الرئيسية / إضاءات / حوار مع أليف شفق.. (1)

حوار مع أليف شفق.. (1)


ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي

كلنا نبحث عن الحب ونرى أنفسنا غير مكتملين من دونه

* بوسع الكتّاب و الفنانين شفاء الروح المجروحة والمواهب البشرية المثلومة
* إذا ما استغرقنا الخوف من الماضي فلن يتاح لنا النضوج والارتقاء نحو المستقبل
أليف شفق : روائية وكاتبة عمود وأكاديمية تركية توصف أعمالها بأنها الأكثر مبيعا بين الكتاب الأتراك المعاصرين ،و توصف هي ذاتها بكونها ” بطلة النزعة الكوسموبوليتية Cosmopolitanism و مسكونة بالعمل النسوي الداعي للدفاع عن حقوق المرأة ، و هي روائية طموحة تمازج في رواياتها بين الواقعية السحرية و الأفكار الكبيرة التي تشغل الإنسان على مر العصور . 
ولدت أليف شفق في ستراسبورغ الفرنسية في أكتوبر 1971 و تنقلت بين أماكن كثيرة و من هنا جاء وصفها بأنها ” كوسموبوليتية عابرة للثقافات و الأمكنة ” و قد ترجمت كتبها الى ما يقارب 39 لغة و نالت وسام الفنون و الآداب الفرنسي عام 2010 و نشرت 12 كتابا من بينها 8 روايات أهمها : ( التحديق ( 2006 ، ( لقيطة إسطنبول 2008 ، ( قواعد العشق الأربعون : رواية عن الرومي ) 2010 . 
تمتلك أليف شفق سمة فريدة في قدرتها على المزاوجة بين التقاليد الشرقية و الغربية في القص و تركز على موضوعات قصص النساء و الأقليات و الهجرة و المهاجرين ، والثقافات الفرعية و الشباب و تطلعاتهم الجامحة ، و تعكس كتاباتها شغفا عميقا بالتأريخ والفلسفة و الصوفية و الثقافة الشفاهية و السياسات الثقافية ، كما ان لها قدرة استثنائية على نقل ما يدور في العالم السفلي و الشوارع الخلفية المسكوت عنها غالبا و خاصة في العوالم الإسطنبولية الآخذة بالانخراط في فخ العولمة حيث تتصارع الثقافات و التقاليد و ينشأ عن هذا الصراع حزمة كاملة من إشكاليات التصارع المعهودة في الأدبيات الخاصة بالثقافة المعولمة.
انجذبت أليف شفق بقوة إلى عالم التصوف المبهر منذ ان كانت طالبة جامعية في بداية عشرينات عمرها و قد كتبت روايتها ( قواعد العشق الأربعون ) لتكون قصة حب معاصرة بين ربة بيت يهودية – أمريكية و رجل يعشق التصوف يقيم في أمستردام ، تقول أليف عن التصوف : ” كلما قرأت أكثر عن التصوف كان عليك ان تتعلم الإصغاء أكثر ” . 
الحوار الآتي هو حصيلة إجابات أليف شفق عن أسئلة منتخبة من قسم الحوارات في موقعها الإلكتروني على الشبكة العالمية .
_______
الحوار
* تحكي روايتك ” لقيطة إسطنبول ” عن عائلتين وأربعة أجيال من النساء . ما الذي دعاك إلى الكتابة عن شخصيات نسوية مؤثرة مثل هذه ؟
-لطالما فتنتني الحكايات التي تتناقلها النساء عبر الأجيال و التي ترويها الأمهات لبناتهن ، فالنساء كما أرى راويات بارعات للحكايات و كانت الحكمة النسوية المؤسسة على الثقافة الحكائية الشفاهية مصدر الهام لي على الدوام ، فقد تحدرت أسرتي من جذور عائلية تخضع لنظام باترياركي نموذجي كان هو السائد في تركيا لسنوات طويلة و نشأت أنا تحت رعاية أم تدير أمور العائلة بمفردها و قضيت كثيرا من الأوقات محاطة بالنساء : الجدة ، العمات ، الجيران و لم يكن ثمة أب في البيت لذا كانت لي معرفة مبكرة بكل الخبرة الثمينة التي تختزنها النساء في حيواتهن و إن كانت خبرة خانعة أحيانا
* هل ترين هناك مؤثرات ما على حياة النساء تنشأ عن غياب الرجال في حياتهن كما هي الحالة مع عائلة ” قزانجي ” التي ترد في روايتك ( لقيطة إسطنبول ) ؟
-يمكن القول :إن غياب الرجل عن حياة النساء يجعل منهن إلى حدود ما مستقلات و يوفر لهن فرصة لعمل أشياء لم يكن بإمكانهن القيام بها لو قيض لهن العيش تحت سطوة سلطة ذكورية شمولية ، و لكن هذا محض وجه واحد من القصة فقد يحصل أحيانا أن تنقلب الأم التي استحالت قائدة للمنزل إلى شخصية عنيدة و ربما قامعة في حالات معينة ،لأن عليها ان تدقق في سلوك أولادها – بناتها على الأخص – مرتين بعيون حذرة منقادة بشعور رهيب من أنها يجب ان تكون أكثر صرامة ، لذا نرى تناقضا غريبا يكمن في ان النساء الوحيدات – من أمهات أو مطلقات أو أرامل – متصلبات و قامعات لبناتهن بقصد حمايتهن من التأثيرات المؤذية للمجتمع الباترياركي .
* واحدة من الثيمات القوية في روايتك ” لقيطة إسطنبول ” و في معظم ما تكتبين بعامة هي : الحاجة إلى ان نواجه الماضي . كيف توضحين لنا انشغالك المتمركز على هذه الفكرة؟
-عندما يكون الماضي كئيبا موحشا فهل نظن ان من الأفضل للمرء ان يعرف عنه اكثر أم أقل ؟ و هل من الأفضل ان نتمحور حول الماضي أم ندع ما مضى يغادرنا وأن نتطلع بأنظارنا إلى المستقبل ؟ لا أظن هذا سؤالا سهلا أبدا ليس للأفراد حسب بل للمجتمعات أيضا . تعاملت أنا مع هذه الثنائية كما استكشفت الأدوار الجندرية و ما يمكن أن تؤديه في إعادة هيكلة الذاكرة ولطالما وقعت أسيرة هوى الثقافة النسوية السائدة ، لذا أقول ان النساء هن ناقلات الذاكرة الجمعية و المحافظات على حيويتها الخصبة .
* هل تتذكرين أول مرة سمعت فيها عن المجازر الأرمنية عام 1915 و لماذا قررت التعامل مع هذه الموضوعة الإشكالية في ” لقيطة إسطنبول ” ؟
-أعتقد إنني بدأت منذ استغراقي في عملي الكتابي بمواجهة سؤال الذاكرة و النسيان لأن طفولتي كانت كئيبة موحشة ، ثم حانت لحظة في حياتي أدركت عندها أننا اذا لم نمتلك ذاكرة نشيطة لما حدث في الماضي فلن يكون بإمكاننا أن ننضج و يصح هذا القول على الأفراد كما الأمم ، و لكن في ذات الوقت إذا ما استغرقنا الخوف من الماضي كل الوقت فلن يتاح لنا النضوج و الارتقاء باتجاه المستقبل و سنرى أنفسنا ندور في دوائر متكررة عديمة المعنى والهدف ، لذا أظن ان ما نحتاجه هو خلطة من ذاكرة و نسيان ، و التذكر يحمل الفرد مسؤولية و أنا أنتقد نفسي كثيرا لأنني غضضت الطرف طويلا عن عمليات القتل و التهجير التي طالت الأرمن عام 1915 و أحزن كثيرا لهذه المأساة المروعة ، و لكنني أجده أمرا مضللا أيضا ان نظل شاخصي الأبصار تجاه أحداث الماضي المنفرة و لا نرى الإمكانات الواعدة و التغيرات السائدة في يومنا هذا . الفرق الكبير بين الأرمن و الأتراك يكمن هنا : الأتراك يتطلعون باتجاه المستقبل بينما الأرمن محصورون في الماضي و متى ما تذكر الأتراك أكثر و تذكر الأرمن أقل عن المأساة سيكون في مقدورنا ان ننطلق صوب المستقبل معا .
* معروف عنك عالميا انك كاتبة صريحة ، عندما تكتبين رواية هل تقاربينها بقصد تمرير فكرة أو قناعة ما أم ان هذا انشغال ثانوي لديك ؟
– لا أقارب الرواية كنوع أدبي يسعى لتمرير أية أفكار مسبقة و لست أرى نفسي كاتبة رسالية و لست أرمي لتعليم شيء ما . أعتقد ان الأدب ينبغي ان يكون متدفقا و حرا كما الماء الجاري و أحب الفكرة التي تقول : ان القراء المختلفين يقرؤون ذات العمل ويخرجون منه بتفسيرات مختلفة . هناك اختلاف حاسم بين ذاتي ككاتبة و بين كوني امرأة في حياتي اليومية ، فعندما اكتب رواية أستحيل شخصية أخرى تماما و يبدو الأمر كما لو انك تستخدم جزءاً مختلفا و غير مستعمل من دماغك وأنت تكتب . عندما اكتب أكون أكثر جرأة و كشفا و كل ما اهتم له آنذاك هو القصة التي تدور حولها الرواية و أشعر بإشعاع الكتاب الراحلين يراقبني و يبعث في النشوة كما أشعر انني موصولة مع تراث قديم ضخم عصي على الموت و الاندثار و هذا هو الشئ الوحيد الذي يدفعني الى المواصلة و لا أتبع إلا آثار الخطوات التي يقودني خيالي برفقتها فكيف يمكن بعد كل هذا أن يقمع الخيال وستعبد ؟ أعتقد أن الأدب والكتّاب يمكن ان يلعبوا دورا شديد الأهمية لأن الفن والأدب بعامة يملكان قدرة تغييرية مدهشة ، فالكتاب و الفنانون يستطيعون شفاء الروح المجروحة و المواهب البشرية المثلومة و الارتقاء بالحدود الوهمية التي يضعها البشر لإمكاناتهم العظيمة و في قلب كل أدب حي تكمن القدرة على التعاطف مع الآخرين و تثوير قدراتهم الكامنة .
* معروف عنك أيضا انك مدافعة عنيدة عن حرية الفكر النقدي الحر . هل تعتقدين ان هناك حدودا يجب ان توضع على حرية التعبير ؟ و ما الدور الذي يمكن ان يكون للكاتب في هذه الموضوعة ؟
-أرى في حرية التعبير قيمة كونية و ينبغي ان يدافع عنها في كل بلد و كل ما أحذ منه أو لنقل قلقة بشأنه -هو ان تكون حرية التعبير وسيلة لتمرير خطاب الكراهية و العنف والعنصرية و رهاب الأجانب .
* نعلم أنك ولدت في فرنسا و تلقيت تعليمك في إسبانيا و أقمت و عملت في تركيا و تقيمين الآن في الولايات المتحدة . كيف ترين تأثير العيش في بيئات مختلفة على ما تكتبين ؟
-كنت طيلة حياتي هائمة على وجهي و لا يستقر لي قرار في مكان ما بعينه و أرى نفسي مواطنة تركية و عالمية و بهذا اشعر بقوة عجيبة . لي ولع عميق بإسطنبول و كل مرة أغادر هذه المدينة أعود لها بتوق أكبر من ذي قبل و هذا البندول العاطفي هو ما يميز علاقتي بوطني الأم . أن تكون كاتبا مرموقا في تركيا يعني أن تكون شخصية عامة ، فالبيئة التركية تدعم الثقافة التي تنظر إلى الكاتب و ليس إلى فعل الكتابة ذاته و الكاتب دوما تحت الأضواء هناك بينما الحالة في الغرب تختلف جوهريا : فما تكتب هو ما يتم إلقاء الأضواء الساطعة عليه وليس أنت بذاتك . نحن في تركيا أناس مسيسون منقادون بعاطفة جياشة ونميل إلى تسييس كل نقاشاتنا حول الفن والأدب .
 يتبع- القسم الثاني
________
*روائية ومترجمة عراقية /المدى 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *