أعرفه

خاص- ثقافات

*عبد القادر صيد

ما  باله يحيّيني كل مرة في الأسبوع ؟! و ما الذي دهاني حتى  ألوّح إليه بيدي من نافذة سيارتي المنطلقة بسرعة منحدرة إلى ولايات الجنوب ؟!و ما الذي ألّم به حتى لا يتوقف عن الاهتمام بي؟ إنه ّ ينغمس في حركات احتفائية ملفتة يكررها كأنها طقوس حتى أشك أنه يبالغ فيها ؛يتابع حركة السيارة بكل جسده صارخا دون أن  يصلني صوته ، كما أتمتم بكلمات لا يسمعها أيضا، و لا يرى صورتي ، و لا أعرفه أصلا ،  فقد تعودت أن أراه من بعيد قاعدا ، فبرمجه  وجدامي ضمن معالم الطريق، و أصبحت أضبط موعد انطلاقي مراعاة لجلسته ، و لا شك أنه هو أيضا يحرص على أن يكون موجودا في نفس الزمان ..ترى من يكون هذا الشخص الذي يحتفي بي دون سابق معرفة بيننا؟ أستغفر الله فإنه إن لم يكن يعرفني فهو يعرف سيارتي             و موعدها و سرعتها و يعرف إشارات يدي..أي سعادة أدخلتها إلى قلبه بهذه الحركات؟!و أي نشوة أحس بها و هو يشير إليّ ؟!
لكنني هذه المرة  بالذات قررت أن أتوقف عنده ، و أصعد إليه في قمّته الرملية المتواضعة و أقاسمه السعادة التي ينعم بها ، لن أدعه ينهبها لوحده ، كما أنه لن يعرفني لأنني تخلصت من سيارتي القديمة شافروليه و اشتريت أخرى جديدة،سأتحدث معه عني. ها أنا أخفف السرعة ، و أنحرف إلى اليمين محاذرا من أن تغوص العجلة في الرمال ، أصعد إليه ، يرحب بي، هو شيخ أسمر اللون و نحيف ،يميل إلى الطول،يرتدي قميصا أبيض ،و ترتصف أمامه كؤوس الشاي التي نتتظر الامتلاء برحابة صدر محيطة بإبريق يطهى على نار  هادئة هدوء المنطقة و أهلها ،يسلم عليّ بحفاوة شديدة كأنه يعرفني منذ سنوات،لا يبدو مبتسما و إنما ضاحكا مغرورقة عيناه بدموع لا أميز إن كانت دموع الفرح أو بسبب مرض .بعد مراسيم اللقاء دعاني لأقعد على الحصير و تناول الشاي، و عند أول رشفة شعرت بأنني قد تغيرت ، أصبحت أنظر إلى السيارات المسرعة أمامي كأنها  من ذوي الأرحام، رحت أحييها مع صديقي بطريقة جنونية ،منهم من يردها بنفس الدرجة ،و منهم من لا يتمكن من الرد بسبب السرعة و عدم الانتباه مبكرا لحركاتي ، كما أنه منهم من لم يهتم أصلا بهذه اللفتة ، بعد ساعة،قال لي :
ـ استرح قليلا ، ستتعب إن تبعتهم كلهم ، سيمرّ بعد قليل شخص مختلف عنهم جميعا يقود سيارة من نوع شافروليه سوداء ، و سترى ..
ـ هل تعرفه شخصيا ؟
ـ لا و لكن أعرف الهالة التي تحيط به .
ـ لو رأيته هل ستعرفه؟
ـ نعم كما أعرفك أنت بالذات ..
بقينا ننتظر الموعد ، فسألته عن حاله و حياته بصفة عامة ، فأخبرني بأنه موظف و لا يوجد في حياته فرق بينه و بين أي شخص في هذا الوطن ، و أنه يلجأ كل أسبوع إلى هذا المكان للتخلص من ملل الوجوه التي أصبحت لا تطيق أفكاره الغريبة ، لذلك أصبح يربط صداقات مع العابرين بسرعة ، و أنه منذ فترة و هو يداوم على هذه العادة ، إلا أنه و لا أحد تجرأ أن يتوقف و يتناول معه الشاي ، كما فعلت أنا .
فقلت له :
ـ هل تتحدث عن نفسك أو عن صاحب السيارة الذي ننتظره ؟
ـ أتحدث عن نفسي طبعا ، أما من تسألني عنه ، فهو من كنت أنتظر أن يتوقف لي منذ فترة قبلك..
ـ و أنا لم أعجبك ؟
ـ لا لم أقصد هذا المعنى ، و لكن الدنيا حظوظ ..ها هي قريتي تبدو من هنا نقطة سوداء ، لا يجعلها قرية إلا هذه اللافتة التي تؤنس المسافرين في الطريق ، و لا سيما عندما ترتطم على صفحتها الأضواء ليلا ،قضيت فترة لا بأس بها أبحث في أنقاض القصور المدفونة على بعد كيلومترات منها على آثار و مخطوطات ،و أنبش عن كل ما يفيدني في رسم صورة عما كانت عليه هذه المملكة العتيقة  فلم أفلح ،و كما لم أجد أحدا يهتم بها ، لأن الكنوز المخبأة فيها قد نهبت يوم جاءت فرقة ادعى أعضاؤها أنهم مهندسون مختصون في علم الآثار  ، و في حقيقة الأمر لم يكونوا إلا لصوصا عالميين أخذوا كنوز أجدادي و هربوا، و لا أحد إلى اليوم يعرف هويتهم..أصبحت أكتفي الآن بالترحيب بكل الناس ،لا يهمني أن يتوقف لي أحدهم ، و لكن الشخص الذي ذكرته لك يعني لي الكثير، و في نفس الوقت أتساءل عما يمنع أحدهم من التوقف أمام اللافتة و لو مرة واحدة في حياته ..ما الذي يمنعه من أن يعرج يمينا ليزور القرية؟ نصف ساعة من الزمن لا تنقص من عمره شيئا، و لا سيما إذا نظر إلى الوجوه السمراء ، صحيح أنه لن يجد بترولا و لا تمرا ممتازا و لا ماء عذبا ، و لكن سيرجع بإحساس مختلف سيغيّر لون قلبه ، سيتجوّل في قفصه الصدري ليستنشق روائح جدار رئتيه  وسيتعرف على نكهات جذور أجداده بدلا من النسمات المسمومة في المدن التي تراهن على مواعيد ثقيلة غير آمنة العواقب.
فجاة ظهرت السيارة ، إنها سيارتي بعتها اليوم فقط ، انتفض صديقي بسرعة من مكانه ، لوّحنا بأيدينا في صورة هستيرية ، انتبه إلينا السائق ، انغمسنا من جديد في الترحيب كأننا أمام وفد رئاسي يمرّ أمامنا ،أحسست بسعادة لا توصف ، فهذه أول مرة أحيي فيها نفسي و احتفي بشخصي الكريم،راح صاحبي  بجذل و انبهار يقول لي :
ـ ها هو من حدثتك عنه ..إنه هو ..هيا ارفع يديك جيدا و حركهما بسرعة ليرانا ،     و ليعرف أنّه قد تضاعف عددي و أصبحت اثنين ..
صحيح أنني رجعت إلى منزلي منبهرا ، لكن للأسف فقد نسيت أن أزور القرية .

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *