الرئيسية / إضاءات / طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (4)

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (4)

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

 

    يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في عالما المعاصر ، وتأتي أهميته من كونه يطرح مفهوماً للدين هو أقرب إلى النسق  المجتمعي – السايكولوجي – الثقافي المغاير للمنظومة اللاهوتية الفقهية المتداولة ؛ وعليه سيكون أمراً مثمراً الإستماع إلى آرائه التي يطرحها في شتى الموضوعات المهمة على الصعيدين الفردي والعالمي .

   أقدّم في هذا القسم ( وأقسام أخرى لاحقة ) ترجمة لأجزاء منتخبة من بعض فصول الكتاب المسمّى ( طريق الحكمة ، طريق السلام ) الذي أوشك على إتمام ترجمته .

   اعتمدتُ في ترجمة هذا الكتاب على النسخة الإنكليزية التي نشرتها دار نشر ( Crossroads Publishing Company ) عام 2004 .

                                                   المترجمة

 

                               حامي كلّ الأديان

 

   تطوّرت منطقة التبت تحت قيادة الدالاي لاما لدولة ذات تراتبية رهبانية غنية في ثقافتها البوذية ؛ غير أنّ الثورة الثقافية الصينية دمّرت إلى حدّ كبير هذه الدولة ، ومع ذلك لايزال الدالاي لاما حتى اليوم حامياً لكلّ التقاليد البوذية في التبت بالإضافة إلى ديانة بون * البدائية وكذلك الإسلام ؛ حيث يلقى كلّ منهما حضوراً غير قليل في ” أرض الصقيع ” التبتية .

   القائد الروحي الثاني في سلسلة التراتبيات الروحية بعد الدالاي لاما هو بانشن لاما Panchen Lama الذي يعدُّ إعادة ولادة لِـ ( بوذا أميتابا ) الموصوف بمفردة ( أميدا ) ، وهو أحد أكثر الشخصيات البوذية أهمية وشعبية ، وحتى وقتنا الحاضر هذا فإنّ بانشن لاما هو  الممثل الروحي للبوذية بعد موت الدالاي لاما ، وقد حصل أن مات بانشن لاما الأخير على فجاءة في يناير ( كانون ثان ) 1989 تحت ظروف لم يتمّ التصريح بها على نحو كافٍ من الوضوح .

   وقع إختيار الدالاي لاما عام 1995على الصبي ذي الستة أعوام ( غيندون تشوكي ) ليكون خليفة للبانشن لاما المتوفّى ، وفي ردة فعل من جانب السلطات الصينية قامت على الفور بتسمية بانشن لاما من جانبها ، ومنذ ذلك الحين لم يحصل العالم على أخبار مؤكّدة دقيقة بشأن البانشن لاما ( نيمايا )  وأبويه كذلك ، وطبقاً للشائعات الصينية فقد عُزِل في مقاطعة نائية من التبت ، ويدعو التبتيون المنفيون نيمايا ( السجين السياسي الأصغر في العالم ) ، ولم يحصل حتى السنوات القليلة الماضية أن سمحت بكين – كما يبدو – للقادة الروحيين الصفوة المعيّنين من قبل الدالاي لاما بالمشاركة في البحث عن البانشن لاما الصبي .

   عندما انتقل الدالاي لاما وهو صبيّ بعدُ للإقامة في قصر بوتالا أختير كلّ من ( لينغ رينبوكي ) و ( تريجانغ رينبوكي ) ليكونا قيّمين على تعليمه الديني ، وكانت العادة ان يلتقي بأبويه – اللذين رُقّيا  لمرتبة النبالة – مرة واحدة في الشهر . ترك الدالاي لاما الصبي إنطباعاً مدهشاً لدى الناس بسبب قدرته الفكرية العالية ونباهته السريعة ، ويُنقل عن ( هاينريش هارير ) أنه كتب أنّ الدالاي لاما الصبيّ يمثّل نمطاً شبابياً مستقلاً غير مسبوق ؛ فقد كان صورة معاكسة تماماً لسابقيه من الدالاي لامات الذين قضوا كلّ حيواتهم مثل دمى أليفة بين أيدي معلميهم المشرفين عليهم وتركوا أمر الحكومة موكولاً للأوصياء على العرش الذين ينوبون عنهم .

   هارير الذي ذكرناه أعلاه ساهم ، أيضاً في تعليم الدالاي لاما وجعل منه شخصية معروفة في القارة الأوربية من خلال كتابه الشعبي الذي لاقى صيتاً واسعاً  وعنوانه هو ( سبع سنواتٍ في التبت Seven Years in Tibet ) . كتب هارير يقول الدالاي لاما : ” حتى في يومنا هذا لاينفكّ الناس يتحدّثون بأشياء عجيبة تشي بذكاء الدالاي لاما عندما كان صبياً يافعاً : يقولون مثلاً أنه كان يكتفي بقراءة أيّ كتاب مرة واحدة فحسب ليكون قادراً بعدها على إستظهاره ، وأنه أبدى منذ بواكير حياته ولعاً عجيباً بكلّ شؤون الدولة ، ولطالما إنتقد أو إمتدح قرارات الجمعية الوطنية ”  ، وقد بدأ الدالاي لاما عندما بلغ الخامسة عشرة بتقديم دروسه الدينية على الملأ .

                       رئيسُ دولةٍ في سنوات شبابه

 

   عندما كانت منطقة التبت مهدّدة من جانب الصين الشيوعية تحمّل الدالاي لاما على عاتقه عبء المسؤولية السياسية وهو لمّا يزل في السادسة عشرة بعدُ ، وقد سعى الرجل – على شاكلة سابقيه – لدمقرطة النظام التراتبي الثيوقراطي الصارم في التبت ؛ غير أنّ جهوده قوبلت بمقاومة عنيدة في خضمّ عملية الدمقرطة المبتغاة : سعى الدالاي لاما – مثلاً – لإلغاء مبدأ الديون المتوارثة التي جعلت العديد من العوائل التبتية تغرق في قعر محيط من الفقر المستديم الذي لانهاية له ، ولم يلقَ هذا المسعى من جانب الدالاي لاما قبولاً لدى الأقلية التبتية النخبوية التي تلبّسها شعور الخوف الطاغي من فقدان كلّ إمتيازاتها التي لطالما تنعّمت بها من قبل بسبب مسعى الدالاي لاما . بالإضافة لما سبق كان الدالاي لاما مسكوناً بفكرة الإلتزام النشيط والفعّال لمنظومة تعليم عامة . أما بالنسبة للسلطات الصينية فإنّ صورة الدالاي لاما بوصفه مُصلحاً راديكالياً لم تكن لتتّفق مع مفاهيمهم عن ” الإقطاعية ” التي أرادوا ( تحرير ) التبتيين منها .

    وجد الدالاي لاما نفسه بشكلٍ ما مدفوعاً – وإن بخطوات متعثّرة – في عالم السياسة وغدا شخصية سياسية بالضدّ من إرادته ، وسرعان مازادت السلطات الصينية من القيود المحدّدة المفروضة على الدالاي لاما في مخالفة صريحة للإستقلالية التي تعهّدت بضمانها له بادئ الأمر . ذهبت محاولات الدالاي لاما ( بالإشتراك مع بانشن لاما ) هباءً عندما حاول عام 1954 الدخول في سلسلة مفاوضات مع ( ماو زيدونغ ) و ( تشو إن لاي ) من حكومة بكين بشأن حرية منطقة التبت ، وفي عام 1956 إلتقى الدالاي لاما مع رئيس الوزراء ( الهندي ) البانديت نهرو في الهند ؛ لكنّ ماحصل هو أنّ الدالاي لاما أستقبِل بوصفه زعيماً دينياً فحسب ولم يلقّ أية مساعدة من جانب نهرو ، ومع تزايد السوء في أوضاع التبت على نحو متواتر تحت سيطرة الصينيين إختار الدالاي لاما الذهاب إلى المنفى الهندي عام 1959 برفقة مايقاربُ مائة ألفٍ من التبتيين الّذين آزروه في تأسيس حكومة منفى ، ومنذ ذلك التأريخ وحتى يومنا هذا صار الواجب الأعظم للدالاي لاما هو تسهيل الظروف أمام العديد من اللاجئين الذين إختاروا الإنضمام إلى قائدهم وإعادة الإستقرار في الهند .

   قدّم الدالاي لاما عام 1963 مسوّدة دستور سعى فيه لتسهيل الظروف الكفيلة بجعل التبتيين يُحكَمون بطريقة ديمقراطية في المستقبل ، أما العالم فقلّما تعامل مع حكومة المنفى التبتية في ذلك الوقت باستثناء ثلاثة قرارات غير مثمرة صدرت عن منظّمة الأمم المتّحدة ، وعلى غرار نهرو أستقبل الكثير من المسؤولين ورجالات الدولة الغربيين الدالاي لاما باعتباره زعيماً دينياً فحسب وليس رئيس دولة . لم يحصل بعد قبول جمهورية الصين الشعبية في منظّمة الأمم المتّحدة أن نوقشت المسألة التبتية يوماً حتى حلول عام 1991 ، وحتى في ذلك التأريخ كانت الإعتبارات الإقتصادية هي الكابحة لتلك النقاشات ؛ فقد تملّكت الدول الطامحة لإقامة علاقات عمل واسعة مع الصينيين الخشية من إثارة سخط الحكومة الصينية عند الإشارة إلى الإنتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان ( في منطقة التبت ) ، وقد تمكّنت الصين بادئ الأمر في مؤتمر حقوق الإنسان المنعقد في حزيران ( يونيو ) 1993 بمدينة فيينّا النمساوية من إستبعاد الدالاي لاما من حضور المؤتمر ، ولم يُرفع ذلك الحظر على مشاركة الدالاي لاما إلا بعد تدخّل وزير الخارجية النمساوي ( ألوي موك ) باعتباره رئيساً لمؤتمر الأمم المتحدة هذا .

   حصل بمناسبة ذكرى الزيارة الثانية والعشرين للدالاي لاما إلى ألمانيا عام 1999 أن إستقبله وزير الخارجية الألماني ( آنذاك ) يوشكا فيشر وكذلك وزير الداخلية أوتو شيلي ، وخلال كلّ زياراته تلك سعى  الدالاي لاما لبلوغ حلّ مقبول ثنائياً – من جانب الصينيين والتبتيين -للقضية التبتية مع حكومة بكين وعلى أساس الإستقلال الثقافي الحقيقي لمنطقة التبت ، وقد أعلنت الحكومة الألمانية الفيدرالية بشكل لالبس فيه أنها لاتدعم إستقلال التبت وتؤازر سياسة ( الصين الواحدة ) .

   ألقى غياب الدالاي لاما بظلاله الكثيفة على ( قمّة العالم الألفية ) المنعقدة في مدينة نيويورك في آب ( أغسطس ) عام 2000 – ذلك الغياب الذي تسبّب عن ضغوط حكومة الصين الشعبية ، وقد إجتمع في قمّة الألفية تلك أكثر من ألفٍ من القادة الروحيين من مختلف الأديان على مدى أيام أربعة لمناقشة قضايا تخصّ السلام العالمي ، وسعى هؤلاء القادة لتخفيف وطأة النزاعات المرتبطة بالعقائد والأديان وكذلك لإظهار إلتزامهم الراسخ بالسلام العالمي ، وحماية البيئة ، ومكافحة الفقر . إقترح منظّمو مؤتمر الألفية هذا – في بادرة تنمّ عن رغبة لبلوغ حلول توفيقية وسطية – نقل وقائع الجزء الثاني من المؤتمر إلى فندق ( والدورف أستوريا ) الشهير وسط نيويورك ، وكان الدالاي لاما قد دُعِي لإلقاء الكلمة الختامية في ذلك المؤتمر ؛ ولكن برغم ذلك رفض الزعيم التبتيّ هذه الدعوة مع تصريح رسمي من جانبه يفيد بأنه لم يرغب يوماً أن يكون مصدر خلافات تترتّب عليها تنافرات وخصومات غير محمودة .

   حصل عام 1990 أن إستقبل الوزير ( ثمّ الرئيس لاحقاً ) التشيكوسلوفاكي – آنذاك – فاكلاف هافل الدالاي لاما عقب إستقباله كلّاً من البابا والرئيس المكسيكي كارلوس سانتوس ، وكان ذلك الإستقبال إشارة لاتقبل الخطأ في أنّ الدالاي لاما عُدّ رئيس دولة ، وهنا بدا أنّ الجليد آخذ في الإنحسار شيئاً فشيئاً . أعقب هذا اللقاء عام 1991 زيارات قام بها الدالاي لاما لكلّ من جورج بوش ( الأب ، المترجمة ) ، ورئيس الوزراء البريطاني جون ميجور ، ورئيسة الوزراء النرويجية غرو هارلم برونتلاند ، ثمّ زار الدالاي لاما لاحقاً كلاً من بل كلنتون وتوماس كليستل عام 1993 ونيلسون مانديلا عام 1996 ، وفي عام 1998 كان الدالاي لاما وسط قصر الأليزيه بمعية جاك شيراك وليونيل جوسبان . في سياق إلتزامه الأخلاقي والمصيري – الذي لايعرف الخذلان أو الإستكانة – بقضية التبت ترحّل الدالاي لاما بين ماينوف على الإثنتين وخمسين دولة ، وإلى جانب حصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1989 تلقّى الدالاي لاما تكريمات مميزة فيما لايقلّ عن ستّ وخمسين مناسبة منذ عام 1957 ، وسبق لقداسته أن إعتمر قبّعة الدكتوراه الفخرية ستّاً وعشرين مرّة ، وهو يحمل  مرتبة الأستاذية الفخرية في إثنتين من الجامعات الروسية ، وقد كتب أكثر من خمسين كتاباً حتى يومنا هذا .

   لكن برغم كلّ ذلك لم تعترف أية دولة في العالم بحكومة الدالاي لاما حتى الآن** ، وعلى العموم فإنّ مؤسسة الدالاي لاما وتعاليمه صارت موضع حجاجات إشكالية بين التبتيين أنفسهم في يومنا هذا ؛ إذ على سبيل المثال فحسب يكتب ( باي هويتزي ) في مجلة التبتيين المنفيين الموسومة Lungta ( العدد 7 ، الصفحة 24 ) قائلاً أنّ السلوك القائم على التكريس الكامل من جانب الكثرة الكاثرة من التبتيين تجاه شخص الدالاي لاما يجعل ” عملية الدمقرطة ” مكتنفة بصعوبات جمّة من جانب المجتمع التبتيّ المنفي الذي لايزال أفراده يرون في الدالاي لاما السيّد الذي لانزاع أو خلاف عليه أو على أفعاله كيفما كانت وإلى حدّ بدا معه أنّ من يختار إنتقاد الزعيم الروحي فكأنّه يضمر القول بأنّه في مستوى روحي أرفع من مقام الزعيم !! ؛ لكنّ الحقّ هو أنّ الدالاي لاما ذاته لايزال مأسوراً بمقيّدات التقاليد المعبدية التبتية التي لايريد وضعها موضع المساءلة . تبقى هذه الأصوات المناوئة لطريقة الدالاي لاما في التعاطي مع مسألة الحكم والديمقراطية محض أصوات فردية معدودة بين التبتيين الذين  يعيشون في المنفى خارج منطقة التبت .

*  ديانة بون Bon Religion ( وتُكتب أيضاً Bön ) : ديانة تبتية يصعب تمييزها عن البوذية التبتية من حيث مبادؤها وطقوسها ؛ لكنها تتمايز عنها من حيث تأريخها وزعاماتها الدينية ، الأمر الذي دفع أتباعها لاعتبارها ديناً مختلفاً عن البوذية ساد منطقة التبت قبل أن تنال البوذية وصف العقيدة السائدة في التبت لاحقاً . ( المترجمة )

**   أواسط تسعينيات القرن الماضي وهو وقت نشر هذا الكتاب ، ولم يتطوّر الحال بعد ذلك حتى هذا اليوم .  ( المترجمة )

__________
*المصدر: المدى

 

 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *