاهل بالتعليم العالي وكيف تحول إلى مقبرة لأمثاله . وصارت الحرية بدعة والمساواة كفر والفلسفة زندقة والترجمة ردة . وتحول الدين إلى تخدير الادراك من أجل الانتخابات .

فربيع الفلسفة في دورته الثامن عشر كان مناسبة لصياغة سؤال الراهن انطلاقا من أخطاء الماضي عسى ان نتقدم ولو خطوة واحدة لقد كانت عندنا فلسفة وكانت تحتمي بالترجمة واشرقت النهضة العقلانية  لكن التيار الأصولي دمرها وها نحن نقاوم من أجل استرجاعها بيد أن هذا التيار لا زال يمارس الطاعة والهيمنة ولا أعتقد بأننا سنهزمه لانه تقوى بالسلطة والسيطرة على الدولة وحرمنا من كل الحقوق وأضحت الفلسفة في خطر من جديد .

شاهد أيضاً

حديث الإنصات دراسة في مجلس المُفَضّلي النّزْوي وابن رُزَيق

*أحمد السعيدي توطئة: يضم مخطوط «الصحيفة العدنانية»(1) للمؤرخ الأديب ابن رُزَيق (1291هـ/1874م)  نصا غميسا في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *