الرئيسية / إضاءات / الطريق إلى السعادة: تأملات فتاة في فلسفة الحياة

الطريق إلى السعادة: تأملات فتاة في فلسفة الحياة

خاص- ثقافات

*لطيفة كريم

كلنا نبحث عن السعادة، عن الشيء الذي سيكون منبع سعادتنا، كلنا نبحث عن عالم بعنوان: “مرحبا يا سعداء في عالم السعادة”.[1] جميل أن يكون للإنسان طموح مثل هذا، ولكن الإشكالية هي: هل السعادة كما نتمثلها ونتصورها تستمر عندما نصل إليها، أم أننا نتذوق طعمها (بفتح الطاء أو ضمها، الأمران سيان ها هنا) وتمضي بلا رجعة؟ نعم، هذا ما يحصل دوما، فهي تأتي وتذهب، ويبقى لسان حالنا يقول: جاءت السعادة وذقنا لذتها، لكنها تركتنا كقطعة خردة على مختلف الأصعدة.

سعادتي كانت محصورة بين ثلاثة أمور، الأولى منهم والثانية، كنت أبكي من أجلهما، أتفاءل وأتألم وأصبر، أبحث عن قطعة فضة لأجل منها قطعة ذهب، ولكن دون جدوى.

سبب ذلك أننا محاطون بأشخاص يجعلون من سعادتنا تتحول إلى سعادتهم، حيث تتبخر أمنياتنا وسعادتنا لتصير مجرد وهم، ورغم كل ذلك ما زلت أتفاءل رغم كل هذا، فما الحياة إلا صراع وتنافس من أجل الاعتراف، الاعتراف بنا وبأحقيتنا في أن نكون ما نشاء، لا ما يريده آخرون.

أما الثالثة فهي واحدة من سابع المستحيلات، وأقصد ها هنا أن تسعى إلى إرضاء جميع الناس، ونيل رضا قلوبهم، ولكن هيهات أن تكون أنت هو أنت في أعين جميع الناس، فرضاهم غاية لا تدرك، ومن جعل سعادته رهينة هذا المبتغى ستكون كذلك غاية نسعى إليها دوما دون أن ندركها.

رغم كل الآمال والآلام، لا بد أن نقول أن أسوأ ما يمكن أن يصيب الشخص، هو أن يفقد شغفه بالحياة، أن يتحول إلى دمية ساكنة، لا تجادل ولا تناقش ولا تسأل. شخص يتعايش مع الحياة بانهزامية مفرطة، وكأنه ظل يخوض معركة خاسرة مند البداية لوحده حتى خارت قواه واستسلم تماما.

إن أسوأ ما يمكن أن يصيب الشخص هو أن يستيقظ صباحا منتظرا نهاية اليوم بفارغ الصبر، دون تخطيط لما سيفعله، دون برنامج عمل ومهام ينتظر القيام بها، لا يتقرب ولا ينتظر أحدا. حيث تطوي الدقائق الوقت والتاريخ، غير آبه بتأخر عن موعد أو بعدم الذهاب إليه أساسا.

أسوأ ما يمكن أن يصيب شخصا هو أن يكف عن طلب السعادة، أن يصمت فترة طويلة متجنبا المعاتبات والمناقشات لأنه فقد القدرة على التبرير والشرح، غير منتظر من أي شخص آخر التماس عذر له… أن يأكل ليواصل يومه المجبر على عيش دقائقه وساعاته، أن ينام دون أن يفكر فيما يمكن أن يقوم به غدا.

إن السعادة تدرك بأن لا تدرك، فالوصول إليها جمود وتوقف، وعدم طلبها كذلك جمود وتوقف، من ثمة كانت السعادة الحقيقة غير ما نتمثله، إن السعادة تكمن في طلب السعادة دون أن يكون لهذا الطلب نهاية، فبه نُقبل على الحياة ونعيشها كما ينبغي أن تعاش. السعادة لا مكان لها، وطريقها مليء بالآلام والشقاء والاجتهاد والتفاؤل.

إن الإنسان إذا تحرك بلا هدف وبلا إستراتيجية واضحة، وبلا خطة مدروسة، وبغير إطار زمني ليحقق ذلك، هو في الحقيقة لا يوجد إلى كرقم أو كجسد بلا روح. فإن لم تكن للإنسان رغبة، لن يكون لديه طموح، وإذا لم يكن له طموح لن يكون لديه أمل، ومن فقد الأمل فقد السعادة.

إن الأمل هو أسمى ما يحتاجه الإنسان، لكي لا تفقد الحياة معناها وتصير شبيهة بالممات، وعندما يحصل ذلك يفقد الإنسان كل شيء، يفقد هويته الذاتية، وجذوره الشخصية، والثقة بالنفس.

فاقد الأمل يفقد التقدير الذاتي، والتحقق الذاتي، والإدراك والغة والتفكير والإحساس والقدرة على الفعل والسلوك. فتغدوا الابتسامة زائفة، والحياة خداعا.

لذلك نقول أن من أراد تغيير الواقع عليه أولا أن يغير طريقة تفكيره في الواقع، فكل ما هو واقعي عقلي على حد تعبير الفيلسوف الألماني فردريك هيغل،[2] فالفكر هو المسؤول عن بناء الواقع، أولم يقل الله تعالى “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.[3]

لن يتغير قدر الإنسان إذن، لن تتغير تعاسته المتوهمة، ولا معاناته المعاشة، ولا قلقه وخوفه من المستقبل، ولا سلوكه، ولا نتائجه، ولا واقعه، إلا بعد أن تتغير طريقة رؤيته للواقع، فالعالم الداخلي منبع العالم الخارجي والمتحكم في ملامحه.

ليس على الإنسان أن يُهزم داخليا، فبضدها تدرك الأشياء على حد تعبير فيلسوف التغير هيراقليطس،[4] وليس على الإنسان أن يختفي وراء مقولة “لست محظوظا”، فلا وجود للحظ لا في دين ولا في علم، ولا في فلسفة الحياة، هنالك عزم وتصميم، إصرار واختيار، قرار وتنفيذ، انضباط ومسؤولية، هنالك إنسان يوجد أولا ثم يسعى إلى تحقيق ماهيته على حد تعبير زعيم الفلسفة الوجودية جون بول سارتر.[5] تحرك إذن وافتح الأبواب، فاليوم الذي يمضى لن يعود لكي تعيشه من جديد، فإما أن يكون لك أو عليك.

[1]  تحدث الفلاسفة كثيرا عن اختلاف تمثلات الناس للسعادة، فهذا أرسطو طاليس على سبيل المثال في كتابه “الأخلاق إلى نيقوماخ” يؤكد أن عامة الناس يرونها في أمور مختلفة، فالمريض يراها في الصحة، والفقير يراها في الغنى، والسياسيون يرونها في التشريفات والأوسمة والفلاسفة يرونها في الحياة العقلية لا البدنية.

[2]  فيلسوف ألماني ينتمي إلى مرحلة الفلسفة الحديثة، من أبرز مؤلفاته : كتاب “فينومينولوجيا الروح”، وكتاب “أصول فلسفة الحق”.

[3]  القرآن الكريم، سورة الرعد، الآية 11.

[4]  فيلسوف يوناني ينتمي إلى مرحلة ما قبل سقراط، اشتهر بتقديره للأضداد، فهو القائل “إن الطريق الذي يؤدي إلى أعلى هو الذي يؤدي إلى أسفل”، والقائل “الموت حياة تتلاشى والحياة موت يزول”، ويقصد أن الحياة بدون الشيء وضده لا معنى  لها، فنحن لا نحس بالراحة إلا إذا تعبنا.

[5]  فيلسوف فرنسي معاصر، يعتبر من أبرز رواد المدرسة الوجودية، من أشهر مؤلفاته الفلسفية “الوجود والعدم” و “الوجودية كنزعة إنسانية”، اهتم كذلك بالكتابة المسرحية والأدبية وله في ذلك “الغثيان”.

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *