الرئيسية / إضاءات / هل الروايةُ نوعٌ من الغِش الثقافي

هل الروايةُ نوعٌ من الغِش الثقافي

*عبد الدائم السلامي

متى نظرنا في مسار الرواية العربية قلنا إنها استفادت، أو يبدو أنها استفادت، من مسار الرواية الغربية، فاختصرت في مسيرتها القصيرة كل تاريخ الرواية الغربية فنيا (الحداثة وما بعد الحداثة)، ولكن استفادتَها تلك ظلت في أغلب ما تُنبئ به تفاصيلُ حضورها بين الناس مغشوشةً: فلا يكتبها الكاتبُ لذاتها الفنية ولأدوارها الحضارية، وإنما يكتبها لذاته الشرهة: أعني يكتبها وهو يحلم بالجائزة وما يتبعها من «نهبٍ» رمزي. ومن ثَم فهي لم تتصير بعدُ وطنًا للكاتبِ بالمعنيَين الإتيقي والجمالي، وهو ما يُخشى معه أن تظل كتابتها المتناميةُ بيننا ساكنةً خانة «الغِش» الثقافي، لنيل المكافآت مثلها مثل باقي أنواع الغِش السياسي والاقتصادي والاجتماعي والقِيَمي المستشرية في راهننا العربي.
وهذا الأمرُ لا يمنع من القول إن الانفجار الروائي العربي – رغم ما في لفظة انفجار من إيحاءات كابوسيةِ – أحدث إضاءاتٍ خلال ما يزيد عن نصف قرنٍ، ولكنها إضاءاتٌ وقتيةٌ لم تُعمر طويلا، أعني أنها محاولات قليلة وخاطفة لم تترك لها أسلافًا، سواء في تجربة الروائي الواحد ذاته أو في تجربة جيل من أجيال الروائيين، وقد يكون في هذا الأمر ما يفسرُ سر جمالها، وسر اتصافها بالحالة الإبداعية، فالجميل نادر دومًا، عزيزٌ ولا يتكرر إلا بسُلطانِ خيالٍ فذ، والخيال الفذ لا يظهر عربيا، أو هكذا يبدو لي، إلا بالسهر والعزلة والحُمى وشُح المحبات.
وفي هذا الشأن لا أعدمُ وجودَ روايات ناضجة في معمارها الفني وفي دَلالاتها الثيمية (ويبدو أنها لم تنل حظوة لدى النقاد ولجان تحكيم الجوائز بسبب نضجها الفني)، وهي إذْ تضيءُ لحظتَها تكشف للقارئ عَتَمةَ واقعه، وتُقدم له إرسالياتٍ مُكثفةً عن معيشه النفسي والاجتماعي والوطني، وتدُله، في أحيان كثيرة، على سبيله إلى الخروج من المأزق الذي يعيش.
بقيَ أن الرواية الناضجة ظلت فعلاً نادرَ الحدوثِ، ولم تُشكل ظاهرةً اجتماعية، هذا إذا احتكمنا إلى مسألة العُمومية في تعريف الظاهرة. وفي المقابل، فإن الإقبالَ على كتابة الرواية هو ما شكل الآن الظاهرة الاجتماعية الأكثر جلاءً في مشهدنا الإبداعي، ولا شك في أن حداثة عهد الرواية في مشهدنا الإبداعي، وضخامة مقادير الجوائز قد خلقتَا لدى الناس جوعا إلى كتابة الرواية، سواء أكانوا روائيين مُكرسين أم جدُدًا، حيث ظهرت موجة من التدافع على كتابة الرواية كبيرة، بدون الاهتمام بشروطها الفنية (ولا حتى بالجرأة على تحطيم تلك الشروط وخلق أخرى مكانها قادرة على تحقيق أدبية الرواية ذاتها). ومن نتائج ذلك أنْ هجر الشعراءُ قصائدهم ولاذوا بالرواية مَطية للأَعْطِيات، التي مازالت حلاوتُها تطرُق لسانَ لاوعيِ ثقافتنا الأدبية. وعلى غرار هجرة الشعراء هَجَرَ الدعاةُ منصاتهم الفقهية وراحوا يكتبون الرواية (ومثالنا هنا الداعية الشيخ عمرو خالد الذي كتب رواية بعنوان بَهِيم هو «رافي بركات وسر الرمال الغامضة»)، كما أهمل الجامعيون مدرجات الجامعة، أو هي أهملتهم، وراحوا يخبطون خبط أعمى في «مجاهل» الكتابة الروائية متناسين أن حجمَ الخوف لديهم من كل جديد، جعل أخيلتَهم خاسئةً وهي حسيرةٍ. ومثلهم هجر الموظفون الحكوميون مكاتبهم وظلوا يقومون لياليهم وبعضا من نهاراتهم يتدبرون حَدَثًا يلوكونَه لَوْكًا حتى يلينَ ويكون لهم رواية مسكونة بالدعاء الخفي إلى الله، كي يحفز إحدى دور النشر لأنْ تطبعَها ثم تُرشحَها لجائزة من جوائزنا العربية، التي هي من جوائز العالَم الأدبية (عدا جائزة نوبل) من «أنداها راحةً وأبرحَها ساحةً». وهذا في رأيي ما جعل كُتاب الرواية يَشْقَوْن شقاءَيْن: شقاء كتابتها، وشقاء البحث عن علائق لهم يستثمرونها سبيلاً إلى الفوز بالجائزة فتحقق لهم جاهًا وإرفاهًا. وبالإجمال يجوز لي القول إن ضخامة عائدات الجوائز المادية والمعنوية حولت الرواية العربية من ظاهرة إبداعية إلى ظاهرة جوع جوائزي، وهذا ذاته ما يمثل الآن ظاهرة اجتماعية.
_________
*القدس العربي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *