الرئيسية / مقالات / في غياب التأمل

في غياب التأمل

*خيري منصور

عرفت الثقافة في الغرب والعالم العربي أيضا نمطا من الكتابة بلغ ذروته في النصف الأول من القرن العشرين، وحمل عدة أسماء لم تكن كلها دقيقة، لأنها جاءت بمثابة التصنيف الذي يمارسه ناقد الأدب ومؤرخه من أجل التسهيل واستكمال تضاريس الخريطة.
وما حمل اسم المقالة في الأدب العربي والمحاولات في الثقافة الفرنسية، لم يكن تعبيرا عن فائض بقدر ما كان مكتفيا بذاته، لأن التأملات هي مادته، وما كتب من المقالات في فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، نال شهرة نافست الروايات، رغم أن كتابها هم على الأغلب شعراء وروائيون، وهناك من ينظرون إلى مقالات البير كامو تحديدا في «أعراس» على أنها ليست فقط خلاصات تجارب، بل هي بحد ذاتها رحيق لا ينضب، وبالتحديد المقالات التي كتبت عن تيبازة والصيف وجميلة. حتى سارتر الذي أصدر أعماله في كتب، أعطى أهمية خاصة لمقالات «جمهورية الصمت»، ففيها الجماليات العمرانية، وتضميخ الشعر بالأسطورة، كما في مقالة «أورفيوس الأسود»، حيث قرأ أيميه سيزير وليوبولد سنغور من باب غير مطروق، كما فعل في دراسته الفريدة عن الشاعر بودلير. فلماذا اصيب هذا الحقل من الكتابة بالضمور وأوشك أن يتوقف لصالح كتابات عابرة للأنواع؟ البعض يقولون إن هذه الكتابة تتطلب قدرا كبيرا من التأمل بحيث تشمل الوضع البشري وتقف حائرة أمام مصيره.
إن الزمن في هذه الكتابة نفسي ونسبي، لهذا يكون مجال التداعيات أوسع، وكأن كيمياء جديدة تتشكل من ذاكرة يقظة وخيال شديد الجموح يعيد إنتاجها، اما شعرية هذه الكتابة فهي أولا طليقة ومبثوثة في أدق التفاصيل وليست بقعا قرمزية تتناثر هنا وهناك، كما يقول ناقد فرنسي، لكن حرص الاتجاهات الاتباعية في النقد على التصنيفات لتبقى الكتابة داجنة في تعريفاتها، فقد وجد في هذه الكتابة شيئا من الهجانة بحيث يحار في اعتبارها شعرا أو نثرا، والقول بأن غياب التأمل والإيقاعات السريعة لحياتنا من أسباب انحسار هذا الإبداع المركب، فيه تجاهل لما هو أهم، وهو تراجع الثقافة لصالح بدائل تشبهها شكلا، لأن ما طرأ على العالم بعد الحرب العالمية من متغيرات شملت كل مناحي الحياة لم تسلم منه الثقافة الجادة، إذ أقحمت إلى عالم السوق والسلعة، إضافة إلى ما فرضه التاريخ من شروط على الفرد كي يتأقلم مع السائد، خصوصا بعد ظهور أحزاب وتيارات تحكمها الأيديولوجيا ولا ترى في الكتابة الحرة حقا لأحد، لهذا مررت هذيانات وثرثرات لا حصر لها تحت اسم الأدب المؤدلج.
وحين أصدر جان بول سارتر كتابه عن الأدب الملتزم، أساء الكثيرون فهمه وخلطوا بين الإلزام والالتزام، لأن فترة ما بين الحربين في أوروبا خلخلت مفاهيم، وأفرزت منظومات جديدة من القيم التي شكلت قطيعة مع الحقبة الكلاسيكية، وما ظهر من تيارات تجريبية في تلك المرحلة كان، في بعض جوانبه، تعبيرا عن شكوك جيل بكامله بكل ما ورث، فكل ما كان محظورا أصبح متاحا، ولم تعد العقلانية هي السائد الذي يحتكم إليه في القياس. وما ظهر من نصوص تأملية، خصوصا في أمريكا اللاتينية وبالتحديد لدى بورخيس، فذلك لأن هذا البصير رغم العمى بدأ قراءته للعالم من داخله، ثم أقام علاقة جدلية وآسرة بين الداخل والخارج، أما في الغرب فإن هذا النمط من الكتابة أصبح نادرا وغير لافت للنظر، لأنه أشبه بالتصوير البطيء للمشاهد المتكررة ذاتها التي تنشر، والكتابة التأملية ليست الشيء الوحيد الذي خسرناه في عصر الإنترنت والعزف السريع.
ثمة أنشطة إنسانية دافئة بدأت تنحسر، وعلى سبيل المثال كان فن تبادل الرسائل بين المبدعين من أهم وأبرز الفنون الأدبية لعدة قرون، ثم انتهى به الأمر إلى هذه البرقيات الباردة التي تخلو من أي قيمة جمالية.
لقد استطال الذراع العلمي بمعناه التكنولوجي لدى الإنسان المعاصر على حساب الذراع الآخر، بكل نظريته ومورثه التاريخي، وربما بسبب هذا الخلل عانى العالم وسيعاني من التناغم والتكامل، وهناك تجربة طريفة مارسها فريق ياباني لتأليف موسيقى إلكترونية تخلو تماما من الأخطاء، وحين أصغوا إليها وجدوا أنها باردة ورتيبة، وتخلو مما سماه رئيس الفريق الخطأ البشري الحميم.
إننا الآن في حاجة إلى ناقد من طراز ذلك الناقد الذي قال بمناسبة قراءته لرواية «الفهد» للامبيدوزا الإيطالي وهو، لقد انتصر الرقم على الاسم والكم على النوع، وأصبحت كلمة الإنجاز بحاجة إلى إعادة تعريف، ويقصد بذلك أن الفهد هي الرواية الوحيدة للأمير لامبيدوزا.
__________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *