الرئيسية / إضاءات / عن الكاتب في عمر معين.. والنص بلا صورة المؤلف

عن الكاتب في عمر معين.. والنص بلا صورة المؤلف


*فاي ويلدن/ترجمة: ميادة خليل

عندما بدأت الكتابة للدراما التلفزيونية في الستينيات, كان من البديهي أن كلما زادت الجذب الجنسي الذي تقدمه الأناث, زاد نسبة المشاهدة. الشكل أبسط ما في الأمر بالنسبة للمخرج, فبينما هو يقلب المشاهد ينظم ويختار ما يعجبه. المسرح لم يكن مختلفاً. عندما كتبت مسرحيات في السبعينيات, كان من المفهوم عندما تتحاور امرأتان في منتصف العمر على خشبة المسرح, فأن الجمهور يعطس وينتقل من كرسي الى آخر, ولكن إذا تحدث رجلان من أي عمر, فأن الجمهور يولي اهتماماً أكثر. وإذا كان هناك رجل شاب وامرأة شابة لوحدهما على خشبة المسرح, فسوف تسمع صوت الأبرة إذا سقطت على الأرض.

لم يتغير الكثير منذ ذلك الوقت.الشباب, النساء البالغات يجذبن الانتباه, النساء المسنات لا يجذبن الانتباه ــ في الشارع, كما على الشاشة, على خشبة المسرح, وأخشى بالنسبة للروائي أيضاً, على الورق.
أُدّرس الكتابة الأبداعية في جامعة باث سبا في انكلترا. فمن الطبيعي بالنسبة لطلابي أن يهتموا بجيلهم, أياً كان الحدث. فقط للكاتبة الناضجة يعني هذا إثبات شيء من المشكلة. إذا كانت الكاتبة في الخمسينات من عمرها ومهتمة في تصوير المشاكل الجنسية والأجتماعية للنساء في مثل سنها, عندها سوف تجد صعوبة في الحصول على ناشر. وكيلها ــ وفي أيامنا هذه, غالباً ما يكون أمرأة ـــ سوف يثبط عزيمتها ويقترح أن يكون عمر بطل الرواية عشرين أو حتى ثلاثين عاماً. (الاستراتيجية البديلة, تقديم دور شاب حيوي كحصان مطارد, ويضع الكاتب أفكار أكثر حنكة في فم الشخصية الثانوية, قد يبدو ذلك خداع, ولكن يجب على الروائية الناضجة أن تكون بارعة).
“وعلى الرغم من ذلك الكاتبات المسنات يشكلن الجزء الأكبر في سوق الأدب.” تحتج طالبتي, “من الغريب أنهن لا يرغبن القراءة عن أنفسهن”.
“لا, بل يقرأن” أجبتها ” لكن يحلو لهن الاندماج مع أنفسهن عند الشباب والجمال, الطاقة الجنسية والمغامرات, وعندما كانت الحياة للهو ــ ليس كما هنّ عليه الآن, مع أنتفاخ الوركين وتجعد الرقبة. لما لا يفعلن ذلك؟ محررك يبتعد عندما تشتكين. هي تتبع بالكاد القوانين التي لا ترحم للسوق.
أتذكر عندما بدأت البحث عن ناشر. بدأت الكتابة في أواخر الستينيات ــ في الوقت الذي تحول النشر فيه الى صناعة. العبادة الشخصية كانت قد بدأت أيضاً, والكتّاب لم يعودوا أناساً منعزلين مثل جدي, أمي وعمي, وجميع الروائيين المحترفين. فكرة امتلاك الكاتب صوراً على غلاف الكتاب أرعبتهم: كانوا يعتقدون أن بإمكانهم الكتابة بحرية فقط إذا شعروا بأنهم مجهولين.
جيلي لم يكن لديه مثل هذه المخاوف ــ نحن نصب غضبنا, شخصياتنا الملتوية, ونعرّض أنفسنا الى الهجوم. كنت شابة عندما نشرت كتابي الأول ونجحت بسرعة, حلقت حول العالم على الكونكورد, من اتفاقية دولية الى أخرى. أميل الى الأعتقاد بأن ذلك كان بسبب أني كتبت روايات جيدة, وليس لأني كثفت رموشي, لكن في الحقيقة, ماذا يمكن أن أقول؟ الأشياء تهدأ مع التقدم في العمر. الصور الدعائية تحاول بيأس أن تجعلك جذاب وتحاول أن تجعلك تبدو ذكياً.
لحسن الحظ, مجرد أن تَعلَق بهم لفترة طويلة وتقترب من الثمانين, سوف تظهر على الجانب الآخر من سنوات سن اليأس في داخل مياه واضحة مشرقة ــ مسن بما يكفي لتبدو دائم الشباب, بارد جنسياً مثل حكيم, إن لم تجذب الأهتمام لشبابك, إذن, ستجذب الأهتمام لشيخوختك المدقعة, ومرة أخرى ستكون مقترحاً رائجاً للبيع من قبل الناشرين.
في الوقت نفسه, الكاتبة تبقى في حالة ركود في منتصف العمر وينبغي أن تنظر الى ظهور كتابها الألكتروني على أنه نعمة. هو مثل وسيط مجهول. الكاتب يمكن أن يكون من أي مكان, شاب أو عجوز كما يحلو لها. نوعية النص تظهر بدون رتوش, بدون صورة على غلاف الكتاب. و عليك أن تنشر نفسك ألكترونياً, مع أي فرصة مع ناشر “مناسب”, معجب بمهارتك وأسلوبك, وسوف يحول عملك الى كتاب كما عرفناه ذات مرة, غير مبال لعمرك.
مثل الفجوة بين الأغنياء والفقراء, كذلك الفجوة بين الشباب وكبار السن. الشباب الجدد مستاؤون من المسنون الجدد ــ أولئك الذين يحافظون على شبابهم بالعلوم الطبية بدون الرغبة في قبول التجاهل أو التلاشي بعيداً بأمان.
هناك الكثير والكثير منا, ولا نبدو جميلين مثل الشباب الجدد. نتحرك ببطء, نأخذ طريقهم على الرصيف, نفقد نظاراتنا, لا زلنا متمسكين بموضة القطع النقدية بدل البطاقات, نستلم للأبد الرسائل النصية, ننزعج من طلب المساعدة مع الهواتف الذكية, لا يمكننا السيطرة على الالواح الألكترونية وندخل للأبد في مرحاض النساء. بعد أن دمروا الكوكب, أنقض المسنون الجدد على الفيسبوك وتويتر التي أختارها الشباب من أجل الشباب, في محاولة منهم لبيع كتبنا. بالنسبة للشباب الجدد قد يبدو الأمر لا يطاق, لكن بالنسبة لنا, هي نعمة كبيرة أن يتم انتقادنا بسبب كلماتنا وأفكارنا, وليس بسبب مظهرنا.
* فَاي ويلدن: (ولدت في 22 سبتمبر 1931) كاتبة ومؤلفة مسرحية بريطانية, ارتبطت أعمالها بقضايا المرأة. في قصصها تصور ويلدن عادة النساء المحاصرات بحالات قمعية تسبب فيها البنية الأبوية للمجتمع البريطاني.
المصدر: The New York Times/ العالم العراقية 

شاهد أيضاً

طريق الحكمة، طريق السلام: كيف يفكّر “الدالاي لاما”؟ (4)

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي       يُعدّ الدالاي لاما إحدى أكثر الشخصيات أهمية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *