الرئيسية / خبر رئيسي / هل الحقيقيّ هو دائماً حقيقيّ؟

هل الحقيقيّ هو دائماً حقيقيّ؟

*ادونيس

ــ 1 ــ

ــ إنّها تهطل غباراً ورملاً. ولا مَأْوى.

ــ إذاً، علينا، من جديدٍ، أن نتعلّمَ كيف نُغالِبُ الرّيح.

ــ 2 ــ

الورقةُ اليابسةُ المفصولةُ عن غُصْنها، المُتَطايِرةُ حيث لا تعرف،

قد تكون هي نفسُها، في الرّيح نفسِها، وسادةً لرأسِ الحياة.

ــ 3 ــ

ــ أوروبّا؟ هل قلتَ: أوروبّا ؟

ــ نعم، لم تَعُدْ أوروبّا على حافّة الهاوية. تكاد أن تصبح هي نفسُها، الهاوية.

ــ 4 ــ

المالُ رأسُ السّلطةِ، كما هو الأبُ رأسُ العائلة.

لكن، لماذا يُمْسِكُ الجهلُ هنا، بالمَقاليدِ كلِّها؟ ومن أين له القدرةُ

لكي يُنَصِّب نفسَه تاجراً، خبيراً، عالِيَ الحُنكَةِ،

في رَقْمَنَةِ العالم ؟

ــ 5 ــ

أمسِ، أُعلِنَ فوْزُ الجَشَع بالمقعد الوحيد الذي خصّصَه العِلمُ لمحاربة

الجهلِ والفقر، لا في بلدٍ واحدٍ بِعَيْنه، من العالم الثّالثِ أو الأوّل أو

الثّاني، وإنّما في الأغلبيّة السّاحقة من بلدان العالم كلّه.

ــ 6 ــ

أمسِ، أيضاً، بدأ الهواءُ في كتابة يوميّاته.

وقيل إنّه سيطلقُ عليها هذا الاسمَ:

« أكادُ أن أختنق».

ــ 7 ــ

«استسلمَ لشرطة الآداب، دون أيّ مقاومة، جميعُ أعضاء الخليّة السّرّيّة التي كانت تُخطِّط لزيارة الحريّةِ في مَخْبَئها»:

خبرٌ عاجِلٌ قَرَأْتُه اليوم، في المِترو، وأنا في طريقي إلى العمل.

ــ 8 ــ

قال الشّارعُ، مُجيباً عن أسئلةٍ كثيرةٍ طُرِحَتْ عليه:

« لا تستطيعُ الفوضى، مهما طَغَت،

أن تُحوِّلَ شجرةً واحدةً من الأشجار التي أتفيّأُ بها،

إلى امرأة.

إذاً ما تكونُ سلطةُ هذه الفوْضى، وما يكون معناها؟».

ــ 9 ــ

قال الغبارُ، مُتَضامِناً مع الشارع:

« يؤسفني أنّ الخطواتِ التي تأتي وتروحُ في أنحائيَ كلِّها،

باسم الحرّيّة،

لا تزال تجهلُ حتّى الآنَ،

الحِبْرَ الذي أُدَوِّن به يوميّاتي».

ــ 10 ــ

قال الماءُ يُخاطِبُ الشّارعَ والغبار:

«لا أخضعُ، وإنْ بَدَوتُ هيِّناً، لَيِّناً، أحتَضِنُ وأتَكيَّف.

إذا خضعْتُ، لا أعودُ أعرفُ مَنْ أنا، وما مَكاني، ومن أينَ أتيت، وإلى أين أذهب؟ «

ــ 11 ــ

ــ أيُّها الضّائعُ، المُنتَظِرُ – المُنتَظَر،

حاوِلْ أن تسألَ تاريخَك:

«أيّ أبنائكَ، أحَبّ إليكَ؟».

وسوفَ يجيبك:

– «إنّهم العُــصاةُ. وهــم المــُفَضَّلون عندي».

هل تتجرّأ وتطرح عليه هذا السُّؤال؟

وأحبّ أن أذكّركَ من جديدٍ، أنّ الجوابَ مبثوثٌ في جميع صفحاته.

ــ 12 ــ

لا عملَ للأسئلة في عصرِنا الرّاهن إلاّ مطاردةَ البشر. ولم نسمَعْ أنّ أحداً يعرف أن يُجيبَ عن معظمها. سمعنا، على العكس، أنّ معظمُهم يهربون منها.

الأسئلةُ التي تقدر أن تجعلك تهرب منها، بالقوّةِ أو بالعادة، هي وحدَها التي تقدر أن تفتح لك طرُقاً جديدةً- فكراً، وعملاً.

ــ 13 ــ

التّاريخُ حافِلٌ بالجراح الكبيرة التي تهبطُ في جسمِه، من جميع الجهات،

وفي جميع الأوقات. لكن ليس هناكَ جرحٌ أكثرُ فاجعةً، وأشدُّ إيلاماً، وأبْعَدُ اتِّساعاً من جرح التّاريخ نفسه.

هل أنتَ قارِئ؟ هل تقرأُ التّاريخ؟

ــ 14 ــ

تنشأ، تحت راية الرّقْمَنةِ الآليّة، ثقافةٌ أخرى تفرض عليك، لكي تعيشَ، أن تطردَ بعيداً عنكَ أفكارَكَ ومشاعرَكَ، ومُخَيِّلتك. لا أن تكتفي بطردها، بل أن تسجنها، وليس في أيِّ سجن، بل في سجن المُعتَقَد، أو السُّلطة، أو التِّجارة، أو الارتزاق.

ــ 15 ــ

لا تستطيع السّلطة، أيّةُ سلطةٍ، خصوصاً في ظِلِّ « الرَّقْـــمَنَةِ الآليّة»، أن تـــحيا إلاّ بـــأفرادٍ «مَوتى»، قليلاً أو كثيراً، في شكلٍ أو آخر.

خصوصاً أنَّ النّاسَ كلّهم يَعيشون في «الحديقة» الواســعة، حديقة السّياسة التي تُزَيِّنُها الدّولةُ لهم، و «تحرسها»، باسمِ الحِفاظ عليهم.

خصوصاً أنّ:

1 + 1 في هذه الحديقة = صفراً اجتماعيّاً وثقافيّاً.

1 ــ 1 في الحديقة = هاملت سياسيّاً.

يمكن أن نفهم هذا الوضعَ، على نَحْوٍ أفضل، إذا تذكّرنا أنّ الدّولةَ، كلّ دولةٍ، لا تفعلُ أو لا تستطيع أن تفعلَ إلاّ ما «يُرادُ» لها.

والمشكِلة إذاً هي في هذا «المُراد»:

خصوصاً في ظلِّ «الرّقْمَنَة الآليّة»، المُتَنَوِّعة.

ــ 16 ــ

هناك أنواعٌ من الدّوَل آخِذةٌ في التّكاثُر، تُمضي وقتَها في حراسة الجِرار التي تصنعها من طين السّياسة لغايةٍ واحدة:

أن تَلهُوَ بكَسرِها واحِدةً واحِدةً، تِبعاً للحاجة.

كَسْرُ هذه الجِرار ضروريٌّ، بوصفِه جزءاً من اللعبة، خصوصاً أنّ للجِرار ثورتَها هي أيضاً، ضدَّ الحِراسة والقائمين بها. وهي ثورةٌ للإطاحة بكلّ شيءٍ، دون أن تَعِدَ بأيِّ شيء.

ــ 17 ــ

سألَ التّاريخُ أذكى أبنائه:

ــ « هل الإنسانُ مُغامَرةٌ، أم مُقامَرَةٌ، أم مُؤامَرَةٌ ؟ أم هو هذه كلُّها؟»

ــ « اسألْ نفسَكَ أوّلاً»:

أجاب الابنُ.

ــ 18 ــ

تنهَضُ السّياسةُ في العالم كلِّه على الصِّناعة المُتَواصِلةِ في أشكالٍ متنوِّعَةٍ لمادّةٍ غنيّةٍ طَيِّعَةٍ، قابلةٍ لجميع الصّور، تُسَمّيها «الشّعب».

مادّةٌ تتحرّك، أبداً. تُناضِلُ أبداً، تقدُّماً حيناً، وتراجُعاً في معظم الأحيان.

مادّةٌ لا تَفنى، حتّى لو دمّرَتْها السّياسةُ نفسُها التي «صنَعَتْها».

ويبدو في ضوءِ التّجربة التّاريخيّة أنّ العدوَّ الأوَّلَ لهذا «الشّعب» هو هذا «الشّعب» نفسُه. أو بعبارة ثانية، يبدو أنّ العدوَّ الأوَّلَ «للقَوْم» كامِنٌ في «قوميّتهم» ذاتها.

ألهذا يكون عَقْلُ الدّولةِ «جّمْعِيّاً»،

ويكونُ عَقلُ السّياسةِ «عَقلَ أفراد»؟

ــ 19 ــ

دائماً تدخل السّياسةُ في بيت الشّعر بوصفها جِسماً، مُفرَداً، وجسَداً متعَدِّداً.

لكن، عندما يدخل الشِّعرُ في بيت السّياسة،

فإنّه لا يدخل إلاّ بوصفه «جسماً». أمّا «جــسدُه» فعَصِيٌّ على الدّخول، على نَحْوٍ مُطلَق.

والسّببُ هو أنّ السياسةَ ترى أنّ هناك أشياء حقيقيّة تتغيّر بحيث لا تكون حقيقيّة دائماً، وأنّ الشِّعرَ يرى أنّ الحقيقيَّ هو دائماً حقيقيّ.
___________
*الحياة

شاهد أيضاً

الموت يغيِّب حنا مينة

توفي اليوم الأديب والروائي السوري حنا مينه عن عمر ناهز 94 عاما، تاركا عشرات الروايات والقصص القصيرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *