الرئيسية / إضاءات / فايز محمود

فايز محمود

خاص- ثقافات

*محمد المشايخ

       انفردت صحيفة الدستور28/10/ 2017بنشر خبر جاء فيه أن اللجنة الثقافية في قسم اللغة العربية وآدابها في الجامعة الأردنية، ستقيم ندوة تذكارية تخليدا لذكرى الأديب الراحل فايز محمود بالتعاون مع وزارة الثقافة..

دفعتني سعادتي بهذا الخبر الذي ينم عن صحوة متأخرة تجاه هذا  المفكر الأممي التنويري المنفتح على أفكار العالم وفلسفاته، ولا سيّما الفلسفة الوجودية، وتياراتها المختلفة، والذي لفت الاهتمام، في فترة مبكرة، من تاريخ الثقافة العربية، للفلسفة وأهميتها في الفكر والأدب.

       كان فايز من ابرز عشـّاق تيسير السبول،وفي الوقت نفسه، عمل على الإقتداء به، إذ لجأ للانتحار كثيرا، وفي كل مرة تناول فيها كمية من حبوب الاسبرين، كان يتصل مع واحد من أعزّ صديقين له:أ.ابراهيم العجلوني،أ.ممدوح ابودلهوم، فيجريان متطلبات إنقاذه.وارتبط بعلاقة حميمة مع أ. مؤنس الرزاز، وكان بينهما انسجام  فكري  وإنساني، وكان فايز آخر من شاهد مؤنس قبل ذهابه للمستشفى حيث دخل في الغيبوبة حتى مات.

       بعد تأسيس رابطة الكتاب عام1974، أهداها فايز ما لا يقل عن ألفين من الكتب المهمة ، وطلب وهو في أيامه الأخيرة في مستشفى الأمير حمزة من أ.محمد غالب المدادحة أن تـُدفن كتبه معه عند موته.

أتاح لي أ. جميل عويدات، أن التقي بفايز، في الخميس الأول من كل شهر، في صالونه الثقافي السياسي، كان فايز يبدع في الحوار، وفي التقييم والتقويم، وفي تقديم الطرائف والنكات الخفيفة.

سافر فايز قبل سنوات إلى دولة عربية لا تسمح للفلسطينيين بدخول أراضيها،وحين رأوا على جواز سفر أنه من مواليد المنشية، قرروا إعادته من الحدود، ومنعوه من الدخول، باعتباره فلسطينيا، وحين حاول إقناعهم أن هذه القرية تقع في لواء المفرق، أطلعوه على خارطة فلسطين، التي تؤكد وجود  قرى فيها تحمل هذا الاسم.

كانت له بعض المصطلحات الخاصة به، منها ترديده لـكلمتي:( “شـُرُمْ بـُرُمْ، وتعني: “شـَرٌّ مـُبـْرَمْ)..

كان منظما جدا، فعدا عن كتابته اليومية لمذكراته- والتي نتمنى على زوجته الأديبة “امرير ماماس” نشرها- فقد كان يحتفظ بسجل لأسماء وهواتف كل أصدقائه ، وكان يضع برنامجا على الورق، ليدعو يوميا 15 واحدا منهم لزيارته ، يتفقدهم ويتفقدونه، وفي يوم اجتمع في رابطة الكتاب الـ15الذين دعاهم فظن كل من رآهم أن انتخابات الجمعية الفلسفية ستجري في ذلك اليوم، وقد كان منهم: د.أحمد ماضي، د.هشام غصيب، د.محمد ناجي العمايرة، د.محمد الشياب..وحين كان فايز يتجلـّى، كان يردد بعض الأغاني البدوية الجميلة والعذبة، والتي لم اسمع غيره يـُغنيها.كان يجلس يوميا، في محل لبيع الطيور المتكلـّمة والمغرّدة، في جبل اللويبدة، وقد قال لي: إن أهم ما فيه بحث أجمل الكائنات وأرقـّها عن الحرية، وأضاف:إن رفقه بالطيور لم يلهه عن روعة العلاقة بين الذكور والإناث داخل الأقفاص.

مرّ فايز محمود بظروف مادية صعبة، تدخـّل أ.محمد داودية لحلها في كل المواقع التي شغلها، كما تدخل كل وزراء الثقافة وأمناؤها العامون، وموظفوها،ورابطة الكتاب،وكبار المسؤولين في الدولة،ووضعوا كل إمكاناتهم وطاقاتهم المادية والمعنوية لانهائها.

حين عمل فايز محمود في دائرة المطبوعات والنشر، لاحظ مديرها أمين أبو الشعر، كثرة المبالغ التي يحصل عليها فايز، دون أن تـُساهم في تحسين أوضاعه، فطلب من عدد من موظفي الدائرة، اللحاق به لمعرفة أين يذهب بأمواله، وفي اليوم التالي أعلموه أن فايز نزل من سيارة “السرفيس” عند مكتب بريد عمان الوسط ، وبدأ يوزع ما يملك، على الفقراء، فنادى أبو الشعر فايز محمود وقال له :”إنت واحد كسـّاب وهـّاب”.

كان فايز قبل رحيله يحضر يوميا لمقر رابطة الكتاب، ومعه حقيبة”سمسونايت” ترافقه كظله، كان يضعها في أماكن بارزة وقريبة من الشارع ، متمنيا أن يأتي أحد اللصوص لسرقتها، وعندما سألته عن السبب قال: إن ذلك اللص، بعد أن يسرق الحقيبة متوهما أنها مملوءة بالمجوهرات والدولارات والليرات، سيشتم اليوم الذي ولدته أمه فيه، لأنه لن يجد بها غير بعض الكتب، إلى جانب دواء المعدة وقطرة العين.

              ظلت طفولة فايز تعيش معه وهو في شيخوخته، فعبّر عما جرى بها بأسلوب مشوّق وجذاب، حين قال:(استنجدت بي امرأة بدوية هرب منها جملها، كنت إبانها طالبا في الصف الثالث الابتدائي، مملوءا بقصص الفروسية التي يقرأها علينا والدي،سلـّمت كتبي إلى المرأة حتى الحق لها بالجمل الهارب،وانطلقت أركض وراءه، فرّ الجمل،فبقيت أطارده دون توقف، وكنت مشهورا بالعدو في المفرق وقراها، ولهذا وجدت نفسي، بعد مشوار لا يـُستهان به، أدنو من الجمل وبإمكاني أن أمسكه، ههنا تكشّف لي الجمل ماردا من جان،ماذا افعل معه، وكيف يمكنني أن أجعله يقف ويـُسلم لي زمامه، فتقاعست في عدوي وتركته يسبقني بمسافات، وكنت ألحق به ثم أقصّر، والمرأة تتابعني ببصرها وهي تهرول خلفي،حتى لمحنا بضعة حصادين، كانت لديهم خيولهم بجانب أكداس الحصاد من القمح الذي انتهوا من جمعه،فهرعوا إلى خيولهم وامتطوها، ثم لحقوا بالجمل وداروا حوله من كل الجهات، حاصروه حتى وقف، ثم نزل بعضهم عن ظهور الخيل وأناخوا الجمل، فتشهّـدت وحمدت الله كثيرا، ثم اقبلوا نحوي مستفسرين، ووصلت المرأة فأشادت بمساعدتي لها،ولقيت من هؤلاء الرجال التقدير الذي زادني إحراجا، لكن الإحراج الأكبر كان، حينما أرادوا تكريمي بإعادتي إلى المفرق ممتطيا سنام الجمل، فبان عليّ الجهل بركوبه، والخشية من الاقتراب منه، وعدت معهم إلى المفرق مشيا على قدميّ..اختلطت لديهم المشاعر الإنسانية، بالشعور البدوي تجاه ابن المدينة الناعم).

برحيل المبدع الأردني فايز محمود، فقد الوطن العربي واحدا من أهم مفكريه التنويريين، والمنحازين إلى المقاومة.

 

شاهد أيضاً

القارئ الشرقي المتخيل: عثمانيون وتوابل ما بعد كولونيالية

*محمد تركي الربيعو يُعدُّ كتاب المؤرخة ميري شيفير موسنسون «العلم عند العثمانيين» واحداً من الكتب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *