الرئيسية / قراءات / يوسف رزوقة يعلن موت البراءة ويكشف عن قبح العالم

يوسف رزوقة يعلن موت البراءة ويكشف عن قبح العالم



شادي الزريبي *


 عن “دار العين للنشر”، صدرت رواية بعنوان “وداعا براءة العالم”، للشاعر والروائي التونسي يوسف رزوقة. تقع في 608 صفحات، من القطع المتوسط. صممت الغلاف الفنانة المصرية صابرين مهران، بلوحة للرسام البانامي “أوزفالدو هيريرا”. وقد أعلنت الدار عن ترشيحها مع روايتي “شوق الدراويش” لحمور زيادة و”جنة البرابرة” لخالد صويلح لجائزة البوكر العربية لسنة 2015.
يتحدث يوسف رزوقة في روايته “وداعا براءة العالم” عن انطلاقة الثورة التونسية من جوانب عديدة وزوايا مختلفة، إذ ينبش داخل عوالم الحياة اليومية التونسية من خلال مستشرقة إسبانية تأتي لزيارة صديقها التونسي فتفاجأ بنبإ وفاته وهي بالمطار. ويصف الكاتب الوضع التونسي وتاريخ تونس من وجهة نظر غربية إلى أن يصل إلى الشرارة التي كانت بداية الربيع العربي.

عالم الوحشة
يستهل يوسف رزوقة روايته بقوله: “من لم يكن في حيرة من أمره، لا يدخلنّ روايتي”. وبإهداء إلى “رشا، غزالة روحي وقد أبدعت في توديع هذه الدنيا رفقة زهرتها ياسمين”.

منذ البداية يدخلنا رزوقة إلى عالم الوحشة والريبة والتوجس من كل شيء؛ من القدر ومن الحياة ومن جميع المسلمات. يرى أن هذه الدنيا قد فقدت لونها الوردي الساحر، عند نقطة ضوء منبعثة من بعيد قد تُعيد الأمل للحظات سُرقت منّا دون أن نشعر.

يتحول يوسف رزوقة في هذه الرواية إلى ناقل لأحداث جلّها حقيقية، وإن كانت في كثير من الأحيان، تتدرج نحو المستقبل، لكن بطريقة تواترية، يتحكم فيها السرد في عديد المواطن، التي أرادها الراوي أن تكون معلومة لدى القارئ. الكاتب لم ينقل أحداث بداية الثورة التونسية من وجهة نظر توثيقية، بل أراد أن يكون من شهود أيامها الأولى، دون ان يغوص في تفاصيل قد تربك القارئ، وقد تجعل من الرواية سيرة ذاتية دون قصد.

شخصيات رمزية
تدور أحداث الرواية حول ثلاث شخصيات رئيسية، هي تاج نوح وسلطان أسطون ونورية أرتاخو. تاج نوح شخصية محورية دائمة الحضور بغيابها، يعدم نفسه بنفسه، يعرّفها الكاتب بقوله: “تاج نوح، 55 سنة من مواليد وادي العسل، لون عينيه: من لون عيني أمه، كستنائي، الحالة المدنية: أعزب، متزوج وطليق، هوايته: الحرث في البحر، سوابقه: إهدار طاقة في إشعال كومة تبن، إهمال عيال وإيذاء نفس أثناء مباشرة حلمها، مؤهلاته العلمية: خريج كلية طلاَّبها أَساتذتها (…) المشروع المزمع بعثه: بناء سجن لِإيواء المجرمات من بنات أَفكاره والمجرمِين من أَبطال روايته؛ المدّة المقْتَرحةُ لِإِنجاز المشروعِ: أَلف ليلة وليلة؛ التّكلفةُ الجملِيّةُ للمشروع: أَعصاب مدمّرة بالجملة وبالتّفصيل؛ ما المطلوب؟: دعمه، معنويّا، على الأَقَل وإخراجه بريئا من غياهب السّجن الذي بني وزجّ بنفسه فيه”.

الرواية تدخلنا عالم الوحشة والريبة والتوجس من كل شيء 

وتاج نوح يسرد سيرته ويطرحها كالتّالي: “لماذا أذهب بعيدا؟ أنا نفسي مادة تروى. انسوا قليلا أنّني تاج نوح، زمّار الحيّ.. ومزّقوا الحجاب وأصغوا إليّ..”. وفي آخر بوح له، وهو يفرغ من رسم لوحته “العازف الأعمى”، أطال الوقوف أمام مرآته. ما أبشعني! قال… وأضاف وهو يفتح النافذة: ومع ذلك، لن أغيّر ما بنفسي وما بـ.. هويّتي.

أمّا سُلْطان أُسْطُون، فهو عديل تاج نوح ومغتصب حياته التي تركها له علّه ينهض بالأعباء عوضا عنه، اشتهر عندما كان تلميذا، بـ”أسطى سلطان أسطون”. هكذا كان زملاؤه ينادونه، أسوة بأستاذ الرّياضيّات الّذي كان يحلو له أن يناديه هكذا لأنّه كان التّلميذ الوحيد القادم من عاصمة الجنوب صفاقس الّتي غادرها وعائلته.

وأخيرا نوريّة أرتاخو، وهي مستشرقة إسبانيّة، فوجئت وهي في طريقها إلى تاج نوح، في المطار، بأنه قد “مات حزنا على وطنه” لتسير الرّواية في طريق استدعاء الماضي وإرث الأجداد في “بئر أريس”، وأيضا سقوط الأندلس وضياعها على يد “الفرخ” ابن عائشة وبقايا الموريسكيين، وعندها فقط نعرف أنّ تاج نوح موريسكيّ أبا عن جدّ.

استباحة الأوطان
كما يطرح المؤلف قضية بغداد واستباحة الأوطان العربية، من خلال اغتيال الرجل الصّامت خليل الوزير في عقر بيته التونسي، ما آل إليه الوضع هنا والآن بحراك ثوريّ سمّي ربيعا عربيّا فضلا عمّا لحق العالم بأسره كقرية كونيّة من هتك أصاب براءة هذا العالم في مقتل.

إن رؤية يوسف رزوقة للأحداث تتجه صوب المستقبل الذي يراه غامضا، بعد أن تحوّل العالم إلى بؤر صراعات فكرية وأيديولوجية، ماتت فيه الإنسانية واغتيلت البراءة، أرضنا ليست أرض سلام أو محبة، أرضنا أرض خراب وحروب وتقتيل. التناحر في كلّ مكان وشبح الموت يلفّ الحقول والزهور فيحوّل الجمال إلى قبح والأحلام إلى كوابيس.

ما عاد في الأرض مكان لتجسيد الآمال والحديث عن الحب ومحاورات العشاق، لا ملائكة ترفرف ولا قديسون يصلون لأجل الأخوة. الكل صاروا جمادا بلا مشاعر ولا أحاسيس، فقط هو الموت المسيطر على مشاهد الرواية.

كما يبدو يوسف رزوقة متأثرا في هذا العمل بموت حبيبته، التي كان يرى فيها كل معاني الوفاء والتضحية، وهي التي كانت تمثل له كل شيء جميل، وأيضا بريء.

ويوسف رزوقة، كاتب تونسي، له اهتمامات أدبية متعددة تترواح بين الرواية والشعر والكتابة للأطفال واليافعين، وقد أصدر إلى حدّ الآن قرابة ثلاثين كتابا آخرها رواية “مسمار تشيخوف” صدرت مؤخّرا عن “مومنت” بلندن.
* العرب 

شاهد أيضاً

“جوهر الحياة” كتاب جديد للمفكر السوداني النيّل أبوقرون

خاص- ثقافات يلخصّ المفكّر والمجدّد السوداني النيّل أبو قرون في كتابه الجديد “جوهر الحياة” المشروع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *