الرئيسية / إضاءات / نزهة فلسفية في غابة الأدب (1)

نزهة فلسفية في غابة الأدب (1)

*ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

حوارية بين الروائية – الفيلسوفة آيريس مردوح والفيلسوف بريان ماغي

العلاقة بين الفلسفة والأدب علاقة وثقى نشهدها في التضمينات الفلسفية في الكثير من المنتجات الأدبية لبعض أعاظم الكُتّاب ، ونعرف أنّ بعض الكتّاب كانوا أنفسهم فلاسفة محترفين ، والأمثلة في ذلك كثيرة ؛ غير أن طبيعة العلاقة وحدودها بين الأدب والفلسفة ظلّت حقلاً إشكالياً منذ العصر الإغريقي وحتى يومنا هذا .

    يسرّني أن أقدّم في هذا القسم – وبضعة أقسام لاحقة – ترجمة للحوارية الرائعة عن طبيعة العلاقة بين الأدب والفلسفة والتي عقدها الفيلسوف البريطاني الشهير ( بريان ماغي Bryan Magee ) مع الروائية – الفيلسوفة الراحلة ( آيريس مردوخ Iris Murdoch ) ، وقد سبق لي تناول جوانب من فكر هذه الفيلسوفة المميزة في حوار سابق منشور في المدى ؛ أما بالنسبة إلى  ( بريان ماغي )  فهو فيلسوف ، وسياسي ، وشاعر ، وكاتب ، ومقدّم برامج بريطاني ولِد عام 1930 ويُعرَف عنه مساهماته الكبيرة في ميدان تقديم الفلسفة إلى العامّة وجعلها مادة تحظى بالمتابعة الجماهيرية القوية ، وهو صاحب مؤلفات كثيرة في هذا الميدان .

   أذيعت هذه الحوارية على البرنامج الثقافي للتلفزيون البريطاني عام 1978 .

                                                              المترجمة

       لطالما كان بعض عظام الفلاسفة كُتّاباً عظاماً بحسب مايعتقد الأدباء العظام ذوو الصنعة الفنية الراسخة ، وأظنّ أن الأمثلة الأكثر تعبيراً عن هؤلاء الكتّاب – الفلاسفة هي : أفلاطون ، القديس أوغسطين ، شوبنهاور ، نيتشه ،،، وثمة آخرون وإن كانوا لايعدّون قاماتٍ عظيمة مثل السابقين الذين ذكرتهم لكنهم كانوا بالتأكيد كُتّاباً على قدر كبير من الصنعة الجيدة : ديكارت ، باسكال ، بيركلي ، هيوم ، روسو . في وقتنا الحاضر ( وقت إجراء الحوار ، المترجمة ) فإن كلّاً من برتراند راسل و جان بول سارتر قد مُنِحا جائزة نوبل للأدب ؛ لكن ثمة في الوقت ذاته فلاسفة عظامٌ هم كتّاب سيئون ، ويحضر في الذهن على الفور كانت وأرسطو اللذان كانا فيلسوفين عظيمين وإثنين من أكثر الكُتّاب رداءة في الكتابة الأدبية ، أما آخرون سواهم – مثل القديس توماس الأكويني وجون لوك – فكانوا على قدر غير قليل من الركاكة الأدبية . الأمر بالنسبة إلى هيغل مختلف عمّا سواه ؛ فقد صار عمله أنموذجاً للكتابة المكتنفة بالغموض والتعمية حتى بات الأمر مثار سخرية ومزحة سمجة في سياق الحديث عن الفلسفة الموظّفة في الكتابة الأدبية ، وأظنّ من جانبي أن هيغل هو الكاتب الذي تتطلّب قراءته جهداً ومشقة غير مجدية أكثر من كلّ الكتّاب الآخرين ذوي الشهرة المدوّية على مستوى العالم بأسره .

   إنّ ماتكشف عنه الأمثلة السابقة بوضوح هو أن الفلسفة ليست تفريعاً أو حقلاً معرفياً منتمياً للأدب ؛ إذ أن نوعية الكتابة الفلسفية وأهميتها تكمن في إعتبارات أبعد من القيمتين الأدبية والجمالية ، وإذا ماكان الفيلسوف – أي فيلسوف – يجوّد في طريقة كتابته فتلك مزيّة تُحسبُ له بالتأكيد وستجعله على قدر كبير من الغواية التي تدفع الآخرين لدراسته ؛ غير أن الكتابة الفاتنة لن تجعل منه فيلسوفاً أفضل ، وأقول هذا بوضوح صارم ومنذ البدء لأنني وفي سياق هذه المحاورة سأتناول بعض الجوانب التي يمكن أن تكون مناطق تداخل بين الفلسفة والأدب في عمل كاتبة تمتدّ خبراتها لتشمل عالمي الفلسفة والأدب معاً . آيريس مردوخ في وقتنا الحاضر روائية ذات شهرة عالمية مدوّية ؛ غير أنها قبل أن تغدو روائية ناجحة عملت فيلسوفة وأكاديمية وأستاذة للفلسفة في جامعة أكسفورد المرموقة ولفترة قاربت الخمسة عشر عاماً .

                                                                   بريان ماغي

              —————-

ماغي : عندما تنغمرين في كتابة رواية أو في الكتابة الفلسفية ، هل ينتابكِ شعورٌ واعٍ دوماً بأن هذين الحقلين متمايزان عن بعضهما ويمثلان حقلين مختلفين أشد الإختلاف في الكتابة ؟

مردوخ : نعم أنا مدركة لهذا الأمر تماماً . الفلسفة تبتغي التوضيح والإستفاضة في كشف الدقائق الجوهرية للأمور ، وهي تحدّد ومن ثمّ تحاول حلّ بعض أعقد المعضلات الإشكالية المعقدة ، وبناءً على هذا الأمر ينبغي للكتابة الفلسفية أن تخدم هذا الهدف بكفاءة ، ويمكن في هذا السياق القول أن الكتابة الفلسفية السيئة لن تكون فلسفة على الإطلاق ؛ في حين أن العمل الفني السيئ يمكن أن يُعدّ فناً في نهاية المطاف . ثمة الكثير من الطرق المتاحة لإبداء إمارات التسامح مع الكتابة الأدبية المتهافتة بعض الشيء ؛ لكن مامن سبيل للتساهل مع الكتابة الفلسفية غير المنضبطة . الأدب يمكن أن يُقرأ من قبل الكثيرين ذوي مشارب وأهواء شتى ؛ أما الفلسفة فلاتُقرأ إلا من قبل نخبة قليلة إذا ماقورنت بقرّاء الأدب ، والفنّانون الخلاقون والمنضبطون هم نقّاد ذاتيون لأعمالهم ولايعملون تحت ضغط الكتابة لطائفة من ” الخبراء ” في ميدانهم ، كما أن الفنّ هو ذاته صنعة مطلوبة لأجل المتعة ؛ لذا فهو يحوز على الكثير من المزايا المبهجة التي تجعله مطلوباً ومرغوباً أكثر من سواه من الفعاليات البشرية . الأدب يمتّعنا ويملأ أرواحنا بالبهجة على مستويات مختلفة وبأنماط مختلفة هي الأخرى ؛ فهو مليء بالحيل والسحر والأجواء الإيهامية المقصودة . يمكن إجمال الحكاية في العبارة التالية : الأدب يوفّر المتعة ويفعل الكثير من الأمور ، أما الفلسفة فتفعل أمراً واحداً فحسب .

ماغي : بعد أن قرأتُ العديد من كتبكِ ( والفلسفية من بينها ) أصبحت واضحة لديّ تلك الحقيقة الصارخة في أنّك تعتمدين عبارات مختلفة في تلك الأعمال : العبارات في أعمالك الروائية مبهمة من حيث أنها مكتنزة بالدلالات التضمينية والإشارات والغموض ؛ في حين أن العبارات في أعمالك الفلسفية طافحة بالشفافية والغايات الصريحة لأنها تبتغي قول شيء واحد محدّد في كل مرة .

مردوخ : نعم هذا صحيح . الكتابة الأدبية هي فنّ ، وهي أحد أوجه الأشكال التعبيرية الفنية التي يمكن أن تتفاوت بين الضّعة والعظمة ؛ لكنما إذا كان الفنّ أدباً فهو يبتغي مقصداً مشحوناً بالدلالات الفنية المتاحة : اللغة في الرواية تُستخدَمُ بطريقة مراوغة للغاية تبعاً لطبيعة العمل الروائي وطوله أو قصره ؛ لذا ليس ثمة أسلوب أدبي وحيد متفرّد أو مثالي على الرغم من قناعتنا بوجود كتابة جيدة أو سيئة . لطالما وُجِد – ويوجد – بالتأكيد العديد من المفكّرين المتفرّدين العظام الذين كانوا كُتّاباً عظاماً في الوقت ذاته ؛ لكني لن أدعوهم فلاسفة ، مثل كيركيغارد ونيتشه . من الطبيعي أن يتمايز الفلاسفة فيما بينهم وأن ينتهج بعضهم أسلوباً أكثر توظيفاً للدلالات الأدبية من سواه ؛ غير أنني أجد نفسي مدفوعة بغواية القناعة بوجود أسلوب فلسفي مثالي متفرّد يمتلك خصائصه المعلومة في الوضوح والصرامة – ذلك  الأسلوب المقتصد البعيد عن السمات الأنوية والمتّسم بوضوح صارم بعيد عن الملاعبات اللغوية . ينبغي على الفيلسوف المتمرّس في صنعته الفلسفية أن يحاول توضيح مقاصده بالضبط وأن يتجنّب التفخيمات البلاغية الطنّانة وغير المجدية ؛ لكن هذا لايعني بالطبع إستبعاد حسّ الطرافة وبعض الفواصل الوقتية التي تشكّل محطات إستراحة للقارئ ، ولكن ينبغي على الفيلسوف في كلّ الأحوال – كما أظنّ –  أن يتحدّث بصوت محدّد بارد واضح يمكن تمييزه متى ماوجد نفسه يتصدّى لمعالجة واحدة من المعضلات الجوهرية في عمله الفلسفي .

ماغي : إن عدد الذين إنغمسوا في الكتابة الأدبية والفلسفية على المستوى المهني هو عدد قليل بالطبع ، وأنتِ واحدة بين هؤلاء القلّة النادرة الذين يمكنهم تشخيص الفروق الدقيقة بين الكتابة الأدبية والفلسفية مستندين على خبرات موثقة من واقع عملهم في المجالين معاً .  هل يمكنكِ الإستفاضة أكثر في هذا الشأن ؟

مردوخ : الكتابة الفلسفية ليست شكلاً من أشكال التعبير الذاتي ؛ بل هي تنطوي على كبح منضبط للصوت الذاتي . بعض الفلاسفة يطيب لهم الحفاظ على نوع من الحضور الشخصي في أعمالهم ؛ فمثلاً يفعل كلّ من هيوم و فيتغنشتاين هذا الأمر وبطرق مختلفة ، ولكن الفلسفة في نهاية الأمر تمتاز بصوتها الصلب الواضح غير المشخصن ولايمكن أن نتوقع إنقلاب الحال لما هو معاكس  لهذه الخصائص الراسخة في الكتابة الفلسفية . الأدب ، بالطبع ، هو الآخر ينطوي على شيء من ضبط الصوت الذاتي وتحولاته خلال العمل الأدبي ؛ بل حتى يمكن للمرء لإقامة نوع من التماثل بين الفلسفة والشّعر الذي أراه أصعب أشكال الكتابة الأدبية وأكثرها تطلباً ومشقة : يتطلّب الإثنان ( الفلسفة والشعر ) ضغطاً وتنقية للعبارات المكتوبة التي تبتغي إدماج الفكر في اللغة وبطريقة محددة وشاقة للغاية ؛ ولكن يبقى دوماً ثمة نوع من التعبير الذاتي في الأدب مثلما سيوجد دوماً قدر من المراوغة والتعمية في كل الاشكال الفنية المعروفة ، والكاتب الأدبي يترك قاصداً مساحة من الحرية للقارئ لكي تكون ملعباً خاصاً له يستطيع فيها إعادة تشكيل رؤيته الشخصية بشأن مايقرأ ، اما الفيلسوف فلايمكن ( والأصحّ أن أقول لاينبغي ) أن يترك أية مساحة للقارئ لكي لايتيح له إعادة تشكيل العمل الفلسفي كيفما تقوده رغباته .

ماغي : قلتِ في جواب سابق أن الفلسفة تبتغي توضيح الأمور في حين أن مهمة الأدب هي إضفاء مسحة من الغموض والتعمية عليها . أفترض أن ملاحظتك هذه ذات أهمية جوهرية للروائي والكاتب المسرحيّ الذي يتطلّع كل منهما لتخليق صورة خيالية أقرب إلى وهم ، كما أن ملاحظتك مهمة بذات القدر للفيلسوف الذي يسعى لطرح كل الأوهام واستبعادها على النقيض من عمل الروائي .

مردوخ : الفلسفة لاتسعى إلى بلوغ أي نوع من الكمال الشكليّ كغاية في ذاته . الأدب يكافح وسط لجّة المعضلات المعقدة للشكل الجمالي المطلوب في محاولة إنتاج نوع من الإكتمال الأدبي والفني ، وثمة عنصر من اللمسة الحسية بالأشياء في كل شكل أدبي . ينحو الأدب نحو بلوغ النهايات المكتملة ، بل وحتى في النصوص الأدبية المتشظية المستلة من أعمال أكبر فإننا نلمح فيها توقاً لأن تكون جزءاً من نسق كلي عام . الأدب بعد كل شيء هو ( في أغلبه الأعمّ ) عمل فني ؛ بينما الأعمال الفلسفية أمر مختلف تمام الإختلاف ، وقد يحصل في أحايين قليلة للغاية أن يكون عمل فلسفي ما عملاً فنياً في الوقت ذاته مثلما هو الحال في الندوة الأفلاطونية Symposium ؛ غير أن مثل هذه الأعمال تبقى حالات إستثنائية غير قياسية ، والحقّ أننا لايمكن أن نقرأ الندوة الأفلاطونية ونفهم متبنياتها الفلسفية إلا بمعونة الإرشاد الذي تجود به الأعمال الفلسفية الأخرى لأفلاطون . تبدو الفلسفة عند مقارنتها بالأدب مادة إلتفافية كثيرة التفريعات وعديمة الشكل حتى عندما يحاول الفيلسوف توضيح موضوعة محددة مفرطة في تعقيدها الشكليّ ، والفلسفة بهذا المفهوم تبدو مسألة تختصّ بالحصول على موطئ قدم مناسب عند بحث معضلة فلسفية محددة ومن ثمّ الثبات على ذلك الموطئ والمضيّ في تعزيز جاهزية المرء لإعادة إكتشاف ومساءلة تلك المعضلة في كل مرة يحاول فيها تجريب حلول وصياغات مستحدثة مختلفة عن سابقاتها . إن قدرة المجالدة الصبورة على إستكشاف معضلة ما هي مايميّز الفيلسوف ؛ في حين أن الرغبة الحارقة لبلوغ الحداثة وتخليق أنماط غير معهودة هي مايميّز الفنّان والكاتب في العادة .
___________
*المدى

شاهد أيضاً

عِبَادِ لا عَبْيد

خاص- ثقافات *عبدالجبار الرفاعي صورة الله في علم الكلام القديم، هي صورة السيد المخيف المرعب، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *