الرئيسية / إضاءات / حال الثقافة الأردنية: الإنقاذ قبل الانهيار والاضمحلال

حال الثقافة الأردنية: الإنقاذ قبل الانهيار والاضمحلال


فخري صالح *

( ثقافات )


يقترب عدد الأعضاء المنتسبين إلى رابطة الكتاب الأردنيين من حاجز الألف. ذلك يعني أننا ننافس الصين في عدد الكتّاب، روائيين وكتّابَ قصة وشعراء ونقاداً وباحثين ومترجمين، أو أن عدد كتابنا وأدبائنا يزيد على الأقل عن عدد الكتاب المعترف بهم في دول مثل ألمانيا وبريطانيا واليابان وكوريا الجنوبيّة، أو أيّ دولة في العالم لا تمارس الرقابة على الكتابة والثقافة، وتؤمن بديموقراطية الرأي والرأي الآخر. فإذا زدنا على أعضاء رابطة الكتّاب من ينتسبون إلى اتحاد الكتاب الأردنيين، وهو الهيئة الموازية التي قامت بعد غلق الرابطة بأمر عرفيّ في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، فإن عدد الكتّاب والأدباء والمتأدبّين وحملة القلم أو الحاسوب المحمول، ومن يجدون في أنفسهم رغبةً في التعبير عن آرائهم ومكنون قلوبهم، سوف يقترب من حاجز الألفين. وهذا عددٌ لا شك يتفوّق على عدد المسجلين من كتاب وأدباء في اتحاد الكتاب الصينيين، أو أنه يساويه على الأغلب. 
هذا الرقم المهول من أعداد الكتّاب المسجلين رسميّاً في الهيئتنين الثقافيتين الأردنيتين، المعترف بهما بصورة متساوية تقريباً من قبل وزارة الثقافة، يوهم بوجود حركة ثقافية نشطة تنافس مثيلاتها في الدول العربية الأخرى، بل إنها تتفوّق عليها، وتفيض باتجاه عواصم الثقافة في العالم. فهذه الكثرة الكاثرة من المقبولين في عضوية الرابطة، أو الاتحاد، على مدار حوالي عقود أربعة ماضية، توحي للناظر من الخارج أن الحماسة والحركيّة الإبداعيين هي السبب الفعليّ الكامن وراء تزايد عدد الكتّاب في بلدٍ عددُ سكانه حوالي ستة ملايين نسمة، أو يزيد قليلاً. وسوف يظن هذا الناظر أن ثمة ازدهاراً في حركة النشر والترجمة والتأليف والكتابة والصحافة والإعلام والمؤسسات الثقافية، الحكوميّة والأهليّة، يشجّع على التوجّه إلى احتراف مهنة الكتابة والتأليف التي لا تدرّ مالاً ولا تجلب جاهاً في معظم دول العالم الثالث.
لكن الحقيقة للأسف مقيمةٌ في مكان آخر. ثمّة أعدادٌ كبيرة من “الكتّاب” لكن دون أن تكون هناك حركة كتابة. ثمّة روابط واتحادات للكتاب والمثقفين لكن لا تأثير حقيقيّاً لهذه المؤسسات، التي يُفترض بها أن ترعى حقوقهم وتطوّر الحالة الثقافية العامّة. إننا نعيش في حالة من الركود الثقافي وعزوف الكتّاب ذوي الأهليّة الثقافية عن المساهمة في هذا الخراب العميم الذي أصاب حياتنا الثقافية، بحيث يتصدّر العملَ الثقافي أصحابُ المواهب الصغيرة المحدودة من الطامحين إلى الظهور أو الساعين إلى المكاسب والمصالح الضيّقة، التي تغلب عليها الفئويّة أو المحازبة أو الشلليّة، بحيث فقدت مؤسساتنا الثقافية، سواءٌ تلك الحكومية أو الأهلية، وزنها واحترامها بين الناس. هكذا صار كلّ من أمسك القلم أو أمسك الريشة، أو كلّ من ادعّى وصلاً بليلى الثقافة، مسؤولاً ثقافيّاً كبيرا أو نقيباً أو رئيساً لمؤسسة ثقافية. كما تهلهل الوضع إلى الحدّ الذي تلاشى فيه دور المثقفين الحقيقيين وإسهامهم الفعليّ في تحقيق تقدم وتطور في الحياة الثقافية الأردنيّة التي ازدهرت حين كان عدد الكتّاب والمثقفين لا يزيد عن المائة، لكنها تردّت واضمحّل دورها وتراجع تأثيرها في الداخل والخارج حين زاد هذا الرقم عن عشرين ضِعفاً. فالإنجاز في عالم الثقافة والفكر والإبداع لا يقاس بالكمّ بل بالكيف والنوعيّة، كما أن الحراك الثقافيّ يتطلّب عقولاً استراتيجيّة ودفعاً داخليّا ومشاريع كبيرة لكي يتحقق ويؤدي إلى تحول وازدهار في المجال الثقافي العامّ. لكننا، ويا للأسف، نفتقد هذه العقول الاستراتيجّية، ونعاني من يأس مقيم واستسلام للخراب الذي يلفّنا من كلّ جانب.
كثيرٌ من العشوائيّة

يتّسم العمل الثقافي لدينا بالعشوائية وعدم التخطيط، وانعدام الاستراتيجيّة، رغم انعقاد عدد لا بأس به من المؤتمرات الوطنيّة والندوات وورش العمل التي أصدرت خططاً وتوصيات سمّاها مصدروها خططاً استراتيجية تهدف إلى السير بالعمل الثقافي إلى الأمام، وتطوير الحياة الثقافية وإثرائها، والوصول بالمنتج الثقافي الأردني إلى أكبر عدد من المواطنين، وجعل الثقافة خبزاً يومياً للمواطن! لكن مراجعة هذه الخطط الاستراتيجية (!)، التي صدرت عن وزارة الثقافة أو عن عدد من المؤتمرات الوطنية، التي أشرفت الوزارة على معظمها، تكشف عن كلامٍ شديد الإنشائية ولجوءٍ واضح إلى العموميّات دون أن تحدد هذه الاستراتيجياتُ الوسائلَ الكفيلة بتحقيق الرؤى التي حكمت تصورها لمعنى الثقافة وغاياتها ووسائل انتشارها والشرائح المستهدفة والمتلقيّة لأنواع الثقافة والفنون المختلفة. لقد اتسّم ما يسمّى بالمؤتمرات الثقافية الوطنيّة، التي انعقدت على مدار السنوات الماضية، بالاحتفاليّة والمهرجانيّة والإثارة الإعلاميّة، رغم أن أعداد متابعي هذه المؤتمرات والمهتمين بها كانت تتناقص بعد الافتتاح، بحيث تقتصر على المشاركين، وعلى بعضهم في حالات كثيرة. هكذا تحوّلت تلك المؤتمرات إلى مجرّد ظواهر صوتيّة لا تأثير لها في الحياة الثقافية، فما قيل فيها سرعان ما يخبو بعد أن ينفضّ السامر ويعود كلّ مشارك إلى بيته. ومع أن بعض الأوراق والمداخلات التي كانت تقدّم في تلك المؤتمرات تميزت بالدقة المنهجية والتوصيات المفيدة التي تستحق المتابعة ووضعها موضع التنفيذ، إلا أن العقلية الاحتفالية، التي تلجأ دوماً للعموميات ولا ترغب في إحراج أي مسؤول أو جهة، كانت تتنكّب تلك التوصيات المفيدة والعمليّة لصالح كلام إنشائي أقلُّ ما يقال فيه إنه فارغ وأجوف ويدلّ دلالةً قاطعة على عدم الرغبة في العمل الثقافي الجادّ أو توجيه الحياة الثقافية لكي تصير منتجة ومؤثرة في الحياة العامّة. لقد سمعنا، على مدار سنوات وعقود من الزمن، جعجعة كثيرة جوفاء ولكننا لم نرَ طحناً. كما استمر وزراء الثقافة، الآتون من خارج الجسم الثقافيّ ومن غير المشتغلين بالعمل الثقافي المتخصص أو العام في العادة، في المجيء والذهاب دون أن يكون هناك تقدمٌ في الحياة الثقافية؛ بل إن واقع الحال يقول إن الحياة الثقافية الأردنية ضعفت وتهلهلت وخبا تأثيرها في المجال العام، كما ضعف حضور المثقفين الأردنيين في وسائل الإعلام الأردنية والعربية، وتراجع دور هؤلاء المثقفين في الثقافة العربيّة بعامّة، على عكس ما كان عليه الأمر في سنوات وعقود ماضية. إننا نفرح، استناداً إلى هذه المعطيات وبناءً على هذه الخلفيّة، للحضور القويّ الذي يحققه كاتبٌ أردني في الحياة الثقافية العربيّة، أو لبروز ممثل أردني في الدراما السورية أو المصريّة، بعد أن اضمحلّ الإنتاج الدراميّ في الأردن، ومات المسرح، وتراجع دور التلفزيون الأردني وفقد نسبةً كبيرة من مشاهديه في السنوات الأخيرة. 
أفلا يستدعي هذا الوضع الكئيب للثقافة الأردنية تحركّاً سريعاً من قبل مؤسسات الدولة الأردنية أولاً، التي نعلم علمَ اليقين أنها لا تهتم اهتماماً حقيقياً بالثقافة والفنون (بل إنها تتعامل معها بوصفها ديكوراً وإكسسواراً وتسليةً خاصةًّ بمجموعة لا تجد لها عملاً أو ألهية)، وكذلك من قبل المؤسسات والتجمعّات الثقافية الأهليّة، مثل رابطة الكتّاب المشغولة دوماً بالانتخابات واستقطاب المحازبين وزيادة أعداد المنتسبين بحيث تبقى الإدارة بأيدي تيارٍ بعينه ولا تذهب إلى تيار منافس آخر؟ لكن الثقافة شأنٌ استراتيجي وليست تسلية. إنها ضرورة وليست ديكوراً. هي عنصرٌ حيويٌّ من عناصر العيش اليوميّ وليست ألهية. ولهذا فإن المجتمعات التي تهمل الثقافة والفنون، أو تحاربها وتناصبها العداء، تؤول إلى السقوط والتحلل والانحطاط. 

معضلة الوزارات الثلاث

يخطئ صانع القرار في الدولة الأردنية إذ ينظر إلى الثقافة بوصفها إكسسواراً، حليةً تتجمّل بها الحكومات وتقبعُ في أسفل اهتماماتها؛ فهي في الأغلب شيءٌ فائض عن الحاجة، أو أنها لزوم ما لا يلزم بتعبير شيخ المعرّة الشاعر الحكيم العظيم أبي العلاء. فالناظرُ إلى تاريخ تشكيل الوزارات الأردنية، خلال العقود الماضية، سيجد أن وزارة الثقافة جرى إلغاؤها أكثر من مرّة وتمّ إلحاقها بوزارات أخرى، فتارةُ هي ملحقةٌ بوزارة الإعلام وتارة بالسياحة. كما أنها أُسندت في معظم التشكيلات الوزارية إلى أشخاص من خارج الوسط الثقافي، وكأنها جزءٌ من استكمال المحاصصة المناطقية ومنحةٌ يُسترضى بها من لم يتمّ تذكره، في خضمّ المشاورات التي سبقت الانتهاء من عملية التشكيل الوزاري، إلا في اللحظة الأخيرة.
لكن ما تحدثت عنه أعلاه ليس سوى عرضٍ من أعراض النظرة التي تهوّن من شأن الثقافة، ولا تفطن إلى دورها السياسي ـ الاجتماعي، وإسهامها في إدامة السلم الأهليّ، وقدرتها الفعليّة على تشكيل الهويّات وتوحيد المجتمع ومحاربة العنف والتطرف وتفريغ الطاقات السالبة التي تنشأ نتيجة خنق الحريّات الإبداعية وعدم الاهتمام بالفنون وجوانب الإبداع لدى الطلبة في المدارس والجامعات. وهذا يعني أن الاهتمام بالثقافة يقع على الخط الواصل بين ثلاث وزارات أساسية هي التربية والتعليم، والتعليم العالي، والثقافة. فدون تضافر العمل بين هذه الوزارات لا يمكن للدولة أن تقول إنها تهتمّ بالثقافة، وتوليها ما تستحقه من تقدير نابع من الدور الأساسيّ الذي تقوم به في المجتمعات والدول التي تطمح إلى التقدّم وزيادة رصيدها الحضاري ومكانتها الإقليميّة والدوليّة. 
لنعترف أن ثمّة انفصالاً وتباعداً وعدم تنسيق بين وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي، من جهة، ووزارة الثقافة، من جهة أخرى؛ بل إن هذه الوزارة التي تُعدّ من بين الوزارات المركزية، بل ربما السياديّة في بعض الدول، تبدو ثانويّة وغير مسموعة الصوت بين الوزارات، وقد سمعتُ من بعض وزراء الثقافة السابقين أن الطاقم الوزاري عادةً ما ينظر إلى اقتراحات وزير الثقافة بنوع من الاستغراب والاستهجان، وكأن الوزير وما يقترحه آتيان من كوكب آخر! وهو ما يدلّ على تكريس متواصل لإهمال الثقافة وعدم النظر إلى دورها الحيويّ في المجتمع، إلى درجة التعامل معها بوصفها زائدة دوديّة في جسد أي تشكيل وزاري. ولعل هذه النظرة هي التي تحول دوماً دون التنسيق بين الوزارات الثلاث التي يبدو عملها متداخلاً ومتضايفاً ومتكاملاً على جميع الصعد، إذ ينبغي أن يكون لوزارة الثقافة دورٌ أساسي في وضع المناهج التربويّة وتوجيه السياقات التعليميّة ووضع الاستراتيجيّات الخاصة بالتعليم في مستوياته ومراحله المختلفة. هذا ضروريّ للتخلص من الفكر المتطرّف والعنيف والانعزالي، والأفكار الضارّة، والحالة التعليمية المترهلة، والانهيار المتواصل في حالة التعليم في مرحلة ما قبل الجامعة كما في التعليم الجامعيّ في مراحله الدنيا والعليا. 
لقد تعاقب على إدارة التعليم، على مدار عقود من الزمن، أشخاصٌ غيرُ موهوبين، وذوو فكرٍ محافظ وتقليدي، وقد ناصبوا الثقافة العداء وتعاملوا معها بوصفها خطراً، وسمّاً قاتلاً، وشيئاً فائضاً عن الحاجة على أقلّ تقدير. وقد آن الأوان لإعادة النظر في التعليم أوّلاً، وتخليصه من الرؤية التقليديّة، المحافظة، والأمنيّة، وإحداث ثورة في المناهج لكي نلحق بالعالم المتقدم؛ ومن ثمّ، وصلُ التعليم بالثقافة، بمعناها العامّ الواسع الذي يتخطّى حصرها في دائرة كتابة الشعر والقصة والرواية (وهو ما يبرر النظر إليها من علٍ وكأنها تسليةٌ تسرّي بها فئةٌ قليلة عن نفسها). ويتطلّب هذا، بالضرورة، تشكيلَ مجلس يضمّ الوزارات الثلاث للتنسيق فيما بينها، إذ بدون ذلك سيظل التعليم متخلفا وتبقى الثقافة زائدة دوديّة. 
انسحاب الدولة من المشهد

رغم كثرة ما نشهده من أنشطة ثقافية، ومحاضرات وندوات ومؤتمرات، هنا أو هناك، خصوصاً في العاصمة وبعض المدن الكبرى في المملكة، فإننا نحسّ أن ثمّة شيئاً ناقصاً. ومع ذلك فنحن نشهد جيلاً يتشكّل ويتفتح ويسعى إلى التواصل مع أقرانه ومع الجمهور المتعطش، مثله مثل الشعراء والقصاصين والروائيين والرسامين الجدد؛ إنه يسعى إلى التواصل والتعرّف على البدايات والوقوع على الخطوة الأولى التي يخطوها عالَمٌ جديد يتكوّن. ولا شك أن ذلك مرتبطٌ ارتباطاً غير مباشر بما حدث في العالم العربي خلال السنوات الثلاث الماضية من ثورات وانتفاضات وتململات ترغب في صياغة مجتمعات عربية ديموقراطية جديدة. لكن المشكلة الأساسية التي يعاني منها هذا النشاط الثقافي والأدبي والفني هو أنه ضعي، مشظّى، مفتت، ويبدو بلا وجهة أو بوصلة. إنه بلا شكل أو بنية أو شخصية، وهو لذلك بلا أثر واضح على المشهد العام الكابي والبئيس الذي يحدد الإطار الذي يحاصر الفعل الثقافي بمجمله. 
فما هي الأسباب المقيمة التي تعطّل الفعل الثقافي والأدبي والفني لدينا؟ لماذا آل المشهد الثقافي النشط والمتفجر منذ الستينيات وحتى منتصف التسعينيات إلى ما آل إليه الآن؟ يتطلّب هذا السؤال قراءات مركّبة للواقع الثقافي، وللتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي حصلت في المجال العام وأثّرت دون أي شك على المجال الثقافي العام والخاص؛ أي أنها غيّرت من طبيعة العلاقات التي تربط المنتحين الثقافيين بالمتلقين والمموّلين الثقافيين المتمثلين في الدولة والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية، وحتى الجمعيات والمنظمات الأجنبية غير الحكومية التي دخلت على الخط منذ عقدين من الزمن على الأقل. لقد كانت الثقافة والفنون في السابق تعتمد اعتماداً أساسياً على المنتجين الثقافيين وحماستهم منقطعة النظير لتحديث الواقع الثقافي وتجديد الأشكال وإحداث نقلات نوعيّة في الحالة الثقافية والفنية، ولم تكن الدولة تقدّم إلا القليل لدعم المسرح وبعض الروابط الفنية والثقافية، فيما كانت مؤسسة الإذاعة والتلفزيون تقوم بدور أساسي في الإنتاج الدرامي والإذاعي وتوفير فرص عمل للكثير من المنتجين الثقافيين، كتّاباً وممثلين ومخرجين.. إلخ، ما سمح بحدوث تحولات نوعيّة في المشهد الثقافي حتى منتصف تسعينيات القرن الماضي. حدث ذلك رغم وجود هاجس أمنيّ مقيم يراقب ويعاقب المثقفين، ويمنع حدوث تحولات جذرية في الحياة الثقافية. صحيحٌ أن المثقفين كثيراً ما شكوا من سطوة هذا الهاجس الأمنيّ، لكن وجود اتفاق ضمنيّ بضرورة ترك المثقفين والأدباء والفنانين يعملون في حيّزهم الخاص جعل المشهد الثقافي حيوياً ومنتجاً وذا حضور قويّ في الحياة الثقافية العربية. 
لكن تبني الدولة لسياسات الليبرالية الاقتصادية والخصخصة، والتخلّي شيئاً فشيئاً عن دعم الثقافة والفنون، وتقليص ميزانية وزارة الثقافة (ما أدى إلى تحوّلها إلى جسم إداري غير فاعل يستنزف ميزانية الوزارة)، خصوصاً بعد وصول مفاعيل الأزمة الاقتصادية العالمية إلينا قبل عدة سنوات، ضربت الثقافة والفنون في مقتل، وسمحت لليبراليّ، العتيق أو الجديد (لا فرق!)، من صنّاع القرار بإدارة الظهر للتنمية الثقافية، وتحويل الثقافة والفنون إلى ظوهر مهرجانيّة احتفاليّة، فارغة من المعنى في معظم الأوقات. لقد اضمحل دور مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، دراميّا وثقافيّا، وحتى إعلاميّاً، ونتج عن ذلك موتُ المسرح والدراما وهجرة المخرجين والممثلين الموهوبين إلى خارج الأردن ليشاركوا في الدراما السورية أو المصرية. هذا جزءٌ أساسيٌّ من المشهد، علينا أن لا نستهين به لأنه يلخصّ حال الثقافة في الأردن، ولأنه يشير إلى ضعف المجتمع الأهلي المدنيّ في مقابل الدولة، فإذا قررت الدولة الانسحاب من دعم الثقافة والفنون، بصورة حقيقية، فليس هناك مؤسسات أهليةٌ قادرة على ملء الفراغ. 

دور المجتمع الأهليّ

إذا كانت الدولة قد أدارت ظهرها للثقافة فما هو الحل؟ ما هي السبل الممكنة لتفعيل دور الثقافة والفنون في مجتمع يرزح تحت انهيار مستوى التعليم وضعف القراءة وعدم الاهتمام الجديّ بالفنون والارتفاع المستمر للأسعار، وكذلك تكاليف المعيشة، ضمن ضائقة اقتصادية تطحن الشرائح الفقيرة والطبقة الوسطى؟ إنه سؤال بسيط لكن الإجابة عليه شديدة التعقيد، كما أننا نستطيع أن نضع إجابات على الورق لكن تحويلها إلى واقع ملموس يبدو أمراً صعباً بعيد المنال. 
تقول أجهزة الدولة إنها لا تملك الكثير من المال للصرف على الأشياء الأساسية، فمن أين تجلب المال للصرف على أنشطة فرعية مثل الدراما والمسرح والمعارض التشكيلية والأنشطة الثقافية المختلفة؟ كما أن حكومات سابقة وضعت قانوناً لصندوق الثقافة والفنون فقام مجلس نواب سابق بإلغاء القانون لأن الصحف التي كانت المورد الرئيسي لهذا الصندوق هددت بإلغاء صفحاتها الثقافية! وها هي الصحف نفسها تشكو عجزاً مالياً متزايداً وتجأر بالشكوى هي الأخرى مطالبةً الدولة بدعمها، بإلغاء الجمارك والضرائب على مدخلاتها، لكي تتمكن من الصمود والاستمرار والقدرة على أداء رسالتها الإعلاميّة، وتوفير حياة كريمة للعاملين في مهنة المتاعب. في الوقت نفسه فإن الصحف، ومن قبلها مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، قد بدأت منذ سنوات قليلة في إهمال رسالتها الثقافية وتقليص مساحات العمل الثقافي داخلها، ما زاد الطين بلّة ووجّه ضربة جديدة إلى الواقع الثقافي؛ فلا الدولة مهتمةٌ بالثقافة والفنون ولا الصحف، التي كانت تعوّض غياب الصحافة الثقافية المتخصصة والمجلات التي بدأت في الاختفاء واحدةً بعد الأخرى (مجلة عمان، ثم مجلة تايكي، لكي لا يبقى سوى مجلة أفكار، والمجلة الثقافية، والروزنا التي يصدرها اتحاد المرأة الأردنية)، قادرةٌ على الاهتمام بدورها لأنها تتعرّض لضغط شديد ينذر بانهيارها. 
إننا نصل إلى حائط مسدود إذن، ويبدو الأفق قاتماً، بل مظلماً في وجه الثقافة والفنون، في بلد لا يملك من الموارد الكثير، كما أنه يعتمد على المساعدات الخارجية. لا مال للصرف على هذه القطاعات، التي تنتمي في العرف الاجتماعي (لا في نظرة الدولة فقط) إلى عالم الترفيه والمتع الشخصية وعدم الضرورة. لكن الأهمّ من غياب المال هو غياب الاستراتيجيّات؛ فثمّة نزرٌ يسيرٌ من المال هنا وهناك، لكنّ هذا المال يصرف بطرق غير منتجة، فتستمر الدولة وكذلك المؤسسات الأهليّة في الإنفاق على ما ثبت فشلُه وعدمُ إنتاجيته وضعفُ مردودِه وانتماؤُه إلى الطابع الاحتفاليّ المهرجانيّ. هناك غيابٌ واضح للخيال والرغبة في توظيف المال القليل في ما ينفع الناس ويبقى في الأرض. فلماذا نصدر مجلة إذا كنّا غير قادرين على توزيعها؟ ولماذا نتوقف عن إصدار مجلة ناجحة في الوقت الذي نواصل إصدار مجلة لا رؤية لها ولا قدرة لدينا للوصول بها إلى جمهورها المستهدف؟ ثمّة غياب للتنسيق، وعنادٌ وكِبْر، وإصرارٌ على مواصلة الفشل، لأن امتلاك الخيال والرغبة في العمل الجادّ وغزو آفاق جديدة في العمل الثقافي هي من سمات المسؤول اللامع الذي نفتقده.
يقع حلّ معضلة تآكل القطاعات الثقافية والفنيّة، وكذلك الإعلاميّة، على كاهل المجتمع المدنيّ، والمؤسسات الخاصّة الداعمة للثقافة والفنون، وعلى الروابط والاتحادات والجمعيات الثقافية والفنية والأهليّة. فدون مجتمع أهليّ يتمتع بالحريّة والفاعليّة والقدرة على المبادرة لا يمكن أن تزدهر الثقافة. كما أن تركَ الأمر بأيدي مؤسسات المجتمع المدنيّ يتطلب تشريعات تشجّع على دعم الأنشطة الثقافية والفنية، وذلك من خلال تطوير التشريعات القائمة، وإعادة النظر في صندوق دعم الثقافة والفنون، وتوسيع شريحة الجهات والمؤسسات والشركات التي ينبغي اقتطاع جزءٍ يسير من أرباحها لصالح دعم هذا الصندوق، لا الذهاب إلى الصحف التي لم يبق لديها الكثير من المال لكي تصرف على نفسها وعلى موظفيها. وعلى الروابط والاتحادات والجمعيات الثقافية والفنية أن تبادر إلى حملة للضغط على رئاسة الوزراء ومجلسي النواب والأعيان لتوفير تشريعات جديدة تنقذ القطاعات الثقافية والفنية من الانهيار الكامل. 
* ناقد من الأردن 

شاهد أيضاً

وفاة فنان “فرح السودان” صلاح بن البادية

رحل الفنان السوداني الكبير صلاح بن البادية، أمس الاثنين، عن عمر ناهز 82 عاما، عقب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *