الرئيسية / خبر رئيسي / أغنية محشوة بالريش

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات

*عبد الرحيم التوراني

في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا حتى لما شرع في بث حلقات مسلسل قديم بعنوان: “موت غير متوقع”.
كان البطل الرئيسي في المسلسل يشبه كل واحد من هؤلاء الممددين في الغرفة الباردة.
لكن لا أحد منهم خطر بباله لو كان بيده ريموت كنترول لرفع مؤشر الصوت المكتوم. بدوا كأنهم في غيبوبة أو ما يشبه موتا سريريا. كأنهم بانتظار نهاية حلقات ذاك المسلسل التراجيدي كي ينعموا بالسهر.

خارج باب الغرفة الباردة وقف يفكر في نهاية دوامه اليومي. وانتقل إلى حساب السنوات المتبقية له لنيل التقاعد. جلس ثم وقف. فتح باب الغرفة وأغلقه. مشى بضع خطوات في الممر الضيق. وجد نفسه يتأمل في المصير العبثي لمن هم بداخل القاعة التي يحرسها. قال محدثا نفسه بصوت مسموع:
– هؤلاء هم الفائزون، على الأقل يرتاحون من تعب الجو الحار، ومن صخب الدنيا الفانية. كم أغبطهم.

عاد إلى القاعة الباردة، فتح البرادات. وخاطب المحبوسين داخلها:
– بالله عليكم أفيدوني، ماذا يمكن أن أصنع بحياتي بعد موتي؟! أتمدد مثلكم في غرفة مكيفة وأتفرج على “عمر غير متوقع”؟!!

سمع أصوات متداخلة، لم يميزها. أغلق البرادات. تذكر أن اليوم يصادف عطلة عيد. قرر مغادرة مقر عمله قبل نهاية الدوام بساعة ونصف. حتى يتمكن من مشاهدة مباراة كرة.

لما صعد إلى السطح، حيث غرفته المعتمة، سمع نفس الأصوات المتداخلة غير المميزة . أصابه بعض الرعب. قبل أن يكتشف الغرفة وقد امتلأت بطيور غريبة الشكل. خرج هاربا إلى الشارع. تبعته تلك الطيور الغربية. كانت تطير فوق رأسه المنفوش. قادها إلى مقر عمله. أدخلها إلى القاعة الباردة. وزعها على رؤوس الممددين. فزاد من صقيع صمتهم. أطفأ النور وأغلق الباب وخرج عائدا من جديد باتجاه مسكنه القريب.

لاحظ أن ريشا كثيفا يتطاير فوق رأسه. لما دخل غرفته نسي متابعة المباراة، وانشغل بحشو وسادته بالريش المتطاير، ثم  وضع رأسه فوقها وخلد إلى النوم.

في الصباح وجد نفسه نائما على بلاط المشرحة وحوله لجنة من الإدارة، فهم بصعوبة أنهم بصدد التحقيق معه حول من عبث بجدران القاعة  البيضاء ولطخها بعبارات غير مفهومة، ومن جلب قناني نبيذ وجعة ودلقها في زوايا المكان وغسّل بها جثث الموتى.

لم يعر لأسئلتهم أي انتباه. كان مأخوذا يتأمل بذلك النوم اللذيذ الذي لم يتذوقه من قبل في حياته. رفع بصره باتجاه جدران القاعة، وأنشد لحنا جنائزيا. وعاد إلى النوم. لم يفلح أحد من أعضاء اللجنة في إيقاظه، ولم يستيقظ بعدها من لذته الصامتة.

(بيروت)

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *