الرئيسية / قراءات / “مرتبطون”..كتاب يبحث في قوة الشبكة الاجتماعية وكيف تشكل حيواتنا

“مرتبطون”..كتاب يبحث في قوة الشبكة الاجتماعية وكيف تشكل حيواتنا




*سناء أبو شرار


( ثقافات ) 
ما يُميز العالم الغربي ليس فقط التطور التكنولوجي ولكن أيضاً أن الباحثين الاجتماعيين بهذه المجتمعات يراقبون ويدرسون التطورات النفسية والاجتماعية التي تترافق مع التطور التكنولوجي ، وتتتبع التطورات الاجتماعية التي يمر بها المجتمع. نحن ننتقد المجتمعات العربية لعدم وجود ما يكفي من الأبحاث العلمية ولكننا يمكننا أيضاً أن ننتقده وبشكل كبير بسبب الإهمال الكبير للدراسات والأبحاث الاجتماعية في مجتمعات متغيرة وتخضع لتأثيرات عديدة علماً أن الأبحاث الاجتماعية لا تحتاج لتكاليف باهظة كالأبحاث العلمية ، لذا لفت نظري هذا الكتاب حول علاقات الناس ببعضهم البعض وتأثير ذلك على الفرد والمجموع بظل تغيرات اجتماعية واقتصادية متسارعة.
يفند الكاتبان وبشكل دقيق العلاقات البشرية الاجتماعية في الكتاب الذي يقع بـ333 صفحة، وتم تأسيسه بناء على أبحاث ودراسات استمرت لسنواتٍ عديدة وعلى شرائح واسعة من الأشخاص، وأترجم الأفكار الأكثر قرباً من ثقافتنا العربية مع علمي الأكيد بأن تأثير الثقافة الغربية لم يعد مجرد ظواهر فردية بل أصبح سلوكا ونمط حياة بل وعقيدة بالنسبة للبعض.
المشاعر
كل أنواع المشاعر السعيدة أو التعيسة يمكن أن تنتشر بين شخصين أو أكثر أو مجموعة أكبر من الأشخاص، بالنتيجة فالمشاعر لها أصل جماعي وليس فردي فقط، ما تشعر به يعتمد على ما يشعر به من أنت مرتبط بهم. الناس في العالم لديهم أفكار ومعتقدات مختلفة ولكن لديهم مشاعر متشابهه وردود أفعال متشابهه مثل تفضيل الأصدقاء السعداء على الكئيبين، والرحماء على القاسين والمُحبين على العنيفين، مهما كان ما يبحث عنه الأشخاص فإن شبكة العلاقات تعتمد على جذب من يُشبههم وهو ما يُنافي أن الناس يتقابلون ويختارون بعضهم البعض وفقاً للحظ أو الصدفة .
الزواج
في دراسة أجريت على حوالي 49.1 من الأزواج تمت متابعتهم خلال 8 سنوات ، اتضح أن الزواج السيء يُسرع من تدهور الصحة مع التقدم في العمر وهو يتعلق بالتواصل السلبي مع الزوج أو الزوجة ويُشكل ثقلا أكبر على جهاز المناعة ، وبالنتيجة فإن موت الزوج الذي لا يحب الزوجة ولا يهتم لها أو الذي لا تحبه الزوجة ولا تهتم به لا يؤذي الصحة لهذا فمن غير المفاجئ أن نمضي وقتاً طويلاً في البحث عن شريك حياة لأن مواصفات الشريك الذي نرتبط به سوف يكون له الأثر الكبير على كل تفاصيل حياتنا.
مرحلة البلوغ
اتضح من خلال الدراسات أن الأطفال الذين يواجهون مشاكل في مرحلة البلوغ يعانون من عدم وجود نظام بحياتهم ولا مراقبة أو اهتمام بهم وكذلك نقص في الاتصال بين الأطفال وآبائهم.
ميكروبات
الميكروبات ليست فقط الأمراض التي تنتقل من شخص لآخر، كذلك التصرفات تنتشر بين البشر؛ مثلاً الرفاق يؤثرن على المراهقين سواء بعادات الأكل أو بسلوكياتهم الأخلاقية وكذلك الغرباء يؤثرون علينا، فحين نجلس في مطعم بجانب أشخاص يأكلون كثيراً سوف نأكل كثيراً أيضاً، وهو التأثير دون وعي واسمه (الأكل دون عقل) (mindless eating)
ويبدو أننا لا نستطيع إلا أن نُقلد الآخرين حتى ولو كانوا بعيدين عنا عن طريق التأثيرات النفسية والعقلية.
التأثر بالبدانة
هل البدانة مُعدية؟
عندما يكون الناس أحرارا بما يفعلون فإنهم يُقلدون بعضهم البعض، وعندما نرى شخص يأكل أو يركض فإن نفس الانفعالات لدينا تتحفز في الدماغ كما لو كنا نحن من يأكل أو يركض.
في السنوات العشرين الأخيرة حصلت تغيرات كبيرة حول حيوية الإنسان ، الختراعات، والجلوس كثيراً والتسلية والتحولات الاقتصادية والخدمات وكذلك تحولات دراماتيكية باستهلاك الأكل بسبب انخفاض سعره وتوفر كميات كبيرة منه . والتقليد يمتد للتدخين وتناول الكحول سواء من الأشخاص القريبين أو الأبعد ، ولقد وُجد أن الأصدقاء يؤثرون على بعضهم البعض أكثر من الأزواج بالنسبة للبدانة وأن الأصدقاء من نفس الجنس يؤثرون على بعضهم البعض أكثر من الجنس الآخر.
واتضح أن شرب الكحول يبدو أكثر تأثيراً من قبل المرأة فإذا كانت المرأة تشرب فعلى الغالب أن زوجها وصديقاتها سوف يتبعونها ولكن حين يشرب الرجل فإن ذلك له تأثير أضعف على مُحيطه ويبدو أن النساء هن مفتاح الانتشارعلى شبكة النت. وكما أن البدانة مُعدية فالسعادة يمكن أن تنتشر كذلك ألم الرأس والتعب أو الحكة.

الانتحار
عدوى الانتحار قد تكون الأثر الأكثر تدميراً لقوة شبكة النت، وتزداد هذه الظاهرة بسبب وجود أشخاص آخرين يحفزون هذا الميول، وهي توجد في المجتمعات الفقيرة والغنية وتوجد منها حالات فردية وأخرى جماعية منظمة؛ إذ لوحظ بعد عدد من الدراسات وجود حالات انتحار حين يتم نشر مقال أو رواية توفر أسبابا منطقية للانتحار.
” هناك من يجعلني أشعر بالمرض”
إنه تعبير دارج ولكنه يعكس حقيقة ، فصحتنا تعتمد على أكثر من حالتنا البيولوجية أو حتى اختياراتنا وردود أفعالنا ، كذلك تعتمد على بيولوجية وردود أفعال من حولنا؛ القيمة الرديكالية الفردية الغربية تقول بأن الإنسان سيد قدره ، وأنه بإجراء التغيير حول ما نأكل وما نتصرف سوف تتحسن فرص حياتنا وأنتاجنا العقلي، ولكن الصورة أكثر تعقيداً فالشبكة الإجتماعية تؤكد أن ما يحصل للآخرين سواء كنا نعرفهم أو لا يؤثر بنا .
مفتاح أساسي، ما يتم إنفاقه في تحسين صحة موظف ما يُسهم بتحسين صحة من حوله سواء أفراد عائلته أو زملائه ، فهمنا للسلوك الاقتصادي يتطلب منا معرفة أن أي رجل أو امرأة ليسوا جزرا منفصلة فالأشخاص مترابطون وصحتهم وكونهم بحالة جيدة مترابط أيضاً.
قوة العلاقات الضعيفة
توضح الدراسات أن الصلات الضعيفة تشكل جسورا من مجموعة لأخرى، فوجد أن أغلب العمال يجدون عملا بواسطة زميل قديم أو موظف سابق يعرفونه وكذلك يجد الأشخاص اصدقاء أو أزواج بواسطة علاقات اجتماعية ضعيفة وليست بالضرورة قوية. 
مرتبطون سياسيا
في ليلة انتخابه قال أوباما في خطابه: “لم أكن المُرشح الأكثر حظاً في هذا المنصب ، لم نبدأ بمبلغ مالي كبير ولكن بنينا بواسطة عدد من الرجال والنساء الذين قدموا خمس دولارات أو 10 أو 20 دولارا” وكان مبلغ ما حصل عليه 600 مليون دولار من أكثر من 3 ملايين شخص . أدرك أوباما ومنذ البداية أهمية الإنترنت فمرشحوه كانوا يتواصلون عبر الرسائل الإلكترونية والتليفون أكثر من مرشحي كلينتون.
السلوك الإنساني والجينات
اتضح من الدراسات أن الجينات لها علاقة بكون الأشخاص اجتماعيين أم لا وأيضاً تؤثر على مكاننا في الشبكة الاجتماعية الواسعة المحيطة بنا فالشخص الذي لديه شبكة اجتماعية أوسع يكون لديه أيضاً تنوع جيني أكثر ثراء من الشخص المنعزل، والجينات لا تؤثر فقط على عدد لأصدقاء بل وعلى مكان الشخص في الشبكة هل هو على أطرافها أو في المركز منها. 
العنصر الوراثي يؤثر أيضاً على كون بعض الأشخاص جذابين أكثر من غيرهم سواء لمظهرهم الخارجي أو لصفات خاصة كما وتؤثر على كونهم بدناء ، مدخنين ، يميلون للسعادة أو للتعاسة أو حتى على التوجه السياسي.
الوحدة
الجينات تؤثر كذلك على القدرة على تكوين علاقات اجتماعية وذلك حسب الحالة العاطفية والشعورية ، الشعور بالوحدة ينتج عن تعارض بين الرغبة بالتواصل الإجتماعي وبين الواقع الاجتماعي الذي يحياه الشخص، فإنه من المحتمل أن جيناتنا تؤثر على نظام حياتنا الاجتماعي وعلى أمزجتنا.
كم من الأصدقاء يمكن أن يكون لديك؟
رغم ادعاء البعض أن لديه المئات من الأفراد فإن العقل البشري لا يستطيع التواصل سوى مع عدد محدد من العلاقات، إن التواصل ليس العنصر الأساسي الأهم هو القدرة العقلية البشرية لتتبع العلاقات الاجتماعية ومعرفة من يتواصل مع من.
التواصل عبر النت، حقيقة أم خيال؟ 
شيء واحد يميز عالم النت هو القابلية لتقديم صورة مخالفة للواقع ، فالشخص غير الجذاب يمكن أن يقدم نفسه كشخص جذاب ويُجري التغييرات السهلة لذلك ، بهذا يوفر العالم الخيالي الفرصة لمن لايكون لديه الثقة بالنفس أن يُصبحوا مركز أهتمام ولو من خلال العالم الخيالي. 
التواصل عبر النت يُفرز نفس النتائج والظواهر التي تدور في العالم الحقيقي سواء من حيث الطمع ، المشاعر ، المنفعة الشخصية أو الخيانة.
ولكن هذا التواصل قد يؤدي بنا إلى فقدان الخصوصية وذلك باستبدال الأصدقاء المقربين بعلاقات ضعيفة وهشة عن بعد. الكثيرون ممن يتواصلون عبر النت يخلقون عالما خياليا لا يمت للواقع بصلة ويعرفه أحد المفكرين :(تواجد عدد كافٍ من الأشخاص يوافقون على هذا الواقع المستحيل فيتحول إلى حقيقة).
ومشكلة أخرى تتمثل بأن هذا التواصل السهل يوفر أعدادا غير محدوده للتواصل معها وهذا التواصل له ثمن ، لدى وجود أشخاص أصحاب نوايا ونوازع شاذة أو غير أخلاقية خصوصاً بالنسبة لصغار السن؛ فحوالي 50% من عناوين الإيميل في أمريكا لأشخاص مجهولين يتجولون عبر غرف المحادثة والمواقع المختلفة دون رقيب وهذا التواصل السهل يوفر فرصة اجتماعية جيدة لمن يعانون من العزلة أو الخجل ولكنه وبنفس الوقت قد يروج لأفكار خطيرة مثل مرض النحافة (أنوركسيا) ، الانتحار، التخريب ، الشذوذ الجنس، الفوضى ، التخريب ، التطرف أو العنصرية.
كما و أن مشاعر الغضب والرغبة بالانتقام تكون ذات المشاعر التي تنتاب الشخص في العالم الحقيقي ، والتأثير الاجتماعي ينتشر على النت كما في العالم الحقيقي ولكن بعض الأشياء تنتشر بسهولة أكبر مثل عادات الطعام والتدخين وتأثير الأصدقاء.
تأثير النت
يمكن اعتبار النت من أشد الوسائل تاثيراً على السلوك البشري ، خصوصاً على صغار السن وتقليدهم لبعضهم البعض ففي السابق كان التأثير يتم بشكل بطيء وبصورة أصعب ولكن حالياً يتم التأثير عبر الضغط على زر صغير. مثال على هذا التأثير :
المرض النفسي المتمثل بإحداث جروح في الجسد ، فقد تم ارسال 400 رسالة تتضمن طرق إحداث هذه الجروح مما زاد من عدد من يقومون به بصورة مأساوية خصوصاً أن هذه الرسائل تأخذ مظهرا جذابا ومتعاطفا ، كذلك بالنسبة لأي شذوذ أخلاقي فيمكن أن يجد صاحب هذا الشذوذ الدعم النفسي والإجتماعي عبر النت مما يزيد من انتشار هذه الظاهرة لأن هناك من يبررها ويدعمها. وكذلك بالنسبة للسلوك الإجرامي وطرق تنفيذ الجريمة، أو أجراء عمليات التجميل التي لا ضرورة لها ، أو التسويق لمنتجات التنحيف ولوصفات طبية مشبوهه.
حقيقة
الحقيقة الأكيدة هي أننا نأخذ حياتنا الواقعية إلى عالم النت عبر الفيس بوك حيث توجد شبكة علاقات غير محدودة لأشخاص نعرفهم أو يمكن أن نعرفهم وإن التأثير الاجتماعي عبر النت ينتشر كما في العالم الواقعي وأن شبكة العلاقات عبر النت لها حياة خاصة بها تتطور ، وتتشوه، وتموت، وتتحول أو تختفي والتواصل عبرها له نتائج تتجاوز حدود ما يمكن التكهن به ، بل إن العلاقات الواقعية يمكن التكهن بنتائجها ولكن كل ما يدور في العالم البصري من خلال النت هو عالم يبدو مجهول النتائج مهما كانت الثقة الممنوحة له خصوصاً حين يتم التصرف بعفوية تحت ذريعة كونه مجرد عالم خيالي يتحرك من خلال شاشة جهاز الكتروني.
تعليق أخير
لا يمكن ترجمة جميع صفحات هذا الكتاب في مقال مختصر ولكننا في عالم مترابط حتى ولو كان يبدو أن كل منا يعيش حياته ، نحن نتجاهل هذا الترابط ولكنه يفرض ذاته ويُفاجئنا بنتائجه ولو بعد سنوات…
وأخيراً فإنه قد آن الآوان لكل عائلة أن تدرك أن ما يتعامل معه أولادنا ليس تكنولوجيا متطورة تنمي الذكاء، بل عالم كامل يتضمن كل ايجابيات وسلبيات العالم الواقعي ولكن خطورته تبدو أكبر لأنه يكمن صامتاً وضئيل الحجم في كل زاوية من بيوتنا. 
والأخطر هو أننا نتأثر بكل التطورات التكنولوجية ولا يترافق ذلك مع دراسات اجتماعية حول تأثير ذلك على المجتمع والفرد فنقف عاجزين أمام مشكلات معاصرة لمن حولنا نعرف ظواهرها ولكن لا نعرف أسبابها أو كيفية علاجها ويبدو أن فئة الشباب هي الأكثر تأثراً بهذا التناقض الثقافي والشخصي والفكري المعاصر غير المترافق مع فهم علمي لظواهر اجتماعية معقدة انتابت مجتمعنا بشكل متسارع.
__________

الكتاب: 

Connected- مرتبطون

owler, PhD – دكتور مساعد في جامعة كليفورينا 
2009

Nicholas A. Christakis, MD, PhD – دكتور في جامعة هارفرد
James H. F

________
* كاتبة من الأردن 

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *