الرئيسية / مقالات / ذبابة الكتابة

ذبابة الكتابة

*خيري منصور

يروي الناقد والشاعر كرورانسوم أن عامل المزرعة التي كان يتفرغ فيها للكتابة، سأله ذات يوم وهو يكنس ما أباده من الذباب قائلا: ما الذي جعل من الذباب ذبابا، ثم أضاف لماذا الذباب يا سيدي؟ وكان ذلك السؤال رغم ما يبدو عليه من سذاجة، أعقد سؤال تلقاه الشاعر في حياته، وحين فكر في الإجابة انتهى إلى الصمت. فالبديهيات أو ما يظنه الناس كذلك هي الأشد غموضا وتعقيدا، كما يقول بول فاليري، لهذا تواطأ الناس وسموها بديهيات تجنبا لمناقشتها.
والذبابة شغلت أدباء وشعراء من مختلف اللغات، بدءا مما قاله الشاعر العربي عن البعوضة، وهي من مثيلاتها أنها تدمي مقلة الأسد، محذرا من استصغار الخصم. وما يقوله الكاتب الروسي تشيكوف عن الذبابة التي تزعج الحصان، وهي تحوم حول أذنيه أو تستقر على ذيله، لا يذهب بعيدا عما قاله الشاعر العربي فقوّتها هي في ضعفها وضآلتها، بحيث يتعذر إلحاق الأذى بها إلا بواسطة مبيدات، لكن المبيدات أيضا فشلت في ذلك، ففي الولايات المتحدة اكتشف علماء الأحياء أن الذباب تأقلم مع مبيد «دي. دي. تي «وبدأ يتغذى به، لكن الضحية هي طائر الشحرور الذي يتغذى على الذباب ويموت من المبيدات لأنه لم يتلقح بها منها.
وهناك مسرحية شهيرة لجان بول سارتر بعنوان «الذباب»، كتبت خلال الاحتلال النازي لفرنسا وتعرض المسرح الذي كان يعرضها للقصف، لأن المرسل إليه فهم الرسالة، وتدور المسرحية حول أسطورة قديمة عن الندم، والذباب فيها هو المعادل الحسي للندم.
أما الحكاية الشهيرة عن الدب والذبابة، التي حملت عنوان الصديق الجاهل، فهي أمثولة في التناقض بين الهدف والوسيلة، والدب الذي رمى الذبابة التي تحوم حول أنف صاحبه ليخلصه منها، أخطأ الهدف وشجّ رأس صاحبه. أما الذبابة فقد لاذت بالفرار لتحوم حول أنف آخر. وقبل اختراع المبيدات الكيميائية للذباب، كنت أشاهد في قريتي في دكان الحلاق شريطا أشبه بقبر جماعي للذباب، وعرفت في ما بعد أن الشريط مطلي بالعسل، لهذا فهو يجتذب الذباب الذي يلقى حتفه في هذا الفخ.
وهناك مصطلح طبّي عن الذبابة المتخيلة التي تراها العين الكليلة، وهي ذبابة تخــــترعها العين المصابة، لكن لا وجود لها أو أثر، ولعلّ من أطرف ما كُتب عن الذباب هو ما كتبه جان جينيه، حين جاء إلى بيروت وشاهد عن كثب مجزرة صبرا وشاتيلا، التي وصفها الشاعر محمود درويش بأنها فضيحة عصرنا حتى الأبد.
يقول جان جينيه إنه اشتبك مع القتلة والذباب، وكأنهم من أصل واحد، ويقول أيضا إنه اشتبك مع الذباب الذي تحالف مع الغزاة، وهو يحاول طرده عن الجثث أو ما تبقى منها من أشلاء. وهناك قصة عن فنان يحاول تأليف معزوفة، لكن ما يحول دون ذلك هو ذبابة لا تكف عن إزعاجه، واللوحة الشهيرة التي كان عباس العقاد يعلقها على جدار في بيته، هي قطعة حلوى مغطاة بالذباب وقد رسمها الفنان صلاح طاهر، تعبيرا عن موقف العقاد من امرأة أحبها، ثم اكتشف عدم جدارتها بالحب لأنها لم تستطع أن تصون حلاوتها من الذباب.
أما المفارقة فهي أن الذباب الذي يزعج النائم كما في حكاية الدب هناك ما يقابله من ذباب، ما أن يلدغ الإنسان حتى يستغرق في النوم طويلا، ويصاب بخمول مزمن، وهو ما يسمى في إفريقيا ذبابة تسي تسي. وفي مقالة للشاعرة أديث سيتويل، تدافع فيها عن ما تسميه شعرية بلا حدود تقول، إن في الغابة متسعا للأسد والفراشة، وفي هذه المقولة أيضا متسع للذبابة، ففي النصف الأول من القرن العشرين كانت المنشّة وهي أداة لطرد الذباب من مستلزمات الأناقة تماما، كالطربوش والعصا ذات المقبض العاجي، خصوصا في مصر. لقد حوّل حلاق القرية الشريط المدهون بالعسل إلى مقبرة للذباب، وتلك بحد ذاتها مفارقة أيضا، وبقدر ما أن هناك حشرة تموت بالعسل، هناك أيضا حشرة تعيش به وتفرزه وهي النحلة، التي قال عنها الشاعر الجزائري مالك حداد: لكي نستحق عسلها يجب أن تكون لنا فضائلها، وطوبى للغة جعلت من العسل إذا عكست حروف هذه الكلمة لسعا. وبقدر ما يقبل النحل على الرحيق، فإن الذباب تجتذبه رائحة الجيف لهذا يفرز جرثومة الوباء، ويتحول إلى رمز لكل ما هو فائض ومزعج ومثير للغثيان.
وربما كان السؤال الذي وجهه عامل المزرعة الساذج للشاعر كرورانسوم، وهو لماذا الذباب يختصر أسئلة كونية ووجودية لا آخر لها، فالعالم به من مصادر الشرّ وينابيع الخير ما يثير التأمل حول جدلية خالدة، وما جاء في الحكاية السليمانية عن الحرباء التي تنفخ في النار ولا تستطيع إضرامها، والضفدع التي تحاول إطفاءها عبثا، هو تعبير مجازي عن النوايا، وهناك أكثر من وجه شبه بين أدوار المثقفين وما مارسته الحرباء والضفدع، فالمثقف لا يستطيع إيقاف حرب أو تحقيق عدالة أو إنصاف ضحية، لكنه يقوم بما عليه وبمعزل عن ترجمة الرغبات والنوايا إلى مفاعيل.
أما البعد الثقافي لثنائية الذباب والنحل أو الجيفة والرحيق، فإنه يتجلى في نمطين من المثقفين، أحدهما يفرز جرثومة الوباء ويبحث عن الجيف بشبق، والآخر يقطع عشرات الأميال من أجل ملعقة صغيرة من العسل، فهل صدق شكسبير عندما قال إن الطبيعة هي المعلم الأول وليس أرسطو. فهل سيغامر كاتب عربي بتأليف مذكرات ذبابة على غرار ما كتبه إسحق موسى الحسيني قبل عدة عقود بعنوان مذكرات دجاجة؟

________

*القدس العربي

شاهد أيضاً

سيوف تقطر حبرا

*خيري منصور حين فاضل أبو تمام بين السيف والقلم لصالح السيف، كانت المناسبة انتصارا عسكريا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *