الرئيسية / خبر رئيسي / الـدّار البَيضاء، كمَا رَأيتـُها… !

الـدّار البَيضاء، كمَا رَأيتـُها… !

 خاص- ثقافات

*ادريس الواغيش

كما في أرض الكنانة والشام وأماكن أخرى كثيرة من العالم، المصريون يلخصون بلدهم – مصر- في القاهرة والسُّوريّـون يجمعون الشام القديم والجديد في دمشق وحدها، وعندنا في المغرب الأقصى الدار البيضاء هي المغرب بكل تناقضاته الواضحة والخفية، هي مَـدَنيَّـتُـنا الحديثة وهويتنا المُعقدة بمفارقاتها العجيبة، هي عُـرْيُنا والستارة التي تحجب عورتنا في نفس الآن.
الدار البيضاء تجمع بشري تَغَـوَّل كثيرا لدرجة كبيرة حتى أصبح معها مخيفا، امتداد عمراني رهيب، مركز للتجارة والمال والأعمال والعَمل والعُمال كما البطالة أيضا، فيها ما لم يخطر لك يوم على بال من عجائب التجمعات البشرية الكبرى، وفيها ما يفرح العين ويسر الناظرين وعلى بعد خطوات قليلة فقط، ترى ما يدمع العين ويدمي القلوب ويبعث على التقزز، من قارورات “مارتن كاتز” الأغلى ثمنا في العالم إلى زجاجات عطر المليون دولار ورائحة البول التي تزكم الانوف وسيولته السائحة على جَـنبات الأسوار، فيها يتجمع مليارديرات البلد وفحشا يحتاج إلى دليل في الثراء، وفي نفس الوقت متسولون وفقراء منثورين بغير انتظام على الأرصفة في كل شبر من المدينة قديمها وجديدها، بدءا من الصباح الباكر إلى أن يطفئ آخر مصباح نوره في صباح اليوم الموالي، والكل يتعايش جنبا إلى جنب عن تراض ويقبل بشكل أو بآخر بواقعه وبالآخر.
شاطئ الدار البيضاء على المحيط الأطلسي طويل بخاصه بدءا من عين الذئاب وعامه إلى حدود ضريح سيدي عبد الرحمن، يضج بالناس، كل الناس على اختلاف انتمائهم الطبقي، من طلوع الشمس إلى غروبها، ليبدأ بعد ذلك ليل مختلف ومخيف في “البيداء الكبرى” كما يسميها العم أحمد بوزفور. الدار البيضاء تحتوي عالمان مختلفان ومتناقضان: عالم يؤمن بالتطور والحداثة ويعشها وآخر يعيش على وهم التمائم ودعوات فقهاء القرون الوسطى في ضريح سيدي عبد الرحمن، وفي شوارعها ترى سيارات فارهة  من كل الموديلات والماركات تتباهى بصيحات حداثتها يقودها شبان أو شابات بسرعات جنونية، وأمامها أو وراءها حافلات نقل عمومي مهترئة تذكرك ب”هافانا” أيام الحصار الاقتصادي على كوبا في نهاية عهد كاسترو، رغم مرور الترامواي من حين لآخر أمام عينيك في حلته الجديدة ‼ .
وأنت قاصد مركز المدينة من الاطراف في الصباح، ترى كل شيء يشهد بأن هناك فوضى عارمة تعم نصف المدينة تقريبا، وتجد كل الأجناس بملامحها المألوفة تتعايش في شوارعها ومقاهيها بسلام، من الصين الأقصى شرقا إلى إفريقيا الأدنى جنوبا وأوربا شمالا، يثرثرون ويضحكون، وتتساءل في حيرة: بأي لغة يتواصلون وسط هذا الزحام الأجناسي …!
في الدار البيضاء ناس تعيش في أحياء راقية وفنادق فاخرة وآخرون يعيشون بشكل مختلف في مغرب مختلف، هشاشة مفرطة ودرجات قصوى تحت خط الفقر، فيها مقاهي رفيعة وإلى جانبها ما يشبهها من مراتع اللهو والنشاط وأشياء أخرى…!!
المدينة في مجملها تجمع  لمراكز مالية وبنكية كبرى، شركات عملاقة جاهزة تعمل بكل طاقاتها ليل نهار وأخرى في طور الإنشاء استعدادا للألفية الثالثة، محلات تجارية ضخمة بمواصفات عالمية يلزمك ساعات للتجوال بين أروقتها صعودا ونزولا على سلالمها الكهربائية والناس يحومون في وسطها كأنهم نيام، وناطحات سحاب زجاجية تطارد سُحب الصيف العابرة في السماء، ومع ذلك لم يغريني فيها شيء أكثر من لقاء ابنتي شهرزاد…‼

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *