الرئيسية / مقالات / الحرية المفاجئة!

الحرية المفاجئة!


أولاد أحمد*

حيطان الثقافة العربية تتداعى حائطا اثر حائط.
بعضها انهار تماما.. وبعضها آيل للانهيار.
ركام هائل بادٍ للعيان وسقوف تصرج في أذان ساكنيها: «فرّوا بجلودكم قبل إن اسقط على رؤوسكم».
وبالرغم من ذلك، لا يزال أغلب المثقفين العرب، يعالجون تلك الحيطان بمساحيق الدهن والدبغ والتلوين، وفي أذهانهم أن الترميم هو مهمتهم الفكرية الوحيدة في هذا العالم.
خلال الأربع سنوات الأخيرة، التي شهدت تحولات كبرى في أغلب البلدان العربية، صار المثقف يخشى العامة أكثر مما يخشى السلطة. صار عاميا.. إذا شئنا الصدق أكثر.
كيف؟ لقد وجد نفسه أمام كمّ هائل من حرية القول والفعل.
كمّ لم يجهّز أدوات لاستغلاله على الوجه الأكمل عندما كان يطالب بحرية التعبير ويضرب عن الطعام من أجل الظفر بتلك الحرية.
وبما إن ذلك الكم الهائل من الحرية لم يكن بفضل مجهوداته الشخصية، بل كان بفضل ثورات وانتفاضات العامة (الشعب)، فقد وجد نفسه مثل ضيف ثقيل على مائدة أناس كان يحتقرهم من قبل في تنظيراته وكتاباته التي تبدأ في الغالب بـ: «انّ»، لتنتهي بمقولة: «الله أعلم»، أو بمقولة: «والمستقبل كفيل بإثبات نبوءتنا».
فجأة، تخلى هذا المثقف على شعارات «الحفر» و»التأسيس» و»الهامش» و»القصووية»، وانتحل جميع الصفات التوفيقية لرجل السياسة.
وأكثر من ذلك، فقد تخلى عن جميع أفكاره السابقة، وشرع يطالب بحصته من المناصب والغنائم، بعد أن آلت السلطة، مؤقتا وفجاءة، للقوى الظلامية التي لم تقم بتلك الثورات والانتفاضات لكونها قوى تؤمن أن «الخروج على الحاكم حرام شرعا».
لكأن الحرية تحوّلت إلى مصيبة، والعبودية بدت أخفّ ضررا وأنفع لبوسا من الحرية!
في البلاد التي أعيش فيها، إلى حد الآن، هناك «فيلسوف» يدعو علانية إلى الجهاد. «فيلسوف داعشي» حتى يكون الوصف أدق.
يائسا ومحتارا في أمر هذا الصنف من المثقفين، أسأل صديقي صلاح سعيد الذي درس الفلسفة عند هذا الفيلسوف الداعشي: «هل هناك من الفلاسفة والباحثين والمثقفين من له الجرأة أن يصل إلى نتيجة لم ينطلق منها مسبقا؟!»
فيجيبني بثقة مدمّرة: «كل التجارب الفسلفية والفكرية تظهر إن النتائج الفلسفية والفكرية لم تكن في الواقع إلا أفكارا مسبقة اتخذت شكل نتائج».

٭ كاتب من تونس

( القدس العربي )

شاهد أيضاً

مهرجان فاس للسينما و الفلسفة..دلوز و السينما

خاص – ثقافات *د.عزيز الحدادي بهذا العنوان نكون قد اكتشفنا قارة أخرى بواسطة مهرجان الأغورا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *