الرئيسية / إضاءات / نزهة فلسفية في غابة الأدب (8)

نزهة فلسفية في غابة الأدب (8)

 

  * ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

حوارية بين الروائية – الفيلسوفة آيريس مردوح

                          والفيلسوف بريان ماغي

    العلاقة بين الفلسفة والأدب علاقة وثقى نشهدها في التضمينات الفلسفية في الكثير من المنتجات الأدبية لبعض أعاظم الكُتّاب ، ونعرف أنّ بعض الكتّاب كانوا أنفسهم فلاسفة محترفين ، والأمثلة في ذلك كثيرة ؛ غير أن طبيعة العلاقة وحدودها بين الأدب والفلسفة ظلّت حقلاً إشكالياً منذ العصر الإغريقي وحتى عصرنا هذا .

     يسرّني أن أقدّم في هذا القسم – وبضعة أقسام لاحقة – ترجمة للحوارية الرائعة عن طبيعة العلاقة بين الأدب والفلسفة والتي عقدها الفيلسوف البريطاني الشهير ( بريان ماغي Bryan Magee ) مع الروائية – الفيلسوفة الراحلة ( آيريس مردوخ Iris Murdoch ) ، وقد سبق لي تناول جوانب من فكر هذه الفيلسوفة المميزة في حوار سابق منشور في المدى ؛ أما بالنسبة إلى  ( بريان ماغي )  فهو فيلسوف ، وسياسي ، وشاعر ، وكاتب ، ومقدّم برامج بريطاني ولِد عام 1930 ويُعرَف عنه مساهماته الكبيرة في ميدان تقديم الفلسفة إلى العامّة وجعلها مادة تحظى بالمتابعة الجماهيرية القوية ، وهو صاحب مؤلفات كثيرة في هذا الميدان .

   أذيعت هذه الحوارية على البرنامج الثقافي للتلفزيون البريطاني عام 1978 .

                                                              المترجمة

ماغي : البنيوية – كما ذكرتِ – نشأت في مبحث علم اللغة ، ويمكن إيضاح الأمر على النحو التالي : نحن نتواصل فيما بيننا من خلال تراكيب جُملية تحتوي الواحدة منها على عدد قليل نسبياً من الألفاظ ؛ لكنّ فهم الآخرين لنا لايستوجب معرفتهم بتلك الألفاظ فحسب بل يتوجّب عليهم أن يكونوا على دراية بالنسق اللغوي بعامة ، واللغة المقصودة في حالتنا هي اللغة الإنكليزية بالطبع . تعبّر هذه الرؤية البنيوية عن ردّة فعلٍ لفكرة ظهرت في القرن التاسع عشر – بنتيجة تطوّرالعلم حينذاك – مفادها أنّ الفهم يتطلّب عزل الظاهرة موضوعة البحث وفحصها برؤية دقيقة مكبّرة ، والبنيوية في المقابل تؤكّد أنّ الفهم الحقيقي لأية ظاهرة إنّما يكون من خلال ربطها بهياكل بنيوية أكبر من تلك الظاهرة ، وواقع الحال أنّ فكرة الفهم ذاتها تنطوي على تشكيل علاقة بين الأشياء من جهة والهياكل البنيوية من جهة أخرى . إنّ تطبيق مذهب البنيوية على الأدب نشأ عنه رؤية كلّ نصّ أدبي بوصفه نسقاً بنيوياً من السلاسل اللفظية .

مردوخ : نعم ، يكشف المذهب البنيوي عن وعي ذاتي شغوف باللغة بانت ملامحه في الأدب منذ عهد مالارميه ، ووجد هذا المذهب تعبيراً له كذلك في فلسفة اللغة ، وبمقدور المرء أن يقول بملء فمه أنّ فتغنشتاين كان بنيوياً ؛ فهو يقرّر في أحد مواضع كتاباته أنّ ( ماتخفق العلامة في التعبير عنه ينكشف عند وضع العلامة موضع التطبيق ) . إنّ معظم مكوّنات مذهب البنيوية لم تكن جديدة ؛ إذ نشهد أصولها الأدبية والفلسفية عند مناصري الظاهراتية والسرياليين فضلا  عن سارتر ذاته ، وعلى هذا الأساس فالمذهب البنيوي لايمثّل رؤية موحّدة . نتج التغيّر الذي طال الوعي  الذي إنشغل به الصوريون كثيراً عن كوننا بتنا نعي أنفسنا بوصفنا كائناتٍ تستعمل العلامات وتشكّل هيكل العالم حولها ونفسها كذلك عبر نشاط قائم على إضفاء المعنى على الملفوظات البشرية . هذا مثالٌ للإفتراض الفلسفي أو شبه الفلسفيّ الذي بمُستطاعه التأثير في الأدب تماماً بالكيفية ذاتها التي أثّرت من خلالها المفترضات الفلسفية في النتاج الأدبي . إنّه نوعٌ من المثالية الأدبية أو من أحادية النظرة الأدبية : الصوريّون يسعون لعلاجنا من داء ( الأخدوعة الواقعية ) التي تجعلنا نثق بقدرتنا على النظر إلى عالمٍ مفارق ( ترانسندانتالي باللغة الفلسفية ) من خلال وساطة اللغة ؛ لكن المعضلة هي إذا كانت اللغة تشكّل جوهر العالم فلن يكون بمقدورها الإشارة إليه . يتوجّب على الكاتب دوماً أن لاتفوته حقيقة أنه يعيش ويتحرّك في ” عالمٍ ذي مغزى ” ، وألّا يعتقد بإمكانية مروره في ذلك العالم أو زحفه تحت شبكة العلامات فحسب . زجّ المذهب البنيوي كثيراً من الصوريين في هجوم ضارٍ على الرواية الواقعية والأدب الواقعي بعامة الذي يعتبر اللغة وسيطاً شفافاً للتعامل مع العالم ، وذهب هؤلاء الصوريون إلى أنّ الحكاية الكلاسيكية ، والموضوع الكلاسيكي ، والنفس الكلاسيكية كلها بدوافعها الصلبة حادة التكوين والمعالم هي محض كليات زائفة عمل سوء فهم اللغة على تشكيلها . ترجع فكرة كون النفس ليست وحدة كلية واحدة إلى هيوم ، وفكرة كون اللغة خطأً جوهرياً أولياً إلى أفلاطون ، وقد شغل بعض مُتعاطي الحرفة الأدبية أنفسهم منذ نشأة الحركة الرومانسية بمثل هذه الأفكار وعلى نحوٍ تدريجي ، وتمادوا في ملاعبتها بأشكال عدّة ، والصورية Imagism من جانبها هي أحدث محاولة منظّمة لوصف وتفسير ماصار اليوم ظاهرة متجانسة معترفاً بها . لابدّ أنّ هذه المحاولة من جانب الصوريين ذات قيمة وباعثة على دهشة كبيرة ؛ لكنّي أجد من جانبي في مناخات الصوريين ومصطلحاتهم المتداولة قصوراً بالغاً ، والحقّ أنني أعتقد أنّ التغيّر الأدبيّ صيرورة أكثر غموضاً وأقلّ تواشجاً في حلقاتها الممتدة عبر الزمن ، كما أراني أجد الأشكال الأدبية أكثر خصوبة ممّا يظنّه أولئك النقّاد الصوريون . يمكن للمذهب الصوري في شكله المتطرّف أن يغدو نظرية ميتافيزيقية تتنكّرُ للتمييز المفيد – فضلاً عن الضروري – بين الذات والعالم ، وبين إستخدامات اللغة الأكثر توظيفاً للإشارة وتلك الإستخدامات الأقلّ توظيفاً لها . يعرف كلّ فنّان بالتأكيد كيف ينظر إلى العالم ، وسوف يختار كلّ كاتب البديل اللغوي الذي يفضّله على سواه من الخيارات اللغوية المتاحة ، وعليه دوماً ألّا يمتثل طوعياً لنظرية تقرّر أن ليس بمُستطاعه رواية حكاية ؛ بل يتوجّب عليه دوماً أن يكافح لخلق نصوص واعية تعمل بالضد من طرق الفهم العادية السائدة . حاول بعض الصوريين ، في سياق بعض تعاليمهم القياسية ، تطوير علمٍ للشعر – نظرية محايدة شبه علمية quasi-scientific تختصّ بالأدب بمثل مايختصّ علم اللغة باللغات الطبيعية ؛ غير أنّ مثل هذه اللغة شبه العلمية ستكون رهينة منهجٍ محايد في تحديد العناصر الأساسية الخاصة بالمادة موضوعة التحليل ، وبالإضافة لذلك ليس من الواضح  تماماً أيّ العناصر في الأدب يمكن عقد إتفاقٍ بشان كونها قابلة للإنضمام إلى خيمة تلك المقاربة شبه العلمية للأدب .

   لدينا في العموم كثرةٌ من أشكال العلاقة الخاصة بين المتلقّي والعمل الفنّي ، والعمل الفنّي من جانبه كينونة متجانسة يتطلّب ردّ فعلٍ منفتح ومتجانس هو الآخر ، وبالطبع يرغب الطلّاب عموماً في حيازة نظرية نقدية تكون موضع ثقة وتعمل على تبسيط الفكر المعقّد رغم أنّ وضع النقّاد يكون على الدوام أفضل في أجواء غياب نظرية محكمة سواءٌ أكانت علمية أم فلسفية ، وفضلاً عن ذلك فأراني أنكر المقاربة الخطيرة التي تزعم ضرورة الإلتزام بالنظرية البرجوازية السائدة في الأدب – والفنّ بعامة – متى ماأعوزتنا الحاجة لنظرية محدّدة : صحيح تماماً أننا نعيش في إطار سياقات تأريخية ؛ لكننا بوصفنا نقاداً ومفكرين وكائنات أخلاقية نستطيع تفهّم غرائزنا ونزوعاتنا كما نستطيع في الوقت ذاته تمييز القيم الأصيلة عن المحاباة والأعراف التضليلية حتى في غياب نظرية راكزة في الأدب والفن بعامة . كرّس العهد البرجوازي مفاهيم أخلاقية مثل فكرة الحقوق وفكرة الحرية الفردية ، وهي أفكار نتشارك الإعتراف بقيمتها الجوهرية الخالدة ، وبالإضافة لذلك فقد أنتج العهد البرجوازي أدباً عظيماً يحكي بلسان حال مفترضات غابرة لكنه يظلّ يحتفي بقيم لم نبطل عن الإلتزام بها حتى يومنا هذا : قد نلجأ في يومنا هذا مثلاً إلى مفهوم عن الطبيعة البشرية يعود إلى عهد الإغريق ، وثمة حقيقة جوهرية مفادُها أنّ بمقدورنا فهم هوميروس وأسخيلوس . الأدب إذن هو رسول وخالق هذا الفهم البشري المتنوّع ، وأيّة نظرية تضع عازلاً بين الناس وأدب الماضي العظيم إنّما تحرم هؤلاء من تعلّم قيمة تأريخية وأخلاقية وكذلك من تجربة الإستمتاع بذلك التعليم العظيم .

ماغي : إذا ماتناولنا الأمر من ناحية عملية فإنّ الأدب المكتوب بدفعٍ من تأثير نظريات المذهب الصوري يبدو مناسباً لأوساط الخبراء فحسب ، ومن ثمّ فهو يلقى قبولاً على نحو محدود للغاية . إنّ الفرضية التي ترقى لمرتبة البداهة والقائلة أنّ اللغة تتعالق بعالم الأشياء والبشر إنّما تبدو لي قاعدة جوهرية وأساسية لأيّ أدب يسعى للإنتشار والخلود ، وتلك حقيقة فهمها وقدّرها كثيراً أغلب الكتّاب العظام منذ عهد شكسبير . بقدر مايختصّ الأمر بي أراني مدفوعاً للقول بامتلاكي موقفاً خاصاً بي في هذا الشأن ؛ فأنا لاأعير كثيرَ اهتمامٍ بأن يشغف الناس بالعمل الأدبي او الفلسفي ؛ بل يتوجّب في كليهما الإعتداد بالكلمات باعتبارها وسيطاً يتعالق المرء من خلاله بالعالم سواء كان عالم البشر أو عالم الأشياء ، وكذلك سواء كان عالم المعضلات أو الأفكار أو الأعمال الفنية .

مردوخ : نعم أتفق معك في هذا الأمر ؛ لكني أعتقد أنّ بمقدور الفنّان أن يختار الطريقة التي يستعمل الكلمات من خلالها . قد يكتب الكتّاب الذين لم يسمعوا يوماً ما بالمذهب الصوري بطريقة تروق للصوريين وتتفق مع أطروحاتهم ، ومن جانب آخر فإنّ ( تريسترام شاندي ) و ( يقظة فينيغان ) روايات توظّف فناً جيداً لاينطوي على مواضعات نظرية مسبقة . نحن نحاكم النظريات من خلال امتحان قدراتها على تقديم تفسير مقبول لأوضاع نألفها ، وإذا وجدنا أنّ نظرية ما تهاجم مألوفاتنا فيتوجّب علينا حينئذ أن نتّخذ موقفاً منها ، وعلى هذا الأساس أنا أعرف من هم كتّاب الماضي العظماء الذين ينبغي لي الإعتداد بهم ، ولست مستعدّة بأيّ قدر على التضحية بهم من اجل أية نظرية أدبية بل العكس هو ماسيحصل : سوف أقوّم النظرية ذاتها وفقاً لمتبنياتهم الأدبية . الفنّ حقيقة وشكل ، وهو تمثيلي بقدر ماهو كينونة مستقلّة ، وبالطبع قد يكون التواصل بين النص الفني ومُتلقّيه غير مباشر ؛ لكنّ المناخات الإيهامية للكتّاب العظماء يخلق فضاءاتٍ نستطيع ارتيادها واجتناء متعة عظيمة منها لكونها تفتح آفاقاً على العالم الواقعي وليست محض ألعابٍ وفذلكاتٍ لغوية ولاصدوعاً مشروخة ضيقة لفنتازيا شخصية .  نحن لانتعب مع الكُتّاب العظماء لأنّ الحقائق مثيرة دوماً . إنّ المران المستديم في الفن هو مرانٌ على اكتشاف الحقائق المثيرة في الحياة .

_
_____________
*المدى

شاهد أيضاً

قراءة في رواية الكونتيسة لمصطفى الحمداوي(*)

ثقافات – الحسن حمو(**) الكونتيسة(1)،رواية لمصطفى الحمداوي، المبدع المغربي المغترب بالأراضي المنخفضة صدرت في أكتوبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *