الرئيسية / فكر / الغزالي وديكارت في فلسفة الذات

الغزالي وديكارت في فلسفة الذات


*عبد الله العليان


حدث المفكر العربي المعروف د/‏‏ زكي نجيب محمود في بعض كتبه عن فلسفة الإمام ورؤيته تجاه العديد من القضايا الفكرية والفلسفية، ومن أهم الأفكار التي أشار إليها الغزالي وسبق بها الفيلسوف الفرنسي (رينيه ديكارت)، الذي يتم نعته بأبي الفلسفة الحديثة، المقولة الشهيرة التي تنسب للأخير (أنا أفكر، إذن أنا موجود)، لكن العديد من العلماء والفلاسفة يرون أن الإمام الغزالي سبق ديكارت في هذه الرؤية الشهيرة للوجود الإنساني، لكنها بصيغة (أنا أريد، إذن أنا موجود قادر)، وتذكر الموسوعة الحرة أن بعض العلماء «تمكنوا من إثبات أن ديكارت قد سرق من أفكار أبي حامد الغزالي وخاصة من كتابه (المنقذ من الضلال)، ولا يقتصر ذلك على تأويل التشابه الواضح مع أفكار الغزالي الذي سبق زمن ديكارت بما يقارب الخمس قرون، بل يقول الباحث التونسي الراحل عثمان الكعاك أنه عثر على نسخة من كتاب المنقذ من الضلال للإمام الغزالي، مترجمة إلى اللاتينية، في مكتبة ديكارت الخاصة بمتحفه في باريس، وفي إحدى صفحاتها إشارة بالأحمر تحت عبارة الغزالي الشهيرة «الشك أولى مراتب اليقين»، وعليها حاشية بخط يد ديكارت بعبارة «تُنقل إلى منهجنا». ذلك رغم أن ديكارت لم يُشر إلى الغزالي في أي من مؤلفاته» ويعلق د/‏‏ زكي نجيب محمود في كتابه «رؤية إسلامية» على مقولة الإمام الغزالي في مسألة الإرادة فيقول: «لا بد أن تكون هذه الصيغة التي اخترناها لنصب فيها الوقفة الغزالية. قد ذكرتك بالصيغة الديكارتية المعروفة «أنا أفكر،إذن أنا موجود» (وديكارت بعد الغزالي بستة قرون) وحقيقة الأمر هي أن الشبه شديد من حيث «المنهج» -وليس من حيث المحتوى- بين الغزالي وديكارت وأقرأ عن خطوات المنهج الذي يؤدي بالإنسان إلى اليقين في كتاب» محك النظر» للغزالي، تجد نفسك على وشك أن تتساءل: ماذا بقى بعد ذلك لديكارت؟ إذ ربما كان ركن الأساس في المنهج عندهما واحداُ، وهو ضرورة البدء بحقائق لا تحتمل أن يشك فيها بحكم طبيعتها المنطقية ذاتها ثم هناك بين الرجلين شبه آخر، لا يقل أهمية عن ركن الأساس الذي ذكرناه لتونا. وذلك الشبه الآخر هو أنه بالرغم من أن المبدأ الديكارتي يبدو وكأنه استدلال نتيجة من مقدمة، ففي كلمة «إذن» التي بين طرفين ما قد يوحى أن الطرف الثاني أخذ مستدل من الطرف الأول، إلا حقيقة الأمر عنده هي أن طرف «التفكير» وطرف «المفكر» وجهان لحقيقة واحدة، وكذلك الأمر بالنسبة للإمام الغزالي، فإذا كانت الإرادة هي بمثابة الأمر «كن» فتأتي الاستجابة فهاهنا كذلك يكون الطرفان وجهين لحقيقة واحدة.»(ص132).

ولكننا نرى أن هذه الرؤية لا تتفق مع ما ذكره بعض العلماء والمهتمين، من أن الفيلسوف ديكارت أخذ هذا المنهج من الإمام الغزالي، وخاصة من كتابه (المنقذ من الضلال)، ومن الذين أشاروا إلى هذا المنحى عند ديكارت، د/‏‏ محمود حمدي زقزوق في كتابه (المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت)، ويقول الباحث السعودي أ/‏‏ زكي الميلاد أن د/‏‏ زقزوق «أثبت بالنصوص القاطعة، التطابق الواضح بين المنهج الفلسفي لدى كل من الغزالي وديكارت، وهو المنهج المعروف بالشك المنهجي، التطابق الذي فاجأ الأستاذ المشرف على الرسالة راينهارد لاوت، الذي يعد حسب قول زقزوق، من أشد المعجبين بفلسفة ديكارت، وكان يعلن في محاضراته أن الفلسفة الحقيقية بدأت مع ديكارت». ويضيف زكي الميلاد في متابعته لهذه الأمر في قضية التشابه والمتطابقة بين الغزالي وديكارت، فيرى أنه «وفي سنة 1992م صدرت الرسالة في طبعة جديدة باللغة الألمانية، وتوقف عندها الكاتب السويسري كريستوف فون فولتسوجن الذي نشر مقالة في ديسمبر 1993م، بعنوان (هل كان الغزالي ديكارتا قبل ديكارت؟)، أشار فيها حسب قول زقزوق (إلى أهمية الكتاب بوصفه عملا علميا جديرا بالاعتبار، مبينا أنه قد كشف عن حقيقة مفادها أن الشك المنهجي الذي يعد عملا تأسيسيا حاسما في الفكر الغربي، مرتبط بالفلسفة الإسلامية في القرن الحادي عشر، أي قبل ديكارت بأكثر من خمسة قرون، كما أشار الكاتب إلى أن التطابق المدهش بين الأفكار الواردة في كتاب «المنقذ من الضلال» للغزالي وكتاب «التأملات» لديكارت، يوحي في حد ذاته بأن هناك مؤثرات فيلولوجية، وأن هذه المقارنة التي جرت لأول مرة من الناحية المنهجية، قد برهنت على وجود تطابق أساسي في المنهج الفلسفي لكلا الفيلسوفين». ويرى د/‏‏ زكي نجيب محمود في رؤيته عن منهج الغزالي وديكارت «من الجوانب التي جاءت مشتركة بين الغزالي وديكارت أن كليهما أقام دليله علي وجود الله، علي الطريقة التي اثبت بها وجود نفسه، لكن الفرق بينهما في ذلك هو أنه بينما تعقب الغزالي في ذاته فاعلية “الإرادة”، كانت فاعلية “الفكر” هي التي تعقبها ديكارت، فكأنما يقول الغزالي انه إنما موجود مادام كائنا مريدا، علي غرار ما قاله ديكارت بعد ذلك انه موجود ما دام كائنا مفكرا، فالمنهج واحد كما تري والمضمون يختلف.. واني لأذكر تلك الساعة البعيدة من حياتي، هي بعيدة بعد ما قد يزيد علي أربعين عاما حين قرأت لوايتهد جملة وردت في سياق حديث له لم اعد أذكر في أي كتاب من كتبه. يقول فيها: “إن الإسلام يجعل الأولوية للإرادة”. وعند قراءتي لتلك الجملة تركت الكتاب مفتوحا أمامي وشردت بنظري إلي الأفق أسائل نفسي: هل هذا صحيح؟ وبعد لحظات أجبت نفسي: نعم أنه صحيح فيما يبدو، ولست أظن أن تلك الفكرة كانت قد امتلأت في ذهني بغزارة معناها، كما هي ممثلة به الآن. فكل ما علينا -إذن- هو توليد النتائج التي تترتب علي هذه الحقيقة الأولي: ومن أبرز ما يترتب عليها من نتائج، أن آدمية الآدمي تهدر بمقدار ما يخضع نفسه لنمط سلوكي مفروض عليه، دون أن يعلم لماذا يسلك هذا السلوك النمطي مادام هو سلوكا لم يكن وليد إرادة منه، ولا هو يشعر في ذات نفسه بأنه لو ترك ليريد حرا مختار لإرادة. وهنا قد يقال: أيكون معني ذالك ألا قواعد تتبع ولا قوانين تطاع؟ والجواب هو التأكيد بأن واحدية القاعدة أو القانون لا ينفي تعدد صور التطبيق بين الأفراد في العصر الواحد، ومن باب أولي أنها تتعدد بي الأفراد من أبناء العصور المتباعدة. إن واحدية القاعدة النحوية الموجبة لرفع الفاعل ونصب المفعول لا تعني أن جميع من يعملون بها يلتقون عند صورة واحدة من القول. والقواعد في لعبة كرة القدم واحدة، لكن لكل لاعب أسلوبه تحت تلك القواعد. وأسس البناء الموسيقي مشتركة، لكن كل شئ في التلحين الموسيقي ينفرد بطريقته.. ولنقف لحظة قصيرة عند كلمة “تلحين” هذه.. ألم يلفت نظرك معني كلمة “لحن”، والعلاقة بين هذين المعنيين، هي أن اللحن معناه خروج علي النمط المألوف، فإذا كان النمط المألوف، في اللغة هو أن يرفع الفاعل، كان نصبه لحنا، وكذلك يكون الخروج بالجملة المعينة عن الطريقة المألوفة في نطقها، وجعلها موسيقية لحنا.. وعلي هذا الأساس يمكننا القول بأنه إذا كان هناك “نمط” سلوكي شائع في المجتمع موروث من السلف، جاز للفرد الواحد أن “يلحن” فيه بمعني أن يحافظ علي جوهر معناه، ولكن بطابعه الشخصي، أما الذي لا يجوز، فهو أن يلحن فرد في سلوكه علي نمط معين، بمعني أن ينحرف به نحو صورة تفسد معناه». ويضيف في فقرة أخرى في هذا الكتاب «لقد أخذ “الإسلام” اسمه هذا، من وجوب أن “يسلم” المؤمن إرادته لإرادة الله فهذا أمر واجب، لكن ما معناه؟ انه أن يستحيل أن يكون المعني هو أن يتجرد الإنسان من إرادته، وإلا لسقطت عنه المسؤولية الخلقية، والمسؤولية القضائية وكل مسؤولية أخري.. وهل يسأل النهر المتدفق من الجبل إلي بطن الوادي عن تدفقه؟ أو تسأل الريح العاصفة لماذا عصفت كما عصفت؟ فإذا كان ذلك كذلك فماذا يكون معني أن يسلم المؤمن إرادته لمشيئة الله؟ لابد أن يكون المعني منصبا علي المبادئ دون طرائق العمل في إطارها، فطرائق العمل في ظل مبدأ معين، متروكة لإرادات الأفراد، حتى تصح عليهم المسؤولية الأخلاقية، وقد تضاف إليها مسؤولية قضائية، وهذا لا يتناقض مع “علم” الله السابق لمجري الأحداث كيف يسير.إنني إذا أردت السفر بسيارتي من القاهرة إلي الإسكندرية، وقلت للسائق عند بدء السير، اتجه بنا إلي الإسكندرية بالطريق الزراعي، وكان ذلك بمثابة “المبدأ” الذي في إطاره يسلك السائق، لكن تفصيلات سلوكه بعد ذلك تترك لإرادته كيف يواجه مشكلات الطريق، ومتى يبطئ السرعة ومتى يزيدها، وفي أي الظروف يتجه بالسيارة إلي يمين الطريق، في أيها يسير بها إلي يساره، وهكذا، وبهذه الحرية يكون مسؤولا عما يحدث من أخطاء.
وأتصور أن تكون الإرادة الإلهية العليا التي علي الإنسان أن يلتزمها مع تفصيلات سلوكية تترك له الحرية فيها، وتقع عليه المسؤولية فيما يترتب عليها، هي أن يسير الإنسان علي النهج العام الذي يسير عليه الكون العظيم، كما خلقه الله وكما “أراد له أن يسير.. فالأساس إذن هو: نظام لا فوضوي، تعمير لا تخريب، بناء لا هدم، نماء لا ضمور، ازدهار لا ذبول، قوة لا ضعف، تعاون لا تناحر، خير لا شر.. الخ.على أن الله ـ سبحانه وتعالي ـ قد أنزل في رسالته السماوية مجموعة من الأوامر والنواهي، تتجه كلها نحو أن تعين علي إقامة ذلك الإطار المبدئي العام، فالكون تحكمه قوانين، وعظمة الله إنما تتجلي في أن القوانين مطردة لا خلل في اطرادها، وحتى إذا ظهرت ظاهرة قد يظن أنها قد شذت عن القانون، كانت حقيقة الأمر قيها هي إنما خضعت لقانون آخر أعم أشمل. ومدى ما يستطيعه الإنسان إزاء تلك القوانين إذا أراد معرفتها – ولابد له أن يريد ذلك طاعة لأمر الله في كتابه الكريم -أقول- إن غاية ما يستطيعه الإنسان في هذا السبيل، هو أن يحاول قراءة الظواهر الكونية -أي فهمها- بالكشف عن قوانينها. فهنالك “ضوء” يراه، فما هي القوانين التي تنظم مسارات الضوء؟ وها هنا يمكن أن يكون للعلماء في كل عصر طريقة يختلفون بها عن علماء العصر الذي سبق عصرهم، وذلك حين يتكشف لهم أن فهم السابقين لظاهرة الضوء لا تغطي كل الحالات التي شهدها الإنسان في مجال تلك الظاهرة، فتبدأ محاولة جديدة نحو قراءة جديدة، لعلهم يقعون علي ما يفسر جميع الحالات التي صادفتهم في ظاهرة الضوء وهكذا يتقدم العلم، لكنه في كل خطوة من خطوات تقدمه، لا يستغني عن افتراض مبدئي ضروري، هو أن هنالك “نظاما” ما.. ونحن البشر نبحث عن ذلك النظام، ولا يعقل أن يجد الإنسان مدفوعا نحو البحث عن قوانين الكون، أي البحث عن “نظامه”، ثم يكون هذا الإنسان قد بني علي الفوضى بغير أهداف، وبغير وسائل يحقق بها ما استطاع من تلك الأهداف». ولهذا فان الإمام الغزالي كان السباق إلى طرح منهج الشك إلى اليقين،بما يجعله أول من أسس هذا المنهج وليس الفيلسوف ديكارت الذي يسمى أبو الفلسفة الحديثة.
________
*جريدة عُمان

شاهد أيضاً

الفيلسوف آلان دونو: لقد آلت السلطة إلى الأقل كفاءة

 خاص – ثقافات *ترجمة : سعيد بوخليط تقديم : على مستوى السياسة،كما الشأن بالنسبة للمقاولات،فقد سيطر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *