الرئيسية / خبر رئيسي / جان بودريار.. حين يضيع المعنى

جان بودريار.. حين يضيع المعنى

الشارقة- في عز هيمنة المنتج الثقافي الأمريكي المحمول على أسنّة العولمة وأدواتها الإعلامية، بدأ الاهتمام بأطروحات جان بودريار ونظرياته عن موت الواقع، وعن هيمنة القطب الواحد واستحواذه على صناعة المعنى، وتسويقه لواقعه هو كعالم ومعنى بديلين، تجد الاهتمام الإعلامي وتنزل من علياء الوسط الأكاديمي، لتصنع الحديث حول مفكر مثير للجدل بآرائه عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وقبلها برأيه عن حرب الخليج الثانية، حيث قال إنها لم تقع!
يعتبر جان بودريار Jean Baudrillard(1929 – 2007) عند البعض بأنه «من أهم المؤولين للحظتنا المعاصرة في تعقيدها التكويني، والتصويري، والتفاعلي معا ؛ إذ يتداخل فيها الحقيقي بالمحاكاة والتشبيه، كما يخرج التشبيه من حدوده النصية، والبلاغية إلى اليومي، والسياسي، والوجودي، فيبدو في صيرورة الحقيقي نفسه، وكأنه بذرة داخلية فاعلة من خلاله، وليست خارجة عنه».

وحتى برغم انتقاداته للثقافة والهيمنة الأمريكية السياسية والإعلامية استطاع أن يحظى بكثير من الاحترام والتقدير داخل الوسط الأكاديمي الأمريكي.
ليست كثيرة هي تلك المراجع المترجمة إلى اللغة العربية والتي تتحدث عن كرونولوجيا حياة الكهل الفيلسوف الفرنسي الراحل، وربما أبرز الموجود منها هو في مقدمة تلك الترجمة التي نفذها الدكتور جوزيف عبد الله لكتاب جان بودريار المعنون ب «المصطنع والاصطناع».

حيث يذكر الدكتور جوزيف أن حياة المفكر بودريار مرت بالمراحل التالية:

– ولادة جان بودريار في مدينة ريمس الفرنسية بتاريخ 27 يوليو 1929م، وظهور ملامح نبوغه العلمي منذ دراسته الابتدائية، نبوغ حفز معلميه على مساندته في طلبه الخاص بحصوله على منحة دراسية خلال المرحلة الثانوية، ليتمكن بودريار بعد ذلك من الالتحاق بثانوية هنري الرابع في باريس.
– الفتى الذي سيثير الجدل في العالم لاحقا يترك الدراسة الثانوية ويقرر الانضمام لدار المعلمين العليا، ويسجل بعدها أول محطات نشاطه الراديكالي، وذلك عندما اعتنق الماركسية وقرر الانتقال إلى مدينة أرل الفرنسية ليكون عاملا زراعيا ثم معلم بناء.

– يعود بودريار إلى باريس، ويلتحق بالسوربون ليتم دراسته الأكاديمية، وهناك ينجح في الحصول على شهادة في تخصص دراسة اللغة الألمانية، ومكنه ذلك من العمل كمراجع ومترجم عن الألمانية في العديد من دور النشر الفرنسية، وأيضا يتمكن من الإفلات من أداء الخدمة العسكرية في الجزائر، عندما حصل على بديل لأداء تلك الخدمة وعمل في محفوظات مركز السينما العسكرية الفرنسية.

– يلتحق بودريار بجامعة نانتير الفرنسية بغية الحصول على شهادة الدكتوراه، ويتخصص في حقل سوسيولوجيا المدينة الذي أسسه الفيلسوف هنري ليفيفر، وكان بودريار حينها يواصل دراسته في سلك الدكتوراه ويتابع في نفس الوقت محاضرات رولان بارت في المدرسة التطبيقية للدراسات العليا، وفي عام 1968 يناقش أطروحته في الدكتوراه والتي أجيزت بتقدير عال، ومكنت بودريار من العمل كأستاذ مساعد ثم محاضر في جامعة نانتير، ليرتقي في السلم المهني الجامعي ويتسلم الإدارة العلمية في جامعة باريس التاسعة- دوفين خلال الفترة من «1986م-1990م».
– قبل أن يتوفى بودريار في السادس من مارس 2007، بالعاصمة الفرنسية باريس، ترك مؤلفات فكرية عدة، منها على سبيل المثال لا الحصر (نظام الأشياء، مجتمع الاستهلاك، نحو نقد الاقتصاد السياسي للرمز، التبادل الرمزي والموت، حرب الخليج لم تقع، قوة الجحيم، العنف في العالم، المصطنع والاصطناع).

اشتهر كتابه «المصطنع والاصطناع» لأنه أصّل من خلاله وطوّر نظريته عن موت الواقع، وانتقد العولمة، وطرح في ذلك الكتاب مجموعة أطروحات هي:

أولا: خضوع العالم لمدار مصطنع حلّت فيه النسخة مكان الأصل، «إن النسخة تحافظ على علاقة مرجعية مع الأصل، فنسخة اللوحة لا تأخذ معناها إلا من اللوحة، بينما المصطنع لا يفعل غير اصطناع مصطنعات أخرى، هنا يختفي كل مفهوم للأصل، لحدث أصلي، لحقيقة أولى، بحث لا يبقى مجال لغير المصطنعات».

ثانياً: المصطنع الذي نعيش فيه سواء كان صورة أو لغة لا يحجب الواقع بل حل نفسه مكان الواقع، وذلك بتدميره لثنائية الدال والمدلول، ما يعني أن سلطة الرمز أي السلطة التي تقف الصور واللغة التي تبثها الوسائل المعلوماتية الجديدة افترست المرجعية التي تشكلها أو كان يشكلها الواقع.
ثالثا: أن الما فوق واقعية أي حالة الاصطناع الناجمة عن تورط وسائل الإعلام المعاصرة في حجب الواقع، تستمد قوتها من تخريب النظرة السوية للواقع، فيتم التلاعب بوعي المتلقي وإقناعه عبر قوة الميديا برؤية الطرف المتحكم في الآلة المعلوماتية.
يؤخذ على جان بودريار من طرف بعض نقاده بأنه تماهى مع جاك دريدا وهابرماس في تأويلهما لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وشرعنتهما بطريقة نقدية ضمنية لموقف القاتل-الإرهابي-الضحية.
ففي مقال له مشهور حمل عنوان «فكر الإرهاب» ونشر في جريدة لوموند الفرنسية بتاريخ 3 نوفمبر 2001، وترجمه حسونة المصباحي. يقول جان بودريار «الإرهاب شيء لا أخلاقي، والضربة الإرهابية التي استهدفت برجي التجارة العالمي في نيويورك، هذا التحدي الرمزي، لا أخلاقية، وهي جواب على عولمة هي نفسها لا أخلاقية. وإذاً فلنكن نحن أيضا لا أخلاقيين، وإذا ما نحن أردنا أن نفهم شيئاً ، فإنه يترتب علينا أن نمضي إلى ما وراء الخير والشر، ولأننا نجد أنفسنا للمرة الأولى أمام حدث لا يتحدى الأخلاق فقط، وإنما كل شكل للتفسير أو التحليل، فإنه يتحتم علينا أن نكتسب ذكاء الشر، لقد ظللنا نحن الأوروبيين نعتقد بنوع من السذاجة، أن تطور الخير، وانتشاره في كل المجالات (العلوم، التكنولوجيا، الديمقراطية، حقوق الإنسان)، يمكن أن يقود إلى هزيمة الشر.

لا يبدو أن هناك أحداً أدرك أن الشر والخير يتقدمان ويتطوران معا، وفي الوقت نفسه، وبالحركة نفسها، وأن انتصار أحد منهما لا يؤدي بالضرورة إلى هزيمة الآخر، بل إلى عكس ذلك تماما».

في التصنيف الفكري للفيلسوف جان بودريار يعتبر عند البعض الوريث الشرعي لجان بول سارتر وميشيل فوكو، ومعارضا لبورديو قريبا من رولان بارت، ومعجبا بفكر تفكيك الميتافيزيقا عند جاك دريدا وجان فرانسوا ليوتار، واعتبر بورديار مجددا للتفكيك وما بعد الحداثة وللفكر الراديكالي والفنون والنظر إلى عنف العالم.

لم يتأسس موقفه من الماركسية على قطيعة معها رغم مآخذه عليها كما يرى الدكتور جوزيف عبد الله مترجم كتاب بودريار «المصطنع والاصطناع»، ويختزل الدكتور جوزيف موقف بودريار بأنه كان ماركسياً لكن بدون منهج المادية – الجدلية في التحليل.
وربما ليس هناك ما هو أدق من تصنيف بودريار لنفسه فيما ترجمه عنه الدكتور جوزيف إذ يقول إنه: «باتافيزيائي في العشرينات، مشهدي في الثلاثينات، طوباوي في الأربعينات، اعتراضي في الخمسينات، دوراني وعكسي في الستينات».
والملاحظة المباشرة بعد ذلك التعريف الذاتي هو أنه يطرح إشكال تعريف بودريار في ظل سيطرة مواقع التواصل الاجتماعي الحالية، وهيمنتها على المشهد الثقافي الجماهيري، وما تتيحه من إمكانات للتعبير الحر بعيداً – ولو نسبياً – عن الهيمنة المألوفة في عصره هو لوسائل الإعلام التقليدية، فهل يمكننا المطالبة الآن بإعادة تعريف جان بودريار وموت واقعه النظري؟

______
*الخليج الثقافي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *