الرئيسية / مقالات / ضد الحداثة

ضد الحداثة


*أمير تاج السر

لقد تعودت عبر سنوات، أن أتلقى عبر البريد الإلكتروني، وبشكل شبه يومي، مراسلات فيها رائحة الكتابة، بمعنى أنها إما روايات مخطوطة أو قصص قصيرة، أو قصائد شعرية، أو خواطر، أو حتى مجرد آراء فردية، أو أمنيات وأحلام صغيرة، أن يصبح أحدهم كاتبا ذات يوم.
هذه المراسلات في مجملها، تعطي مؤشرا لا أدري، أهو سلبي أم إيجابي، بأن الكتابة الإبداعية، في شتى ضروبها وحيلها باتت هما رئيسيا لدى أشخاص كثيرين، الإيجابي هنا هو أنها هم يحمله الكثيرون، والسلبي، هو أنها لم تعد نافذة يطل عبرها المبدعون فقط، ولكن خلاء ممتدا بلا سياج، يطرقه كل من أراد، بلا أي خلفية ثقافية أو قرائية. وكجزء من منهج أؤمن به، تعودت أن أمسك بالإيجابيات أولا، وأحاول أن أجعلها بالفعل إيجابيات، لكن الأمر في السنوات الأخيرة، لم يعد ممكنا، خاصة، حين يعود النصح الذي نهبه لأحدهم بحكم الخبرة الطويلة، في شكل غضب وتهجم واتهام قديم يتجدد مع كل جيل جديد، وهو أن الجيل السابق، ضد الحداثة، وما يزال يعض على إنجازاته القديمة، رافضا تغييرها.
بالطبع هناك استثناءات لا بد من الإشارة إليها، أي هناك من يستمع للنصح، ومن يرتقي بكتابته مستفيدا من خبرة الذين سبقوه، وتوجد بالفعل إشراقات عديدة، ومبشرة، وسط هذه الهجمة الكتابية، والذي يقرأ لوجدي الكومي وأحمد عبد اللطيف، ومحمد ربيع في مصر مثلا، ولسمير قسيمي في الجزائر، ولينا الحسن في سوريا، ومنصور الصويم في السودان، على سبيل المثال، يدرك تماما، أن المشاعل الإبداعية التي أوقدت منذ عرف العرب كيف يبدعون، محمولة بأمان، في أقلام هذا الجيل أيضا وستسلم لأقلام آمنة، في كل جيل جديد.
وحتى لا يظن كاتب من الذين يملأون الساحة الآن بأنني أقف بالكتابة في طريق مسدود، ولا أود أن تتجاوزه إلى أبعد من ذلك، فإنني أردد ما رددته مرارا، وهو أن ما أكتبه بخصوص الكتابة في أي منبر لدي فيه ركن، رأي شخصي، ولست مخولا لتقييم النتاجات المطروحة بشكل يومي، ويصلني صداها إلكترونيا كما ذكرت، كما أنه أصبح من الصعب متابعة كل ما له علاقة بالعملية الإبداعية، متابعة دقيقة، فقط أتحدث بلسان القارئ الذي عاش سنوات، يحاول أن يحصل على المعرفة، ولم يحصل عليها حتى الآن.
أعود لتخمة بريدي الإلكتروني شبه اليومية، ولا أدري هل يدرك من يرسل إنتاجه إلى أي شخص له علاقة بالكتابة، أن هذا الشخص، قد لا يجد وقتا لمطالعة ما أرسل إليه، وإن وجد وقتا وطالع شيئا، فقد لا يجد وقتا للرد، أو لكتابة تقديم، أو حتى إبداء نصح أو فكرة؟ ذلك أن لديه ما يشغله بالتأكيد، وكم من مرة أتيحت لي فرصة، قرأت فيها بعض الكتابات واقتنعت بجودتها لو تم تحريرها، وإضافة أو حذف فقرات منها، وودت أن أخبر مرسلها، لكن لم أستطع ذلك، ثم لتنشر تلك الكتابات بهيئتها غير المعدلة، ويبدأ صاحبها في التألق وسط أصدقائه أولا، ثم وسط معمعة معارض الكتب وضجيجها، ويبدأ في مهاجمة الكتاب القدامى، الذين حاولوا إغلاق الطريق عليه وأخفقت محاولتهم.
في الأسبوع الماضي، أرسل لي أحدهم قصة قصيرة جدا، من تلك القصص التي تسمى ومضات، وانشغل بها البعض هذه الأيام، وأعني من لا يملكون وقتا لصياغة الرواية، وهي موضة هذا العصر كما نعلم. هذه الومضات غريبة حقا، ومتعجلة كثيرا في اختراع حدث وتأجيجه وإخماده في سطر أو سطرين. هناك من يكتبها بوعي وفن، وهناك من يكتبها بطريقة: (بختك يا بخيت)، أي كيفا اتفق، وربما تأتي رائعة وتعجب الناس، أو سيئة، ولا تلفت النظر. ولطالما استغربت من قصص تتحدث عن بومة، ظلت تنعق في الليل حتى نشف صوتها، ولم ينته الليل، مزارع استيقظ في منتصف الليل، وابتدأ يحرث لحافه، وينتف منه القطن، وامرأة زوجوها لرجل مسن، طويل القامة، فأمسكها من رأسها وتوكأ بها حتى باب المسجد، وبائع خضروات متنقل، نسي اسم الباميا، فسماها بامبو، ليقفز عليه كرسي من خشب البامبو كان موضوعا مصادفة في الطريق، ويضربه.
هذه الأفكار غير المرتبة، والعبثية، والتي لا جدوى من حكايتها، لماذا لا يتم النظر إليها بتأن، لماذا لا يعطف عليها الكتاب فيمنحونها جزءا من وقتهم والكثير من عنايتهم، لتغدو قصصا حقيقية، من ذلك النوع الذي يكتبه العظيم: جار النبي الحلو، مثلا، أحد عباقرة القصة الذين لم يتم إنصافهم يوما، أو المغربي أنيس الرافعي، الذي يحكي لك قصة تشبه الأغنية من شدة جمالها، وكثيرون من أجيال مختلفة؟ المرأة التي تحولت إلى عصا للتوكؤ تحتاج إلى ماض وحاضر ومستقبل، الرجل المسن من الممكن جدا أن يتمرد على ضمور الشيخوخة ذات يوم، فتفقد العصا وظيفتها المخترعة،، وتعود إليها وظيفتها الكلاسيكية المعروفة، والمزارع الذي استيقظ ليحرث لحافه، كان من الممكن أن يمشي نائما حتى حقله، ومن الممكن أن يلتقي بجنية هناك، ويغرق في حب مجنون، هكذا، كلما اتسعت رقعة الحكاية، اتسعت رقعة المتعة بها، وأمكن إضافة بهارات من كل نوع.
بالنسبة للقصة التي وردتني الأسبوع الماضي، في بريدي الإلكتروني، فقد كانت لكاتب من الذين يكتبون هذه القصص اللاسعة، بلا أثر للسع حتى يبقى فترة في الذهن، واعتاد منذ أربع سنوات، أن يرسل لي يوميا رسالة فيها خمس قصص، ولا ينتظر مني ردا، ولم أكن أرد، وأكون صريحا بأنني قلما قرأت تلك القصص، ولا أدري لماذا فعلت ذلك في الأسبوع الماضي، لأفاجأ بهذه القصة التي تحمل عنوانا مربكا:
«زعانف لسمكة كبيرة جدا وبلهاء تقيم في البيت الثاني على اليمين في شارعنا العامر بالكسل والأشجار الظليلة».
كانت القصة عن امرأة عجوز، اعتادت أن تنام عارية. هذا كل ما في الأمر، ولا توجد أي إضافات، وكتبت القصة في سطرين، أي بحجم العنوان نفسه. هنا رددت على المرسل لأول مرة، ووضحت وجهة نظري، بشأن عنوان فضفاض، لقصة صغيرة جدا، أي كأنما ألبست طفلا ثياب أبيه، فرد المرسل مباشرة بأن اتهمني بالتقليدية، وأنني ضد الحداثة.
_____
*القدس العربي

شاهد أيضاً

هل تُصبحُ الفلسفة مصدرا للطمأنينة؟

*كه يلان محمد صناعة الأسئلة هي وظيفة الفلسفة بامتياز، وينشأُ المشروع الفلسفي من بذور السؤال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *