الرئيسية / خبر رئيسي / أطياف بختي بن عودة واستراتيجياته في المحاورة التفكيكية للخطابات

أطياف بختي بن عودة واستراتيجياته في المحاورة التفكيكية للخطابات

خاص- ثقافات

* د. نبيل محمد صغير

 

رحل عنا المفكر والناقد الجزائري بختي بن عودة يوم 22 ماي 1995 تاركًا لنا مشروعه النقدي في التفكيكِ ومحاورةِ العالم؛ هذا المشروع الذي سعى من خلاله إلى قراءة الخطابات الإنسانية والأحداث التاريخية قراءة مغايرة ومفارقة للقراءات اليقينية التي طُبِعت بها. فأعاد الحفر في عدّة مشاريع من بينها، مشروع الكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي؛ هذا المبدعُ الذي أنصت للثورة الجزائرية وكتب عنها باسم مستعار في جريدة المجاهد، حين ينتبه إلى تميّزها ونموذجيتها، ويطرح سؤال الحدث وكونيته، وسؤال الجمال والإستيطيقا (ينظر: بختي بن عودة، ظاهرة الكتابة في النقد الجديد، ص 254) فكانت  الثورة الجزائرية حسب بختي بن عودة مدونة جمالية وفنية، ونصا أدبيا حاول الخطيبي من خلاله فهم أبعاده الكونية ومقوماته الإنسانية، وسعى بختي بن عودة بدوره إلى الحفــــر المزدوج، في طريقة قراءة الخطيبي لثورة الجزائري، بوصفها نصا أدبيا، من منظور فلسفي إبداعي، فرأى بختي أن الخطيبي يفضل الاختصار في الطرح والقراءات الشذرية أو ما يسميها بالالتمعات، فيرصد بريق الموضوع من سطحه وعمقه، فالحديث عن الثورة برؤية فلسفية جاء ليؤكد إمكانية تصور الحرب جماليا، وقدرة الإنسان على التركيز على سمات معينة فيها، دون أخرى. أما اللجوء إلى الاسم المستعار فهو دلالة على البعد الكوني، فهو يستعير الآخر  ويستحضره ليجعله يكتب عن الثورة الجزائرية، كأنّ العالم كله يكتب عنها ويشيد ببعدها الهيوماني.

مشروع بختي بن عودة هو مشروع في نقد النقد، أو بالأحرى نقد الفكــر؛ فهو لا ينطلق من عدم/ فراغ، بل يفضل الاشتغال على نصوص وكتابات وشذرات لكتاب ومفكرين متنوعين، من بينهم: دريدا وموريس بلانشو، وهيدجر، إضافة إلى الخطيبي الذي شغل حيّزا كبيرا من طموحاته الفكرية التي كانت ترغب في بناء ثقافة مغربية واحدة تساير الثقافة الكونية. لهذا السبب كان الخطيبي بالنسبة لبختي بن عودة النافذة المعرفية والفلسفية التي يطلُّ من خلالها على رواد الفكر والنقد العالمي، فقرأ من خلاله أطروحات النقد النفسي عند فرويد ولاكان ودريدا. ووصل بختي بن عودة في سياق الاشتغال بالطرح النفسي إلى مسالة في غاية الاهمية وهي تتعلق ببناء الخطاب الذي لا يتم عبر مستوياته اللسانية فقط، بل أيضا عبر باتوسيات المتلقين، وأيروسيات طبقة أخرى من القرّاء والمؤوّلين لوحدات النص ورموزه التي تزرع فيه، لتخصب دلالات وإيحاءات صعبة الحصر في فضاءات العقل الضيق.

إنّ فضاءات العقل دائما تميل إلى الحصر والتنميط بسبب السلطة اللوغوسية التي تسكنه، لكن بختي بن عودة استطاع الهرب فارا من هذه السلطات، ليقرأ النصوص بوصفها عوالمًا ممكنةً لا تشابه حتمي بينها، (فلا تشابه بين النصوص سوى في درجة التوتر. بن عودة : ظاهرة الكتابة، ص 31) هذا التوتر الذي يولد مخيالات متنوعة ويستدعي تأويلات متباينةً تباينَ قرّاء ذلك التوتّر.

وقد كان بختي بن عودة مع التوتّر الجمالي ضدَّ التوتر التغليطي الذي يهدف إلى مخادعة الآخر، لهذا وقف على آليات واستراتيجيات حدوث هذا التوتر داخل الخطاب الذي يُنتجُ في المنابر الثقافية، ليكشف كيف ينحرف من مقاصده المعرفية إلى مقاصد توهيمية وتضليلية، لتصبح محاكم أو مجالس شيوخ، وهذا ما يجعل بختي أثناء قراءته للمشهد السياسي الجزائري من خلال خطابات أحزابه يؤكد على الحالة الثقافية، التي تميزت باليتم والشتات والهشاشة (ينظر: بختي بن عودة، رنين الحداثة، ص 38،39)؛ هذه الخطابات التي تتنكر وراء بلاغات شعبوية تحاول إيهام الآخر وإشغاله بالموضوعات والأيقونات التي يعتبرها مقدسة، كالوطنية والشهداء والثورة والدين، لصالح أغراض براغماتية.

تفطن بختي بن عودة مبكرًا إلى سطوة هذه السرديات الكبرى وحاول التخلص منها لصالح خطاب عقلاني ذكي، لا يلجأ إلى اللعب على عواطف المتلقين بقدر ما يسعى إلى بناء آليات تأويلية وتواصلية متنوعة تجعل المجتمع متحضرا في فهم علاقاته الداخلية وعلاقاته بالعالم ككل.

كان هذا الناقد التفكيكي الجزائري محاورا حصيفا للنصوص؛ فلا يقنع بالسطحي فيها بل يغوص داخلها لتبيان العلاقات الوثيقة النسقية، وكذلك الطيفية الرابطة بينها، لهذا نجده في كثير من كتاباته يربط بين أطياف فرويد ونيتشه وجان لاكان، وهيدجر ودريدا والخطيبي في قراءة حفرية موسوعية تسعى لرصد الأصوات المختلفة الناطقة داخل نصوص هؤلاء، وإمكانات التفتق لدلالات وأفهام جديدة لا نهائية. فالقراءة التفكيكية من منظوره هي محاورة النصوص في أعماقها، لهذا تشترط المعرفة المركبة والمتنوعة والعقل المضاد الذي لا يركن إلى الدوغمائيات، والمنهجيات الشمولية التي تقتل دلالة النصوص/ العالم في كثير من الأحيان، بدل إحيائها.

ولهذا فإنّ نقد النقد أو ما يسميه بختي بن عودة بالمحاورة الذكية للنصوص ليس خطابيا تكميليا/ ثانويا، كما أنّه ليس سلطانا على النصوص. بل هو قراءة ثانية تتغيا الانتباه لثغرات النص ومنسياته والمسكوتات عنه، لهذا يقترح بختي استعارة مصطلح الطبقات الجيولوجية من علم الجيولوجيا إلى ميدان قراءة النصوص والخطابات، من أجل قراءة ذكية تبحث في عمق المعنى وانثناءاته وتعرجاته، بدل البحث عن المعنى المتمركز منطقيا.

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *