الرئيسية / قراءات / «ثقوب زرقاء» حياة سفليّة

«ثقوب زرقاء» حياة سفليّة


*نوّارة لحـرش

«ثقوب زرقاء»، عنوان رواية جديدة للكاتب والروائي الجزائري (الخير شوّار) صدرت مؤخَّراً عن دار العين في القاهرة. رواية تحكي حياة ويوميات متشرِّد فاقد للذاكرة، يعيش صراعات وصدامات متلاحقة ومتضادّة مع ذاته ومع هويَّته النفسية المضطربة، التي جعلته يفقد البوصلة بين الواقعي والمتخيَّل، بين الحقيقي والوهمي، وبين الحلم والكابوس. رواية تغوص في الحياة السفلية المعتمة لمتشرِّد مسحوق بالمعاناة والكوابيس، وتستعرضها بكثير من الغرائبية الكابوسية. الحياة في «ثقوب زرقاء» مستحيلة ومنفلتة في جحيم لا يطاق. حياة معطوبة بالانهيار ذاته، تنشد خلاصها بدراماتيكية قاتمة. فهل الجحيم هو التشرُّد؟ هل الجحيم هو اللاذاكرة، واللا حقيقة، واللا يقين؟. هي أسئلة حادّة ومتلاحقة قد يخرج بها القارئ للرواية وفي ذهنه أسئلة أخرى لم يقبض على جمرتها بعد، وربما يحتاج الأمر إلى قراءة أخرى وأخرى كي تَتَّضح الرؤية القرائية أكثر وبأسئلة أكثر حدّة وأكثر تلاحقاً. ما نلاحظه في «ثقوب زرقاء» أن الكاتب (الخير شوّار) -بشكل ما- يتخفَّف في عمله الجديد هذا من تيمة الأساطير التقليدية والموروثات الشعبية المحلّيّة التي اتَّسمت بها تجربته الأدبية سواء في القصة القصيرة والرواية، وهذا ما جعل روايته هذه متخفِّفة قليلاً من بصمة وتيمة الأسطورة. يمكن القول إن «ثقوب زرقاء» تجربة أخرى مغايرة بشكل واضح وجليّ لتجاربه السابقة، وإن كانت الغرائبية أو الكابوسية السوداوية (في أوجهها الأشدّ مأساوية والأشدّ تأزُّماً في شخصيات ونفسيات أبطال الرواية القليلين) حاضرة بقوة في متن الرواية وعلى مدار (92 صفحة)، من خلال بطلها المتشرِّد الذي يعيش تناقضات وصراعات داخلية مريرة، ومن خلال جحيماته الكثيرة. وبشكل ما نجد أن هذه الكابوسية حَدّ الغرائبية في «ثقوب زرقاء» حَلَّت محل أجواء الأساطير. كما نكتشف بين فصول الرواية التي جاءت عبارة عن أرقام (واحد، اثنان، صفر) والمفتوحة على كوابيس أكثر وأحلام أقلّ، أن هناك عدسة ما في الرواية، وظيفتها أن تلتقط واقعاً سوداوياً كابوسياً، وتعرضه على القارئ بصيغ وصياغات مختلفة ومتعدِّدة، وبشكل متواتر ومتوتِّر تسلِّط الضوء على تفاصيل (متشرِّد) يهرب من المجتمع ومن ذاته ومن ذاكرته، ويلجأ إلى (القصر المهجور المسكون بالأشباح)، كأنه يجد فيه ملاذه في عزلة صاخبة بالأشباح، وفي حياة أقلّ ما يُقال عنها أنها شبحيّة ومعتمة. هذا المتشرِّد الفاقد لذاكرته مستسلم لحالته وانفصامه، إذ لا يسعى لاستعادة ذاكرته أو توظيفها وقت اللزوم. هل لأن النسيان ضرورة يراها المتشرِّد أفضل لواقعه وحاله؟ وهل لأنه يعتقد ويؤمن أنه كثيراً ما يحدث أن تصبح الذاكرة بلا نفع أو جدوى؟. نقطة أخرى كانت مختلفة في سياق حضورها في متن الرواية، وهي أن الجنس في «ثقوب زرقاء» لم يكن شبقياً أو وعاءً للمتعة فقط، إنمّا كان احتماءً من ألم الذات وكوابيس الحياة، كان كأمان ما، وكخلاص مؤقَّت.

«ثقوب زرقاء»، رواية فيها اشتغال على الحكاية والحكاية المتداخلة، فيها من الصحافة ومن الأدب ومن السيرة أيضاً، لكنها سيرة مقتضَبة، لم تحمل زخماً كثيراً من ملامح وتفاصيل كاتبها (الخير شوّار). الذي قال إنه لم يشأ كتابة سيرته الشخصية، ولو أن بعضها متضمَّن في هذه الشخصية أو تلك من شخصيات وأشخاص الرواية. هذا الاقتضاب المتعمَّد من الكاتب في سرد سيرته والإفصاح عنها بشكل شحيح وغامض وقليل، جاء في سياق أن الكاتب شوّار يحبذ التلميح لا التصريح في ما يتعلَّق بالكتابة عموماً، وبالسيرة على وجه الخصوص. وهي أيضاً متخفِّفة من الشخصيات، بمعنى آخر هي مقتصدة في الشخصيات وأيضاً مقتصدة في اللغة، لكنها مسترسلة ومكثَّفة في الأحداث والكوابيس.

«ثقوب زرقاء» التي زاوجت بين الواقعي والمتخيَّل، بين الغرائبي والكابوسي، جعلت الواقع فيها يتعانق، ويتساوق، ويتضاد مع الخيالي والغرائبي بطريقة تشدّ أعصاب القارئ وتربكه في كثير من اللوحات والمشاهد التي شكَّلت متن هذه الرواية. وأكثر من هذا تُدخله عنوة ودون إدراك مسبق في متاهتها المليئة بالكدمات الزرقاء، كدمات على مستوى الروح، والذهن، والحياة العاطلة عن الأحلام، وفي المقابل الطاعنة في التعاسة والضياع والألم الدامي. وبسبب كل هذه الدوّامات المتلاحقة المؤذية على المستويين النفسي والروحي لشخصية أو لشخصيات الرواية، وبشكل مستطرد يجد القارئ نفسه تائهاً وضائعاً ومُشَتَّتاً في أحداث حكاياها وفصولها، وفي حالة يصعب عليه فيها حتى الربط -أحياناً- بين أحداث الحكاية المتشعِّبة/المُتعِبة، أو بمعنى آخر الربط بين كوابيسها وأشباحها وتناقضات وتضادات المصائر التي تعيش أقسى حالات الضياع والأسئلة المربكة.

رواية ممتعة، وعلى قدر سوداويتها تجعل القارئ الذي انخرط فيها حَدّ الضياع، يجتهد في الخروج من دوامتها دون أن يفقد إحساسه بالذات وبالحياة.
_________
*الدوحة

شاهد أيضاً

“الرجيف” للنوايسة: طقسٌ روائيٌّ مغايرٌ يلوذ بالإشارات والرموز

خاص- ثقافات محمد جميل خضر* من غير الشائع أن يلج قارئٌ ما إلى روايةٍ ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *