الرئيسية / إضاءات / غسان كنفاني أيقونة الأدب المقاوم

غسان كنفاني أيقونة الأدب المقاوم


*نضال القاسم



(عكا 9 أبريل/نيسان 1936 – بيروت 8 يوليو/تموز 1972) أربعة وأربعون عاماً مضت على استشهاد أيقونة فلسطين، الأديب والفنّان التشكيلي والصحافي والناقد والمناضل الفلسطيني غسّان كنفاني، الذي اغتالته المخابرات الإسرائيلية «الموساد» ذات يوم صيفيّ في بيروت، صباح يوم السبت 8/7/1972 بعد أن انفجرت عبوة ناسفة كانت قد وضعت في سيارته في منطقة الحازميّة قرب بيروت، ما أدى إلى استشهاده مع ابنة شقيقته لميس حسين نجم (17 سنة). 
والحديث بعد أربعة وأربعين عاماً عن تجربة شامخة كغسّان كنفاني، يعد بلا شك حديثا ذا شجون، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بانطلاقة مشروعه الإبداعي النهضوي التحرري وإنجازاته الإبداعية والفكرية المتشعبة في كافة المجالات، والذكريات عنه تستدعي الكثير من الوقفات والمحطات التي مرّت بهذا المثقف العضوي.
ويعتبر غسان كنفاني المولود في مدينة عكا شمال فلسطين، في التاسع من أبريل/نيسان سنة 1936 واحداً من أشهر الكتاب والصحافيين العرب في العصر الحديث، فهو يمثل نموذجاً خاصاً للكاتب السياسي والروائي والمسرحي والقاص والناقد والفنان التشكيلي والمناضل الذي سخّر حياته لقضيته, والذي جمع في شخصه مواصفات عديدة وشكل ظاهرة مضيئة في سيرورة الثقافة الفلسطينية لدى بحثها الدائب عن مكانها تحت الشمس. 
وقد أجبرت ظروف الاحتلال في عام 1948 غسان وعائلته التي كانت تعيش في يافا حتى أيار/مايو 1948 على اللجوء في بادئ الأمر إلى لبنان ثم إلى سوريا، حيث أكمل دراسته الثانوية في دمشق وحصل على شهادة البكالوريا السورية عام 1952، وأثناء دراسته الثانوية برز تفوقه في الأدب العربي والرسم، وعندما أنهى الثانوية عمل في التدريس في مدارس اللاجئين، وبالذات في مدرسة الإليانس في دمشق وفي العام ذاته تسجّل في كلية الأدب العربي في جامعة دمشق وأسند إليه آنذاك تنظيم جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي، وكان معظم ما عرض فيه من جهد غسان الشخصي، بالإضافة الى معارض الرسم الأخرى التي أشرف عليها، ولكنه انقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية، بعد أن انضم إلى حركة القوميين العرب التي ضمه إليها جورج حبش لدى لقائهما عام 1953، ومما يذكر عنه في هذه الفترة أنه كان يضطر أحياناً للبقاء لساعات متأخرة من الليل خارج منزله ما كان يسبب له إحراجاً مع والده الذي كان يحرص على إنهائه لدروسه الجامعية، وهو كان يحاول جهده للتوفيق بين عمله وإخلاصه لرغبة والده.
وفي أواخر عام 1955ذهب للتدريس في وزارة المعارف الكويتية وكانت شقيقته وشقيقه قد سبقاه إلى هناك بسنوات، وفترة إقامته في الكويت كانت المرحلة التي رافقت إقباله الشديد، الذي يبدو غير معقول، على القراءة، وهي التي شحنت حياته الفكرية بدفقة كبيرة، فكان يقرأ بنهم لا يصدق، كان يقول إنه لا يذكر يوماً نام فيه بدون أن ينهي قراءة كتاب كامل أو ما لا يقل عن ستمئة صفحة منه، وكان يقرأ ويستوعب بطريقة مدهشة، وكانت تشجعه على ذلك وتأخذ بيده شقيقته فايزة التي كان لها في هذه الفترة تأثير كبير على حياته. 
وتكاد مسيرته في الصحافة، توازي حضوره الإبداعي وتفوقه غزارة. وقد نشر مقالاته الأولى في «الرأي» في دمشق، وأثناء إقامته في الكويت بدأ يحرر في إحدى صحف الكويت ويكتب تعليقاً سياسياً بتوقيع (أبو العز) لفت إليه الأنظار بشكل كبير، خاصة بعد أن زار العراق بعد الثورة العراقية عام 58 على عكس ما نشر بأنه عمل في العراق. كما كتب أيضاً في الأدب والنقد، لكن مقالاته السياسية هي التي أثارت الاهتمام الأكبر. وفي 1960، في بيروت بدأ مسؤولاً للقسم الثقافي في مجلة «الحرية» القريبة من «حركة القوميين العرب» إذ ترأس تحرير جريدة «المحرر»، وأشرف على الملحق الأسبوعي الذي كانت تصدره باسم «فلسطين». وقد ترأس أيضاً تحرير «الأنوار» بعد النكسة، وحتى عام 1969 تاريخ اشتراكه في تأسيس مجلة «الهدف» لسان حال «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»، وكان صاحبها ورئيس تحريرها حتى اغتياله.
أما أولى قصصه القصيرة «القميص المسروق» التي نال عنها الجائزة الأولى في مسابقة أدبية فقد كتبها غسان في الكويت. وفي الكويت أيضاً ظهرت عليه بوادر مرض السكري، وكانت شقيقته فايزة قد أصيبت به من قبل، وفي السن المبكرة نفسها، مما زاده ارتباطاً بها وبالتالي بابنتها الشهيدة لميس نجم، التي ولدت في كانون الثاني عام 1955، فأخذ غسان يحضر للميس في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية ويهديها لها وكانت هي شغوفة بخالها محبة له تعتز بهديته السنوية، وتفاخر بها أمام رفيقاتها، ولم يتأخر غسان عن ذلك إلا في السنوات الأخيرة بسبب ضغط عمله.
وفي عام 1960 غادر غسّان الكويت إلى بيروت في ذروة الفورة الثقافية والأدبية والسياسية للمدينة التي كانت المجال الأرحب لعمله وفرصته لالتقاء التيارات الأدبية والفكرية والسياسية وذلك للعمل في مجلة (الحرية) التي كانت تنطق باسم الحركة مسؤولا عن القسم الثقافي فيها، ثم أخذ بالإضافة الى ذلك يكتب مقالاً أسبوعياً لجريدة (المحرر) البيروتية التي كانت ما تزال تصدر أسبوعية، صباح كل اثنين والتي أصبح فيما بعد رئيساً لتحريرها، وأصدر فيها (ملحق فلسطين) ثم انتقل للعمل في جريدة (الأنوار) اللبنانية وحين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 قام بتأسيس مجلة ناطقة باسمها حملت اسم مجلة «الهدف» وترأس تحريرها، وبقي رئيسا لتحريرها حتى استشهاده. كما أصبح ناطقاً رسمياً باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. 
أما في عام 1961 فقد كان يعقد في يوغوسلافيا مؤتمر طلابي اشتركت فيه فلسطين وكذلك كان هناك وفد دنماركي، كانت بين أعضائه فتاة متخصصة بتدريس الأطفال، قابلت هذه الفتاة الوفد الفلسطيني ولأول مرة سمعت عن القضية الفلسطينية، واهتمت الفتاة إثر ذلك بالقضية ورغبت في الاطلاع عن كثب على المشكلة، فشدّت رحالها الى البلاد العربية مروراً بدمشق، ثم الى بيروت حيث أوفدها أحدهم لمقابلة غسان كنفاني كمرجع للقضية، وقام غسان بشرح الموضوع للفتاة وزار وإياها المخيمات، وكانت هي شديدة التأثر بحماسة غسان للقضية وكذلك بالظلم الواقع على هذا الشعب، ولم تمض على ذلك عشرة أيام إلا وكان غسان يطلب يدها للزواج، وقام بتعريفها على عائلته، كما قامت هي بالكتابة الى أهلها، وقد تم زواجهما بتاريخ 19/10/1961 ورزقا بفايز في 24/8/1962 وبليلى في 12/11/1966.
إن أدب غسان وإنتاجه الأدبي كان متفاعلاً دائماً مع حياته وحياة الناس وفي كل ما كتب كان يصور واقعاً عاشه أو تأثر به، فقد كانت له عين الفنان النفاذة وحسه الشفاف المرهف، وهو ما حدا به لأن يوجّه تلاميذه بإحدى مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بدمشق لرسم مخيمهم وتجسيد واقع الألم والأمل فيه بدلاً من أن يرسموا تفاحة، فالمخيم هو واقعهم الحاد والجارح الذي يعيشون فيه بعد النكبة التي أصابتهم، أما التفاحة فهم لم يعرفوها من قبل، وقد كانت تلك إحدى نقاط التحول لدى غسان كنفاني، في اتجاه ترسيخ فكرة المقاومة في أدبه، والتي تجلت لاحقاً في كتاباته المختلفة، وهو الطفل الذي هُجّر من بلده يافا عام 1948، وعايش النكبة ومعاناتها بكل وقائعها السياسية والاجتماعية.
وعلى الرغم من أن روايات غسان ومسرحياته وقصصه القصيرة ومعظم أعماله الأدبية والنقدية الأخرى قد كتبت بشكل أساسي بمواضيع التحرر الفلسطيني وفي إطار قضية فلسطين وشعبها إلا أن مواهبه الأدبية الفريدة أعطتها جاذبية عالمية شاملة، فكان مبدعاً في كتاباته كما كان مبدعاً في حياته ونضاله واستشهاده، وقد لفت نشاطه ومقالاته الأنظار إليه كصحافي ومفكر وعامل جاد ونشيط للقضية الفلسطينية فكان مرجعاً لكثير ٍمن المهتمين بالشأن الوطني الفلسطيني.
لقد أصدر غسان كنفاني حتى تاريخ وفاته المبكّر ثمانية عشر كتاباً. وكتب مئات المقالات في الثقافة والسياسة وكفاح الشعب الفلسطيني، وفي أعقاب اغتياله تمّت إعادة نشر جميع مؤلفاته بالعربية، في طبعات عديدة. وجمعت رواياته وقصصه القصيرة ومسرحياته ومقالاته ونشرت في أربعة مجلدات. وتُرجمت معظم أعمال غسان الأدبية الى سبع عشرة لغة ونُشرت في أكثر من 20 بلداً، وتمّ إخراج بعضها في أعمال مسرحية وبرامج إذاعية في بلدان عربية وأجنبية عدة. اثنتان من رواياته تحولتا الى فيلمين سينمائيين. وما زالت أعماله الأدبية التي كتبها بين عامي 1956 و1972 تحظى اليوم بأهمية متزايدة. 
وقد استطاع غسان كنفاني خلال فترة حياته القصيرة والخاطفة أنْ يجيب عن الأسئلة الأساسيّة في النضال الفلسطيني، وأن يواكب حياة الفلسطينيين ويكتب عن مآسيهم وأن يفضح أهداف الاحتلال عبر إطلاعه على الفكر الصهيوني، وأصبحَ رمزاً من رموز القضية إلى الدرجة التي جعلت الكيان الصهيوني يعتبر اغتياله فصلاً حاسماً في معركته ضدّ رموز حركة التحرر الوطني الفلسطيني.
ولا أحد يجهل أن غسان هو أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقاومة وعلى شعراء جليل فلسطين، وذلك من خلال بحوثه الأدبية والنقدية التي قدمها في هذا المجال والتي من أهمها دراسة (أدب المقاومة في فلسطين المستقلة) والتي كانت النافذة الأولى التي أطلّ منها العالم على شعراء كانوا منسيين ومنفيين ودراسة أخرى بعنوان (الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948- 1968). ولم تخل مقالة أو دراسة كتبت عنهم من معلومات كتبها غسان والذي كتب عن محمود درويش وتوفيق زيّاد وسميح القاسم وفوزي الأسمر، وأصبحت محاضرته عنهم ومن ثم كتابه عن «شعراء الأرض المحتلة» مرجعاً مقرراً في عدد من الجامعات وكذلك مرجعاً للدارسين. واعترافاً بفضل غسان كنفاني وأياديه البيضاء على شعراء المقاومة يقول محمود درويش:- «حين نعتنا كنفاني بأننا أدباء مقاومة لم نكن نعرف أننا نكتب أدباً مقاوماً، وإنما نكتب أدباً نعبر فيه عن واقعنا». 
ومما يجدر ذكره في هذا الصدد أيضاً أن غسان كان قارئاً جيداً، يتابع الأدباء الشباب، فلاحظ موهبة الكاتب محمود الريماوي الذي أصبح في ما بعد أحد أبرز كتاب القصة والرواية الفلسطينيين فأوكل له مسؤولية القسم الثقافي في مجلته «الهدف»، وانتبه لقصائد الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور فكتب عنه مقالة في المجلة ما لبث دحبور أن نقل مقاطع منها على غلاف مجموعته الشعرية الثالثة الجميلة والمتميزة حقاً «طائر الوحدات».
إن معايشة كنفاني للنكبة ومن ثم لانطلاق الثورة عام 1965، ثم المصائر الفردية البالغة البؤس للشعب كأفراد وكجماعات على حد سواء، ورؤيته للفلسطينيين المشتتين في الأردن وسوريا ولبنان والكويت، انعكستا على كتاباته، التي كانت تؤكد أن اللجوء في المخيمات ليس حلا للشعب الفلسطيني، وقد تجلى التوجه إلى أدب المقاومة لدى كنفاني من خلال دراسته الوحيدة والجادة عن الأدب الصهيوني والتي نشرتها مؤسسة الأبحاث بعنوان (في الأدب الصهيوني) وترجمة روايات مختلفة، ولاحظ مقولة اليهود «إن حل مشكلتهم يكمن في عودتهم لفلسطين»، وهذا جعله يطالب بالموازاة بأن لا حل للفلسطينيين إلا بعودتهم لفلسطين. وفي روايته «رجال في الشمس» كما هو الحال في رواية «ما تبقى لكم»، يؤكد كنفاني مجدداً أن لا حل لعودة الفلسطينيين إلا بالعمل الجماعي، فهو كان مدركاً وواعياً لحقيقة أنه لا يمكن الاعتماد على فكرة أن الدول العربية ستحارب لعودة الفلسطينيين، «فهي لم تسمح لهم بتشكيل تنظيمات».
ولابد لنا اليوم من الاعتراف بأننا نحتاج إلى وقت طويل قبل أن نستوعب الطاقات والمواهب التي كان يتمتع بها غسان كنفاني، والذي كان فناناً مرهف الحس، رسم العديد من اللوحات وصمم العديد من ملصقات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي يعتبرها الدارسون محطة أساسية في التاريخ «الغرافيكي» العربي، وبالإضافة إلى أعماله الابداعية والنقدية استطاع غسان أن يكتب الكثير من القصص التي كان أبطالها من الأطفال، وكثيراً ما كان غسان يردد: «الأطفال هم مستقبلنا». وقد نُشرت مجموعة من قصصه القصيرة في بـــيروت عام 1978 تحت عنوان «أطفال غسان كنفاني». أما الترجمة الإنكلــــيزية الــتي نشرت في عام 1984 فكانت بعنوان «أطفال فلسطين». 
وبعد، بقي أن أقول، إن التوجه المقاوم لديه ظهر منذ طفولته، ورافقه في كل أعماله الأدبية وحياته الشخصية، وكان سبباً في اغتياله ببيروت عام 1972، مخلفاً أربع روايات مكتملة، وثلاثاً لم تكــتمل، ومجموعة قصصية وشعــرية ومقالات صحفية استطلع فيها المستقبل الذي لم يعشه، إلى جانب مئات المقالات والافتتاحيات التي وقعها باسمه أو باسم مستعار، وأربعة كتب في السياسة والنقد ومسرحيات عدة.
وقد تُرجمت أعماله إلى 17 لغة، وأبرزها في الرواية: «رجال في الشمس» (1963)، «ما تبقى لكم» (1966)، «أم سعد» (1969)، «عائد إلى حيفا» (1970). وفي القصّة والمسرح: «موت سرير رقم 12» (1961)، «أرض البرتقال الحزين» (1963)، «عن الرجال والبنادق» (1968)، «عالم ليس لنا» (1970) «القبّعة والنبي» (1973). وترك العديد من المقالات السياسية والنقدية «الأدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال» (1968)، «في الأدب الصهيوني» (1967)…
ورغم اغتياله على يد الموساد في سن مبكرة، إلا أن غسان قد أنجز كل ما يمـــكن أن يجعله كاتباً حياً وقابلاً للقراءة في المســـتقبل، فقد جمعت حياته الخاطفة (1936- 1972) بين الأدب والكتابة الصحافية، وبين الالتزام بالعمل الســـــياسي المباشر بما يرتبه من انشغالات لا تحصـــى تثقل كاهل المبدع وتحدُ من انطلاقه الحر، وقد نالت أعماله التكريم في حياته وبعد استشهاده، فقـــــد حصــــل في عام 1966 على جائزة (أصدقاء الكتاب في لبنان) لأفضل رواية عن روايته «ما تبقى لكم»، كما نال جائزة منظمة الصحافيين العالمية (I.O.J) عام 1974 ونال جائزة (اللوتس) التي يمنحها اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا عام 1975 كما نال اسمه وسام القدس للثقافة والفنون في 1990.
____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *