الرئيسية / نصوص / منديل ورقي أرجواني اللون

منديل ورقي أرجواني اللون

خاص- ثقافات

*د. محمد عبدالحليم غنيم

         ترددت كثيراً ، لا دهشة في هذا ، فأنا دائماً مترددة ، رأيت صورته على صفحات موقع الفيس بوك ، وأنا مدمنة فيس بوك ، تشككت هل هى صورته أم صورة أحد يشبهه ؟  حتى كان ذلك اليوم ، عندما وضع صورة قديمة له بوصفها بروفيل جديدا لصفحته ، إنه هو ، إنها صورته ، كان قد كتب معلقا على الصورة :  “هذه صورتي منذ ثلاثين عاماً ” .

       نعم من ثلاثين عاماً ، كان لقائي به ، اخترقت عيناه دمي ، و اخترقت عيناي قلبه .

       كنت طالبة في الصف الثالث الإعدادي ، و كان هو مدرس الرياضيات الشاب ، شكله مختلف عن باقى المعلمين ، أتابعه أثناء الحصص ، تكاد لا تنزل عيناي من عليه ، و عندما يواجهني أشعر بأن عينيه تضحكان لى،  تبتسمان و تقولان لى : ” انظري و تأملى ، ملى عينيك مني ” . كنت أنظر إليه في تحد ، وقد  شعرت بأنه مرحب بهذا التحدى . ولعل هذا الذي جرأني ، لكي أكتب له رسالة صغيرة على منديل ورقى أرجواني اللون وأضعها بين صفحات دفتر الواجب .

      كان الفصل كله يعلم أنني أحب مدرس الرياضيات ، لم أكن أخشى أحدا ، كنت على استعداد أن أقول ذلك أمام العالم كله . سحب المنديل من الدفتر ووضعه في جيبه وظل ابتسامة تكلل شفتيه ، وكنت أخشي  أن يحرجني ، أن ينهرني أمام الفتيات و خاصة اللاتي يعرفن قصتي . لم يقل شيئاً ، كنا عادة نقف خلفه أثناء تصحيح الدفاتر نكاد نلمسه من الخلف بصدورنا النزقة ، و لكن من حسن الحظ ، في هذا اليوم لم يكن أحد خلفه و إلا رأى المنديل و الرسالة ، وضع الرسالة في جيبه ، وعاد في اليوم التالى وكأن شيئاً لم يحدث ، كدت أجن ، ألا يعيرني اهتماماً  ولكن ابتسامته لى وتقبله الرحب لسهام عيني الناعستين ، جعلاني أشعر بالطمأنينة ، في نهاية الحصة أشار لى وقال أن أتبعه ، سرت خلفه بلا وعي ، قال و نحن نتمشى في الطرقة وسط الطالبات و المعلمين و المعلمات :
– أريد أن أتحدث إليك .

     سكت ، توقف بعد أن ابتعدنا عن صخب الطالبات في أقصى الطرقة المطلة على الفناء الممتلىء بالفتيات اللاهيات بالطعام و الضحك و اللعب ، قال :
– أنت فتاة صغيرة و أنا معلمك .. ومع ذلك صدقيني لا أستطيع أن أتقدم إلى أهلك ، فأنا فقير ، بالكاد أجد قوت يومى ، لا يغرك منظرى .

    أذهلني هذا الرد ، لم أكن أفكر في الزواج ،ولا خطر ذلك في بالى ، أنا أحبه ، أحب مدرس الرياضيات لا أكثر .

     لم أجد شيئاً أقوله ، ربما كنت أريد أن أسمع المزيد منه ، لأعرف إذا ما كان يحبني أم لا ؟ . طال مد الصمت ، ثم قال في تردد بدا في ابتسامته الحزينة وصوته الخفيض :
– ليس لدى القدرة لكى أتقدم إليك ، أمامي سنوات طويلة .

     شعرت أنه يعاملني وكأننى زميلة له لا تلميذة ، شعرت بأنني كبرت و كنت قد كبرت فعلاً ، لقد قلت له كل ما أريد في رسالتي و قرأ فيها كل حرف يقول أحبك أحبك ، لم يعطني الرسالة ، و احتفظ بها ، فسعدت بذلك ، لم أطلبها منها ، لم أكن أخشاه ، كنت أحبه ، لا أعرف كيف انتهى اللقاء ، لكننا افترفنا على صوت الجرس ، لكى تبدأ الحصة الخامسة ، وليدخل الجميع الفصول ، المعلمون و الطالبات .

      الآن و أنا أرى صورته الشابة ، أتأمل تفاصيل وجهه ، إنه هو ، مدرس العربى الوسيم ، إنه شخصية مشهورة و معروفة . كيف الالتقاء به ؟ كتبت له بعد تردد أطلب صداقته ، استجاب بعد ثلاثة أيام عشتها في قلق مشوب بالندم ، إنه ليس مثل الآخرين مجرد أن ترسل له فتاة أو امرأة تطلب صداقته يستجيب على الفور، يبدى إعجابه بكل السخافات التى تنشرها على صفحتها ، أخيراً استجاب لطلب الصداقة و صرت من دائرة أصدقائه ، صديقته على الفيس ، أتابعه و أتابع أخباره ، مرت شهور و أنا مترددة ، هل أكتب له ، هل أطلب رقم التليفون ؟  لكن ماذا أقول له وهل يتذكر ما حدث بيننا من ثلاثين عاماً ؟ هل سيعرفني ؟ أخيراً كتبت و أرسلت عبر الماسنجير  :
– ممكن أتكلم مع حضرتك .
– ممكن ، تفضلي مرحباً بك .
– ….
– سنة 87
– أهلا بك . معقول ..

      أرسلت له صورته الشابة ، كنت قد نسختها من على صفحته و احتفظت بها ، صورة لشاب يرتدي تيشيرت أبيض في لبني و يمسك بقلم ويضع يده على خده ، قلت بعد أن وصلت الصورة :
– دا شكل حضرتك أيامها .
– تمام . كانت أياماً جميلة .
– فعلاً . حضرتك كنت لسه خريج جديد .
– نعم .
– كنت بسأل عن حضرتك على طول .
– ….
– و كان نفسى أشوفك .
– الله يخليك . و حضرتك،  أين تعملين الآن ؟
– في قسم التوريدات .

      كذبت عليه هذه المرة . فأنا لا أعمل في قسم التوريدات ، أنا أعمل مدرسة لغة إنجليزية ، صمت و لم يرد . فأكملت ، و أنا أقول الحقيقة هذه المرة :
– في المجمع التعليمى .

     فقال في براءة :
– إنشاء الله في أول زيارة للمجمع سأري حضرتك .
–  كنت عايزة آخد رأى حضرتك في موضوع .
– تفضلي ، تحت أمرك .
– لى بنت في الصف الثالث الإعدادى وتحب معلمها ، لا أعرف ماذا أفعل معها ؟

      لم يرد ، طال الصمت، فأكملت :
– أنا قلت حضرتك بخبرتك أكيد مرت عليك حاجات زي كده .

     عند ذلك أسرع بالرد :
– مرت على حاجات زي كده فعلاً ،  وحل المشكلة في إيد المعلم .
– كيف ؟
– عليك أن تلتقى المعلم و تقنعيه أن يبتعد عن البنت بشكل لائق دون أن يجرح مشاعرها .
– هو حضرتك حصل معاك – شخصياً — شىء مثل هذا .
– تقريباً .
– و ماذا فعلت ؟
– تحدثت مع الفتاة وقتها على ما أتذكر .
– طيب . حضرتك مازلت تتذكرها ؟
– كانت بنت جميلة . واسمها على ما أتذكر سلوى . كانت كاتبة رسالة على منديل ورقى معطر وسط الكشكول . لا أتذكر الرسالة ، لكني أتذكر جيداً جمال عيني الفتاة و نظرات الحب المشعة في عينيها .
– أنا هي .
– معقول !
– نعم .
– هذه الدنيا الصغيرة جداً .

     نعم هذه الدنيا صغيرة جداً .
– ليس لى بنت في الصف الثالث الإعدادى ، لكنني كنت أريد أن أعرف إذا ما كنت فاكرني أم لا ؟

فقال بعد تردد ، لعله ذهل من هذه الحقيقة .
– تمام ، لا أنس المشاعر النبيلة .

      هل كانت مشاعره نبيلة حقاً ؟ لكن أي نبل يقصد ؟ النبل عندي هو أن يكون قد أحبني مثلما أحببته لا  بل عشقنى مثلما عشقته .

      ترى لو رآنى الآن وأنا أجر خلفى أربعة من البنات ، تركهن لى زوجى هجرا، أو من كان زوجى ، لأننى لم أنجب له ولدا يحمل اسمه ، ماذا سيفعل ؟ هل سيظل يحبنى ؟ هل تصمد مشاعره النبيلة ؟ وهل تصمد مشاعره النبيلة إذا عرف أننى قضيت ستة أشهر في مصحة نفسية قبل طلاقى بأيام قليلة ؟ لا أظن . لكن سيبقى حبى له حتى الموت ، ولكى أحتفظ بهذا الحب ، لن أسمح له برؤيتى ، لن ألتقى به ، على الرغم من رغبته في ذلك – وإن لم يصرح بها – و سيبقى حبى صامتا إلى الأبد. لكن هل مازال يحتفظ برسالتى ؟ هل مازال يحتفظ بذلك المنديل الورقى الأرجوانى  المعطر ؟ هب أنه قد احتفظ به ، هل يبقى اللون ؟ وهل يبقى العطر ؟ وهل تبقى الكلمات  ؟ لا أريد إجابة

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *