الرئيسية / نصوص / فـضاء

فـضاء

خاص- ثقافات

*محمود شقير

تذهب ومعها الطفل إلى السوق.

بعد ساعة من الوقوف أمام المرآة، تغلق باب البيت وتمضي، غير آبهة لنظرات الجارات المتلصّصات من خلف النوافذ. تمضي وفستانها ينسدل على جسدها بدقّة متناهية وانسجام. اعتادت أن تنظر بسخرية لكل امرأة تخرج من بيتها، وفستانها مشدود على بطنها من أمام، وفي الوقت نفسه يبدو مترهلاً خلف ساقيها، على وشك أن يلامس كعبيها. مثل أولئك النسوة في مثل تلك الحالة يظهرن لها كأنهن قادمات من بحيرات للبؤس لا حصر لها.

أكثر شيء ينغّص عليها متعة الظهور في الشارع أو في السوق، أن تختل النسب الدقيقة التي تحكم المسافة بين نهاية فستانها، والدانتيلا المدروزة على المحيط السفلي لقميصها الداخلي. هي لا تطيق أن تجعل القميص الداخلي مشمرًا إلى ما فوق ركبتيها، بحيث ينحسر أكثر مما ينبغي بعيداً عن أعلى صابونة الركبة، وذلك ما تفعله نسوة حذرات، يخشين من تهدّل مفاجئ للقميص الداخلي، ما يجعله عرضة للتسيب من تحت الفستان، ولا تحب التشبّه بالنسوة اللواتي يتعمّدن إظهار الدانتيلا وجزء من قماش القميص الداخلي الشفاف، ما يجعل المشهد كله مثيراً للتوقعات. لذلك كله، تطيل الوقوف أمام المرآة، ثم تخرج معتدّة بجمالها وبأناقتها إلى السوق، ومعها الطفل تقوده من يده، فلا يلتفت إليها، إنما هو منشغل عنها في مراقبة كل ما تقع عليه عيناه من بشر وأشياء.

تتجوّل في السوق عدة ساعات، تشتري شيئاً من هنا، وشيئاً آخر من هناك، تتنقّل من حانوت إلى آخر وهي مفتونة بما يتسرّب إلى أذنيها من كلمات إطراء، يتلفّظ بها مراهقون متنمّرون، أو رجال جاوزوا سن الشباب، لكنهم يتشبثون بوقار زائف، لا يلبث أن يتكشّف على حقيقته عند أقلّ احتكاك، وتظل كذلك إلى أن تقترب الساعة التي يعود فيها زوجها موظّف الحسابات من وظيفته، تعود إلى البيت لكي تطبخ طعام الغداء على عجل، لكنها منذ لحظة دخولها البيت، وقبل أن تفعل أي شيء آخر، تسارع إلى غرفة نومها، تتأمّل نفسها في المرآة، تتأمل فستانها الذي ظل محافظاً على النسبة الدقيقة بينه وبين قميصها الداخلي، الذي لم ينكشف للحظة واحدة في فضاء السوق.

يوم أمس، عادت مرتبكة إلى البيت، بعد أن التقتها الجارة النمّامة صدفة وهي خارجة من أحد حوانيت القماش، دون أن يكون الطفل معها، (كان يرافقها في الطريق إلى السوق، فأين اختفى، أو أين أبعدته؟) وقميصها الداخلي ينـزلق بما لا يقل عن ثلاثة سنتيمترات أسفل فستانها ذي اللون الزهري الرشيق. لن تصدّق الجارة بعد أن عثرت على مادّة خصبة للحديث، أن المرأة دخلت الحانوت لشراء فستان، وأن الطفل كان في تلك الأثناء يجلس عند خبيرة التجميل في المحل المجاور، يحتسي عصير البرتقال، وينتظر عودة أمه التي خلعت فستانها القديم لتجرّب آخر جديداً. (فيما كانت تخلع فستانها انحسر قميصها الداخلي إلى أعلى. رأت البائع في اللحظة نفسها، يطل برأسه من طرف الستارة، متظاهراً بأنه يريد الاطمئنان إلى أن كل شيء على ما يرام. صدّته بنظرة حازمة فابتعد. جرّبت الفستان الجديد بسرعة وهي ترتعد، ثم خرجت إلى فضاء السوق يداهمها إحساس غريب: بدت مرئيّة أكثر مما ينبغي، ولم تكن الستارة منيعة مثلما يجب) حدث هذا والجارة النمّامة تلوب، أثناء ذلك، على مقربة من المكان. وجسد المرأة يختلج، على نحو غامض، كلما جرّبت فستاناً وراء ستارة من أيّ نوع كان.

____________

*روائي وقاص فلسطيني / من مجموعة “صورة شاكيرا” (2003).

شاهد أيضاً

القضية..فلسطين / إلى..عهد التميمي

خاص- ثقافات *محمد الزهراوي دجَّنوهاǃ؟ ألا ترَوْن؟.. بيْضاءُ هذِه الفْرَسُ فِي الرّيحِ وأنا الشّاعِرُ.. مهْمومٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *