الرئيسية / مقالات / العالمي

العالمي


عباس بيضون *
كانت واحدة من المرات القليلة التي التقيت فيها بسركون بولص، مرات قليلة لكن كل واحدة منها كانت تثبت مجدداً، أن علاقتنا ليست محدودة باللقاء، وأننا في غيابنا عن بعضنا بعضاً نواصل حواراً وصلة لا يحول دونهما الغياب. رغم انني تقريباً من عمر سركون بولص إلا انني استقبلت مجموعة سركون التي وصلتني أولاً «الوصول إلى مدينة أين» ككشف وعثور على نموذج لي بقدر ما هو لصاحبه. كنت أقرأ بالفرنسية والعربية أعمالاً موضوعة ومترجمة إلى اللغتين، ومهما كانت عاقبة هذا الاعتراف فإنني كنت أجد بين النصوص العربية الأصل والنصوص المترجمة إلى الفرنسية والمترجمة إلى العربية، الشعرية بخاصة، فرقاً لا يستغرب بالطبع. لا بد أن يكون هناك فرق بين شاعر وشاعر فكيف إذا كان الفرق بين لغة ولغة، لكن الفرق الذي كنت ألاحظه لم يكن من هذا النوع، لم يصدر عن خصوصية كل شاعر وكل لغة. كان بخلاف ذلك فرقاً في القوة، وفرقاً في الامتلاء والنضج، وفرقاً في تملك الأدوات، وفرقاً في البناء وفرقاً في المحمول الشعري وفرقاً في العلاقة بالخارج والواقع. أي بكلمة واحدة كان الفرق يتجاوز الخصوصيات، خصوصية اللغة وخصوصية الشاعر. يتجاوزها إلى الصُلب والأساس. إلى الشعر نفسه، ماهيته وأثره وتوليده من اللغة ومن الفكر. أنا بالطبع أقابل هنا بين شعر المحدثين وأصحاب الحداثة وبين نظرائهم وسابقيهم بقليل من الشعراء الغربيين.
أقول ببساطة إنني آنذاك كنت أجد في شعر المحدثين وأصحاب الحداثة شعراً متدرباً أو قليل المران، قليل التملك، يحاول بقدر من التعثر وبقدر من الاجتراح والخبط، وبقدر من المداورة، موازاة الشعر الغربي الذي كان يومئذ مثاله. هذه الموازاة كانت تتحقق في الظاهر وشكلانياً ولا تتحقق بالدرجة نفسها في العمق والداخل. هذا الفارق كنت أحسه فوراً وبمجرد أن أباشر القراءة. يتراءى لي أن النصوص العربية كانت تشكو مما يشبه الإعاقة وأن فيها شيئاً من الاصطناع، شيئاً من الحذلقة، شيئاً من الرطانة، شيئاً من الشعاراتيه والإنشاء، وأن فيها نقصاً يمت إلى الاختمار واللغة كما يمت إلى الرؤيا والفكر.
ما أريد قوله بعد هذه الفذلكة أنني قرأت سركون بولص فوجدت أن شعره لا ينتقل بي إلى المقابلة ولا إلى قراءته بإزاء نصوص غيره، وجدت في هذا الشعر قدراً من الاكتمال يجعلني أقف عنده وحده ولا أحيله إلى مثال آخر. لم اشعر بنقص فيه ولا تعثر ولا شبه إعاقة. لم ألاحظ رطانة أو اصطناعاً أو حذلقة أو شعاراتيه وإنشاء. لم يستدع هذا الشعر مثالاً، لا لأنه لم ينسج على مثال ولا لأنه لم يكتب بإزاء الشعر العالمي، الغربي بخاصة. بالعكس من ذلك. هذا الشعر امتلأ تماماً من الشعر العالمي ولم يجتهد ليماثله. شعر امتلك ناصية الشعر وأساليبه وتقنياته وأدواته، ووصل في هذا التملك إلى حد استبطان الشعر وامتصاصه بحيث يجري عفواً وبحرية، وبحيث يجد فوراً صوته وأدواته وأنساقه ورؤياه. هذا يعني ان قراءة سركون بولص هي قراءة للشعر، لا مجرد قراءة لتمرين على الشعر. يعني أن سركون يصل إلى سرّ الشعر، إلى باطنه وجوانيته، إلى عصبه وإلى نبضه، شعر سركون بولص الذي ارتوى من الشعر العالمي لا ينفصل عن هذا الشعر ولا يتقدم كاستيحاء له. إنه يستوي بإزائه كنظير ومثيل. إنه يستوى شعراً في مقابله، وإذا صح ذلك جاز لنا بدون ان يكون متوخانا المديح، أو التبجح أن نقول إن سركون شاعر عالمي وهو بهذه الصفة وحدها عالمي. إننا نقرأه بنفس الشعور الذي نقرأ به واحداً من شعرائنا العالميين، والأسماء التي تترى عند ذلك على الذهن كثيرة بالغة الكثرة ولا داعي لذكرها. لا نحس إزاء شعر سركون إلا اننا امام شعر بالمعنى الذي نعرف به الشعر ونطلب من الشعر أن يكونه. ما نقرأه لا نتردد حياله ولا نراوح ولا يدخل هذا في قراءتنا أو مزاجنا. لا نحتاج إلى هذه المقدمة فنحن نقرأ رأساً ما لا نتردد لحظة في اعتباره شعراً، وما لا نحيله، بأي طريقة كانت، إلى شعر آخر.
أقول كانت واحدة من المرات القليلة التي التقيت فيها بسركون. كان سبق لي أن التقيته أول مرة في بيت أدونيس والتقيت به مرة ثانية في اليمن. ولست أذكر لقاء ثالثاً إلا ذلك الذي تم في لوديف، قبيل وفاته. لم أشعر يومذاك انني كنت حيال شخص يحتضر. كان بادي التعب ولا شك انه مريض، لكن لم يكن هناك ما ينم عن انه يحتضر. لم يشعر بذلك بالتأكيد منظمو المهرجان الذين، للمفارقة، انزلوه في مكان بعيد لا سبيل إلى بلوغه الا بسيارة تمر في ساعة محددة أول المساء مما يقضي على سركون ان يلملم نفسه ويذهب إلى النوم باكراً، وليس هذا طبعه ولا مراده. أذكر أن سركون في لحظة باح لي بمرضه والخطر الذي يحيق به، لكنني لم أفهم إلا حين جاء زاهر الغافري إلى لبنان وأبلغنا ان سركون يحتضر. حفزني هذا إلى كتابة مقال بعنوان «سركون بولص» مريض وأسعدني أنه قرأه. أظن ان الوقت حان لنقرأ سركون فأنا أظن انه لم يلق قراءة كافية وانه بالتالي لم يُنصف ومات قبل ان يتم تجربته، وحقه علينا أن نتم قراءته، قبل أن نتركه لحكم التاريخ.



– السفير

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *