الرئيسية / إضاءات / غادة الكاميليا وحقيقتها بلا رتوش

غادة الكاميليا وحقيقتها بلا رتوش


*

في عام 1844، وقبل زمن قصير من وفاة ماري دوبليسيس (23سنة) بسوء الهضم اخبرت وصيفتها قائلة: (أحسست دائماً انني سأعود الى الحياة)، وقد صدقت نبوءتها وحصلت على شهرة واسعة خلدتها، وذلك عبر رواية الكسندر دوماس الشهيرة، (زهرة الكاميليا)، وبعدها عبر اوبرا فيردي (لاترافياتا) المستمدة من رواية دوماس.

وكانت دوبليسيس، شهيرة في حياتها ايضاً، اذ كانت احدى فتيات البلاط الباريسي الشهيرات في القرن التاسع عشر لتميزها بجمال طبيعي باهر (شاحبة اللون، ذات شعر اسود ولها شفان اكثر احمرارا من الكرز)، وبدت امام الكسندر دوماس مثل تحفة من خزف صيني.
ولكن الرواية والاوبرا التي تناولت حياتها، غيرت اسم ماري الى مارغريت (في الرواية) والى (فيوليتا) في الاوبرا، لتصبح رمزاً روائياً مثل شخصية (سونيا) في رواية (الجريمة والعقاب) لدوستويفسكي والتي تميزت بامتلاكها قلباً مليئاً بالحنان والرقة، وقد امتعت شخصية مارغريت او فيوليتا جمهورها، عبر انجرافها الى مشاعر الندم والتوبة ولوم الذات.
وفي سيرة جديدة لكاميليا، للكاتبة جولي كافاناغ، نجد سيرة حياة مختلفة في كتاب يحمل عنوان (الفتاة التي احبت الكاميليا) وتكشف فيه مدى التزويق الذي اضيف الى تلك الشخصية الحقيقية.
وتكشف كافاناغ عن شخصية دوبليسيس العملية في مواجهة المشاكل، اذ كانت ماري تواجه مطالب الحياة بواقعية تنسجم مع ميولها نحو المتعة، وتتلاءم مع المرحلة الزمنية التي كانت تعيشها والعمل الذي كانت تؤديه. والمكان الذي كانت تعيش فيه، (انها المرحلة الأخيرة من حكم الملكية، وكانت مركزاً للباحثين عن الثروة، والتساهل مع الذات والانغماس في الملذات) كما وصفتها دوبليسيس في رسالة كتبتها لاحد المتقدمين اليها، قائلة. (سيدي البارون، اعلم ان مهنتي قذرة ولكن عليّ اعلامك ان الحصول عليّ يكلف قدرا كبيراً من المال، والرجل الذي سيرعاني يحب ان يكون غنيا جدا لتغطية احتياجاتي ونفقات منزلي والخدم الذي يعملون فيه، ويكون مسؤولاً عن حمايتي ايضاً).
وقد يندهش القارئ من هذا الجشع والمكر، اذ ربما انه كان متوقعاً ان يجد في ماري نوعا من الرقة التي اسبغها كل من دوماس وفيردي عليها، وهذه الصفات التي اسبغتها المؤلفة على ماري، اثارت من قرأ العمل قبل طباعته ونشره، اذ انهم كانوا يرسمون لبطلة فيردي صورة رقيقة وحالمة وتعزو المؤلفة تلك السمات الشخصية الى نوع الحياة التي عاشتها ماري، والتي تشبه تلك البيئات التي يصفها ديكينز او زولا في اعمالها الادبية.
وكانت (الفونسيسن) ولدت في عائلة فقيرة لفلاحين من نورمان، والدها بائع متجول مدمن على الخمر يدعى مارين بليسيز وكان يؤذي والدتها باستمرار، والتي توفيت والفونسين في الـ7 من عمرها، وسرعان ما تخلى الاب عن ابنته في السنة التالية، وانتقلت الابنة للعيش مع اقارب لها، وعندما اصبحت في الـ14 من عمرها، ظهر الوالد ليطالب بها، وهو معروف بالفاسق، وكما تقول صديقة الفونسين، انه اراد بيعها لاحد الرجال، وكان الأب قد اتفق فعلاً على مقايضتها بفرقة من الغجر، (وكانت انذاك في الـ11 من عمرها)، والى فرقة من الممثلين وهي في الـ13 من عمرها، وسافر معها الى باريس، ويقال انه بعد ذلك فقد اثرها، تاركاً اياها تبحث عن معيشتها في مدينة لا تعرفها.
في البداية، عملت الفونسين في محل لغسل الملابس، ثم في دكان للخياطة، ولكن جمالها بدا يتبلور ويبدو واضحاً للعيان، وهكذا بدأت تفكر في عمل اخر، وهو ان (تعيش) مع رجل ثري وكان اول من تقدم لها ارمل في اواسط العمر، من الطبقة المتوسطة، قدم لها شقة مؤثثة مستأجرة باسمها وايضاً 3,000 فرنك لاحتياجاتها الخاصة، وعلى اي حال، كما تقول الكاتبة، ان العرض كان افضل مما كانت تحصل عليه كبائعة في محل، وهو مبلغ 22 فرنك شهرياً، وهل تعمل 13 ساعة في الاسبوع، ولم يكن لديها خيار غير الموافقة.ولم يتطلب الامر مدة طويلة من ماري دوبليسيز، وسرعان ما تكاثر عشاقها، الكونت غوستاف من استونيا، انفق عليها ببذخ، اما الكونت ادوارد دي بيريغوا الرجل الذي اطلق عليه الكاتب دوماس اسم ارماند دوفال في روايته (غادة الكاميليا)، فقدم لها هدية كبيرة وهو زواجه بها بتاريخ 21/شباط/1846، واصبحت بذلك كونتيسة.
ومن سوء حظ بيريغوا، انها لم ترغب فيه بل بلقبه ولامكانية تقربها من رجل اخر كان ابناً لوصيفة في البلاط، ومن سوء الحظ انه رفض طلبها لمرافقته في رحلة طويلة استمرت 18 شهرا، اما ماري فقد انجرفت الى نوبات من الثمالة والادمان على الشراب وكانت في تلك المرحلة، قد اشتهرت في عالم الطبقة الراقية، وتتميز بملابسها الثمينة ومجوهراتها وخيولها (وايضاً بحبها لزهور الكاميليا والتي اصبحت من العلامات الفارقة لها).
وعاشت حياة لاهية، وفي اقل من عام ودعت الحياة، اثر اصابتها بمرض السل، وقد تركت خلفها مجموعة قيّمة من الحاجيات الثمينة، تم بيعها لتصفية ديونها، وقال الحوذي الخاص بها، (انها لم تحتس غير الشامبانيا).
* توفي جاك فيرجيه في باريس، في المنزل الذي كان مرة لفولتير.
__________
* عن: الغارديان(المدى)

شاهد أيضاً

ترويض النفس

خاص- ثقافات *الدكتورة سمر الشامسي النفس عند أرسطو جوهر، لكنها جوهر ذو أنواع مختلفة، فقد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *