الرئيسية / قراءات / «ماكبث» لويليام شكسبير: أليست مسرحية الشرّ المطلق؟

«ماكبث» لويليام شكسبير: أليست مسرحية الشرّ المطلق؟


*ابراهيم العريس

من المؤكد اننا لو تأملنا العدد الأكبر من الأعمال الإبداعية في تاريخ الفن وتساءلنا عن العمل الذي يمكن ان يكون من بينها جميعاً، الأكثر امتلاء بالشر، وربما ايضاً الأكثر «احتفالاً» به حتى من دون ان يكون مجبّذاً له، سنجدنا أمام تلك المسرحية الشكسبيرية الرائعة التي لا تزال حتى اليوم بعد قرون طويلة من السنين مرت على تقديمها للمرة الأولى في حياة صاحبها، شاعر الإنكليز الأكبر، تعتبر واحدة من أكثر المسرحيات حداثة ومعاصرة وتعبيراً، الى درجة ان فنانين كثراً من بعد شكسبير اقتبسوها لتتماشى مع ازمانهم فاجتازت الإمتحان بنجاح مذهل: إنها مسرحة «ماكبث» من دون منازع، التي تحتل هذه المكانة.

صحيح ان «هاملت» بالنسبة الى الكثيرين المسرحية الأهم التي كتبها ويليام شكسبير (1564- 1616). ومع هذا يرى كثيرون أن «ماكبث» أكثر ارتباطاً بالإنسان ودلالة على نوازعه. بمعنى أن «ماكبث» هي المسرحية الإنسانية الأولى في تاريخ الكتابة المسرحية. أي المسرحية الأولى والأكبر التي جعلت من الشرّ موضوعاً لها. الشرّ كمسؤولية بشرية لا كمسؤولية آتية الى الإنسان من خارجه.
من الصعب طبعاً، في مثل هذه العجالة، المقارنة بين شخصيتي هاملت وماكبث، ولكن يمكن، باختصار، القول إنه بينما تدور الصراعات بين الأهواء والنوازع في «هاملت» داخل روح الأمير الدنماركي الشاب، ما يخلق لديه ذلك التوتر والتردد اللذين صارا علامة أساسية من علامات الخلق البشري المعبر عنه في الفن، فإن ما يحرك ماكبث ليس تردده أو أية صراعات داخلية. ما يحركه هو نزعة الشر التي إذ تدفع الإنسان الى القتل وإلى التعطش الى الدم، تقتله في الوقت نفسه. لأن ما نشاهده أمامنا على المسرح في «ماكبث»، إنما هو سقوط ماكبث نحو الجريمة وفي الجريمة. غير أن هذا البعد، يبقى محملاً في الخلفية الفلسفية للعمل، أي انه لا يلامس المجرى الحقيقي للأحداث التي ربما كان السينمائي أورسون ويلز، واحداً من قلة أخذتها من شكسبير كما ينبغي لها أن تكون.
 إن لدينا، في كل الأحوال، الحكاية المعهودة نفسها عن القائدين العسكريين ماكبث وبانكو، عائدين من المعركة منتصرين الى الوطن الاسكتلندي، حيث يلتقيان في طريقهما بالساحرات الثلاث، اللواتي يتنبأن لهما بالمجد والسلطة وإن على عرش من الدماء. وتقول النبوءة كما نعرف ان ماكبث سيعتلي بنفسه عما قريب عرش اسكتلندا، غير أن ورثة بانكو هم الذين سيتولون هذا العرش من بعده، لا ورثته هو. ولاحقاً، حين يكون دانكان، الملك الحالي، في زيارة لماكبث في قلعة هذا الأخير، يندفع ماكبث بتحريض من زوجته، وبعد تردد طويل منه يتناقض مع طموحاته البيّنة، الى ارتكاب تلك الجريمة الدامية التي تحقق الجزء الأول من النبوءة: إنه يقتل الملك في جريمة نكراء تسجل، على أي حال، أول هبوط له الى جحيمه. مهما يكن، فإن ماكبث لن يبدو هنا غافلاً عن أن تحقّق النبوءة الأولى سيعني – بالضرورة – تحقّق ما يليها من نبوءات. ومن هنا، حتى يحول ماكبث دون التخلّص منه ومن ورثته، وتسلّم أولاد بانكو للعرش، يقدم على مذبحة كان يتوخى منها أن تخلصه من هؤلاء. إنه طبعاً من قتل بانكو، لكن فليانس، ابن هذا الأخير يتمكن من الإفلات بجلده ويهرب. وهنا يستدعي ماكبث الساحرات الثلاث كي يقلن له ما الذي سيحدث بعد ذلك… وكيف قد يتمكن ابن بانكو من الحلول على العرش مكانه، الآن وقد أتى مقتل بانكو، ليلغي الفكرة من أساسها. عن هذا السؤال يأتي جواب الساحرات، كما كان في المرة الأولى: ان أي شخص ولد من بطن امرأة لن يجرؤ على إيذاء ماكبث…
 لسنا في حاجة هنا الى التوسع في رواية ما يحدث في فصول هذه المسرحية التي كتبها شكسبير في العام 1606، بعد خمس سنوات من كتابته لهاملت، مستنداً فيها الى بعض التواريخ الاسكتلندية. ولكن لا بد من التذكير بأن في النبوءة أيضاً أن بانكو يلد الملوك من دون ان يكون هو ملكاً، وهذه النبوءة يجب ان تتحقّق بدورها. ولكن حتى هنا تبدو «ماكبث» اشبه بتلك التراجيديات الإغريقية المليئة بالنبوءات وبمشيئة الأقدار. غير أن الجديد هنا، الإنساني المفتتح لعصر الفنون المرتبطة بالنوازع البشرية النابعة عن الإرادة البشرية، هو وصول النبوءة الى الليدي ماكبث. فلئن كان ماكبث نفسه ارتعب أمام ما تنبأت به الساحرات واعتبره تخريفاً. فإن الليدي تتعامل مع الأمر في شكل مختلف: منذ البداية تجعل من نفسها المحرّض على الجريمة، وهي إلى حد كبير تقترفها أيضاً. وهكذا لا تعود مشيئة الأقدار قابلة للتنفيذ إلا من طريق وسيط هو الجشع البشري الذي تمثله الليدي ماكبث وتجر زوجها فيه الى جحيمهما. من هنا ليس غريباً، أن تكون إحدى أكثر عبارات المسرحية إثارة للرعب، تلك التي تقول إن «عطور الجزيرة العربية كلها لن تكون قادرة على تطهير يد الليدي ماكبث» ممّ؟ من بقعة الدم التي تركتها الجريمة عليها.
 في «ماكبث» وحسب تحليل مبدع للبولندي يان كوت (نقله الى العربية جبرا ابراهيم جبرا) في كتاب «شكسبير معاصرنا»، التاريخ والكابوس صنوان لا يفترقان. التاريخ، تاريخ الجريمة، والكابوس، كابوس العقاب والهبوط الى الجحيم. والمسألة هنا «قرار واختيار وقسر». الجريمة هنا ترتكب على مسؤولية الفرد الشخصية و «عليه أن ينفّذها بيده هو» وهكذا فإن القائد ماكبث إذ يقع تحت تأثير تحريض زوجته يقتل دانكان بنفسه. وهذا ما يجعل «التاريخ في المسرحية مضطرباً كما الكوابيس» إذ يقول ماكبث: «لقد خطوت في الدم بعيداً، فحتى لو لم أخض المزيد لكان النكوص مرهقاً كما المضيّ». لم يعد في إمكان ماكبث أن يتراجع. ليس لأن الأقدار فرضت ذلك عليه، بل لأن تلك هي شيمة الرجال وماكبث لا يفوته هذا إذ يقول في حوار مع زوجته: «أرجوك كفى، إني أجرؤ على أي فعل يليق برجل، ومن يجرؤ أكثر مني فهو ليس برجل».
 مسرحية «ماكبث» في نظر الباحثين هي «في سيكولوجيتها، أعمق مآسي شكسبير». وتحديداً لأن الشخصية الرئيسية فيها هي ليدي ماكبث، تلك، التي بحسب يان كوت «تنتقم لهزيمتها في الحب وفي الأمومة»، جارّة ماكبث الى الجريمة، الى الكابوس، بعيداً من النوم. ولعل أهم ما لاحظه الكثيرون هو أن الكلمتين المسيطرتين أكثر على ماكبث هما «الخوف» و «النوم». الخوف كلي الحضور أما النوم فغائب تماماً. لأن ماكبث، إذ اقترف جريمته، ليس في إمكانه أن يسلم أمره الى الآلهة ويعتبرها، كما لدى الإغريق، مسؤولة عنه. المسؤولية مسؤوليته، وما يرعبه ويحرمه النوم ليس خوفه من العقاب. أبداً. ما يرعبه هو أنه كان قادراً على ارتكاب الجريمة، وبكل بساطة، أما العقاب فلربما سيكون هو خلاصه، لا نهايته. جريمة ماكبث ليست امراً، إلهياً، إنها ثورة على الأمر الإلهي. ثورة تجعل الظلام يعمّ والتاريخ يتوقف والجريمة شريعة الإنسان… الجريمة باعتبارها أولاً وقبل أي شيء آخر جريمة ضد النوم… لأن ماكبث، إذ يقترف جريمته الأولى، لا يعود أمامه لكي يخرج من كابوسه، إلا أن يَقتل ويَقتل حتى اللحظة التي يُقتل فيها، فهل نحن بعيدون كثيراً من شريعة العنف والسلطة في القرن العشرين؟ وهل نحن بعيدون من مأساة الإنسان منذ الأزل؟ وهل ثمة عمل أدبي وصل فيه الشر الى ما هو أبعد من هذا؟
 في هذا الإطار، وتحديداً في سياق الإجابة عن مثل هذه التساؤلات التي يولد واحدها من رحم الأسئلة الأخرى، تتخذ مسرحية ويليام شكسبير (1664 – 1616) اهميتها القصوى لتجد من يراها أكثر عمقاً من أعمال كثيرة أخرى لمبدع مدهش حملت توقيعه على اية حال مسرحيات عديدة أخرى لا تزال تفتن إنسان اليوم وتضعه أمام اسئلة حائرة… ونحن نقول هذا بالطبع ونفكر، على الأقل، في أعمال تراجيدية وتاريخية لشكسبير تحمل عناوين مثل «هاملت» و «الملك لير» و «يوليوس قيصر» و «ريتشارد الثالث» و «روميو وجولييت» و «العاصفة» وغيرها.
_______
*الحياة

شاهد أيضاً

“الرجيف” للنوايسة: طقسٌ روائيٌّ مغايرٌ يلوذ بالإشارات والرموز

خاص- ثقافات محمد جميل خضر* من غير الشائع أن يلج قارئٌ ما إلى روايةٍ ما …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *