الرئيسية / إضاءات / عبد الخالق يحاضر عن ابن خلدون في “الكتاب الأردنيين”

عبد الخالق يحاضر عن ابن خلدون في “الكتاب الأردنيين”


*

قال عميد كلية الآداب في جامعة فيلالفيا، د.غسان إسماعيل عبدالخالق، في الندوة التي نظمتها الجمعية الفلسفية بالتعاون مع رابطة الكتاب الأردنيين، أول من أمس، بعنوان “الفلسفة الواقعية عند ابن خلدون”، إن الحديث عن “فلسفة خلدونية ما”، يعد أمراً مستغرباً، إذا نظرنا بعين الاعتبار إلى حقيقة أن ابن خلدون قد نقض الفلسفة في النسخة المنقّحة من مقدمته العتيدة.

ورأى عبدالخالق، في الندوة التي أدارها د.توفيق شومر، أن هذه المفارقة لن تنقص شيئاً من حقيقة أنه رائد الفلسفة الواقعية في الفكر العربي والإسلامي، قديماً وحديثاً. وقد استمد ملامح هذه الفلسفة الواقعية من الأطر المرجعية الآتية؛ الفقه المالكي الذي نجح في تجديد نفسه في الأندلس والمغرب، بعد أن كاد يدفن تحت ركام الشروح على كتاب “الموطّأ”، وذلك عبر تفعيل مقولة الإمام مالك بن أنس “لا اجتهاد فيما ليس تحته عمل”!، وهي المقولة التي تكفّلت بإدامة الوجود العربي قروناً عديدة في الأندلس، ووجّهتهم وجهة عملية بحتة، بعيداً عن هوامش الخلافات النظرية التي عصفت بالشرق.
وبين عبدالخالق أن المدرسة الثقافية (الموحّدية) التي أعادت لابن حزم والفكر الظاهري اعتبارهما، التزمت بالعودة إلى الأصول فقط وأهملت الشروح من جهة، كما التزمت باستنطاق ظاهر النص وأعرضت عن التأويل من جهة ثانية، مبينا أن الفلسفة الرشدية “نسبة لابن رشد” التي قامت على فك التداخل بين التشريع الديني والتشريع الدنيوي عبر “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”، فأكدت وجود مرجعيتين؛ سماوية وأرضية، وجعلت الأولى نقلية يقينية وليست قابلة للإحاطة العقلية الكاملة، كما جعلت الثانية وضعية تجريبية وللعقل فيها القول الفصل. فضلا عن أنها طالبت بتضييق مداخل الجدل في إطار المرجعية الأولى، وعظّمت مداخل النظر في المرجعية الثانية، لأنها مرجعية تجريبية متضايفة.
وأوضح عبدالخالق أن هذه المرجعيات الفكرية، إلى جانب تجارب شخصية وعملية مبكّرة ومؤلمة، على الصعيد السياسي، دفعت ابن خلدون إلى كتابة تاريخه المشهور “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر”، فاعتصم بقلعة ابن سلاّمة، لمدة أربع سنوات، خالصاً إلى بلورة ملامح فلسفته الواقعية في “مقدمة”، هذا التاريخ، على النحو الآتي؛ التاريخ لا يعدو كونه دورات زمنية حتمية مغلقة، محكومة بثلاث مراحل هي؛ الصعود الحضاري، الانحطاط الحضاري، والأفول الحضاري. ويقول إن الشرطين الموضوعيين الحاسمين لإحراز الصعود الحضاري في التاريخ هما؛ التحشيد الجماهيري وتأجيج الروح القتالية، والشرط الموضوعي الحاسم لبلوغ مرحلة الانحطاط الحضاري هو استشراء نمط الحياة الاستهلاكية على حساب الرابط الفكري أو السياسي والروح القتالية.
وبين عبدالخالق أن هذه الحتمية التاريخية عامة وشاملة لكل المجتمعات والحضارات، بدون استثناء أو تمييز، بما في ذلك المجتمعات والحضارة العربية والإسلامية، منوها إلى أن التحشيد الجماهيري شرط ضروري لنشر الايديولوجيات، ويتساوى في الحاجة إليه الأنبياء والزعماء السياسيون والقادة العسكريون، وأن الروح القتالية يمكن أن تكون عامل بناء داخل الحضارة، ويمكن أن تكون عامل هدم داخل الحضارة ذاتها، وأن قوانين التاريخ والمجتمع لا يمكن استنباطها إلا من خلال مراقبة حركة الواقع مراقبة وصفية صارمة، ولا يجوز خلطها بالخرافات أو الأساطير أو المبالغات.
وقال عبدالخالق “ترتب على هذه المرتكزات الواقعية في الفلسفة الخلدونية، جملة من المصادرات والمسلّمات الفكرية والثقافية، أهمها؛ رفض الفلسفة الأرسطية والمنطق الأرسطي، بوصف الأولى معرفة نخبوية متعالية على الواقع من جهة، وبوصف الثاني معرفة صوريّة يمكن أن تصح نظرياً لكنها قد تكون خاطئة واقعيا”.
ويذهب عبدالخالق إلى أن اللهجات الشعبية وآدابها تزدهر بانحطاط الدولة المركزية لملء الفراغ الناتج عن تراجع دور اللغة والآداب الرسمية. ويمكن أن تكون رديفا لها، ويجب الاعتراف بحقها في التواجد إلى جانب اللغة الرسمية، كما يجب دراستها بوصفها منظومات لغوية وثقافية قابلة للتقعيد أسوة باللغة والآداب الرسمية؛ لهجات الأمصار، سيرة وأشعار بني هلال، والموشّحات.
وبين قائلا “لا بد من إلغاء نظرية العلل والعوامل الثواني والثوالث في النحو العربي، والاكتفاء بالعلل والعوامل الأولى فقط، ولا بد من إعادة كتابة التاريخ العربي وتخليصه من الخرافات والأساطير التي شابت تواريخ الطبري والمسعودي بخصوص قصة الخلق والأقوام الغابرين”. ويضيف “كما لا بد من إعادة كتابة تاريخ الفتوح الإسلامية بحيث يجب التوقف عن المبالغة في تكثير أعداد جيوش الروم وتقليل أعداد جيوش المسلمين (معركة اليرموك مثلا)، وقد أخذ بهذا التوجه أستاذنا الدكتور إحسان عباس، في معرض تأريخه لبلاد الشام في العصور: الإسلامي والأموي والعباسي”.
والثروة الحقيقية التي يجب أن تسعى المجتمعات المتحضرة لامتلاكها، كما يقول عبدالخالق، تتمثل في فائض الوقت الذي يجب أن تستثمره في القراءة والكتابة على صعيد الممارسة الشخصية.
ويردف “وبعد أن فرغ ابن خلدون من كتابة التاريخ والمقدمة وانتقل من الجزائر إلى الإقامة في مصر، فقد واظب على التعاطي مع تقلّبات الأحوال السياسية بطريقة عملية وواقعية، ولم يعتزل الناس أو التدريس أو العمل حتى توفي، وعلى صعيد توثيق سيرة حياته الشخصية والعلمية والعملية، فقد اعتنى بتوثيق هذه السيرة على نحو تقريري واقعي دقيق، كما لو كانت مسرداً أو ثبتاً أو برنامجاً علمياً صارماً عبر كتابه (التعريف بابن خلدون ورحلته غرباً وشرقاً)”.
________
*(الغد) الأردنية

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *